icon
التغطية الحية

الحرب والملاحقات الأمنية غيرت مهن السوريين في حمص

2022.05.27 | 16:59 دمشق

photo_2022-05-26_13-50-45.jpg
ورشات تصليح ميكانيك سيارات شحن على الطريق الدولي حمص - حماة (خاص)
ريف حمص - خالد الحمصي
+A
حجم الخط
-A

يهمل النظام السوري بشكل كامل ومقصود الحالة المعيشية للمواطنين السوريين، حيث تكاد تكون فئة الشباب الأكثر تضررا وضياعا في ظل ظروف الحرب المدمرة التي شنها النظام السوري وحلفاؤه على الشعب السوري، والتي طالت كل مرافق الحياة في البلاد وأدت إلى انعدام كل أشكال الاستقرار بما في ذلك الأمن الغذائي.

ووفقاً لتقديرات المكتب المركزي للإحصاء، العامل بشكل رسمي في مناطق سيطرة النظام، وصلت نسبة البطالة إلى أكثر من 31 في المئة خلال العام 2019، بينما تشير تقديرات مستقلة مختلفة أن نسبة البطالة تجاوزت الـ 50 في المئة، إلا أن المثير للاهتمام أن الاحصائيات تشير إلى أن نحو 90 في المئة من الذكور العاطلين عن العمل هم من فئة الشباب دون سن الـ 39 عاماً.

ونتيجة لهذه العوامل باتت الهجرة من البلاد المهرب الرئيسي من الأزمات المتلاحقة، ولكن ماذا عن البقية، وكيف يتدبر من لم يهاجر من الشباب السوريين أمورهم وما هي المهن التي يعيشون منها؟ 

 

784a22ec-66ef-4786-90cb-14ea1633cfb0.jpg

 

دمار المنشآت الصناعية السورية فاقم البطالة

أدى دمار المنشآت وتعطل القطاعين الصناعي والتجاري إلى ضياع مئات آلاف فرص العمل، لكن عاملاً آخر رئيسي يمنع عشرات آلاف الشباب السوري من العودة إلى أعمالهم أو استئناف وتأسيس أشغال، وهو الملاحقة الأمنية بسبب التقارير المخابراتية والتي دائما ما تبدأ أو تنتهي بخسارة الوظيفة في القطاع الحكومي، أو بسبب التخلف عن الالتحاق بـ "الخدمة الإلزامية" أو "الاحتياطية" في جيش النظام مما يعني التهديد الدائم بالاعتقال على الحواجز، إذ تمتنع نسبة عالية من الشباب عن التحرك بين المحافظات خوفا من الاعتقال والسوق إلى "الخدمة العسكرية"، التي تتجاوز مدتها سبع سنوات بسبب الاحتفاظ الذي يفرضه النظام على عناصره، مما يعيقهم من الحصول على الوظائف المناسبة والانخراط التام في حركة العجلة الاقتصادية.

أرباب العمل يستغلون العمال السوريين

يستغل بعض ضعاف النفوس من أصحاب الأشغال والمعامل هذه الظروف الأمنية وقلة الفرص المتاحة بدفع أجور زهيدة مقابل عمل المطلوبين، بحجة أن توظيف الشبان يقع على مسؤوليتهم، وأنهم يدفعون للمفارز الأمنية مقابل غض النظر عن تشغيل هذه الشريحة من الشباب، فالنظام السوري يفرض على الشركات والمؤسسات الخاصة، كما الحكومية، أن يتقدم الباحث عن عمل ببطاقة تأجيل أو تسريح صادرة عن مؤسساته العسكرية، كما يفرض أيضا استصدار وثيقة "لا حكم عليه"، تحت طائلة معاقبة أصحاب المعامل الذين يوظفون أو يشغلون من لا يحمل هذه الثبوتيات والأوراق.

شرح جمال. ن، مدير معمل لإنتاج المدافئ في مدينة حسياء الصناعية، هذا الأمر مدافعاً عن وجهة نظر أصحاب المعامل قائلاً: "في حال وظفنا أي شخص لا يحمل أوراقاً تثبت تسريحه أو تأجيله أو عدم ملاحقته الأمنية فسنتعرض للمساءلة، ولمنع ذلك ومن أجل مساعدة هؤلاء نقوم بتوظيفهم واقتطاع جزء من رواتبهم لتسديدها كرشاوى لمفارز الأمن التي تأتي لتفتيش معاملنا كل فترة، وهذا أفضل من بقائهم دون عمل، ندفع أجرة يومية تترواح بين 15 و20 ألف ليرة سورية للعامل، وهذا تقريبا متوسط الأجور اليومية لمثل هؤلاء، هذه الأجور ليست مرتفعة لكن الأحوال الاقتصادية لمعاملنا أيضا لم تعد كالسابق".
لكن لمحمود رجب، الذي كان يعمل في معمل لإنتاج البلاستيك، وهو من قرية كفرعايا جنوب غربي حمص، وجهة نظر أخرى فقال: "بإمكان المعامل أن تسدد أجور أفضل وتأمين ظروف عمل أكثر راحة، لكنهم يفضلون كسب الفرصة وسرقة تعب العمال لزيادة أرباحهم".

حلول بديلة للعمال السوريين في حمص

يلجأ الشباب السوريون لتدبير أمورهم المعاشية إلى البحث عن أعمال حرة، تتصف غالبا بأنها غير آمنة، كما أنها غير مستقرة ومن دون عقود، وغير ملتزمة وتترواح بين اليومية والأسبوعية، وأجورها منخفضة وغير ثابتة، بينما لجأ آخرون إلى الانتساب إلى شركات أمنية أجنبية تعمل داخل أو خارج سوريا.

 

photo_2022-05-26_13-50-45 (2).jpg

 

العمل بالتهريب أحد الفرص للشباب في حمص

خلقت القرارات الحكومية الصادرة عن النظام السوري ثغرات عديدة في السوق السورية مما تسبب بارتفاع أسعار العديد من المواد والبضائع أو جعلها مفقودة تماما، مما يجعل الفرصة أمام المهربين مفتوحة لتوفيرها أو تأمينها بأسعار منافسة.
مازن، 28 عاما، من ريف حمص الغربي، خسر وظيفته في قطاع الاتصالات لكونه مطلوب لـ "الخدمة الاحتياطية"، تعرّف إلى مجموعة تعمل في التهريب وبوساطة أحد المعارف انخرط في هذا المجال، تحدث عن تجربته قائلاً: "بعد خسارة وظيفتي عملت بالتهريب، عندما يسمع الناس هذه الكلمة تتبادر إلى أذهانهم الممنوعات القانونية والمحرمات المجتمعية، نحن لا نفعل هذا، لكننا نهرّب المازوت والبنزين وعبوات الغاز والزيت والدخان، نقوم بنقل احتياجات حياتية أساسية من الحدود اللبنانية إلى مناطق عديدة في محافظات حمص وحماة ودمشق".
وأضاف: "عملت فترة بنقل عبوات الغاز إلى مدينة النبك، والآن أنقل زيت دوار الشمس والذي أبيع عبوات من حجم خمسة لتر أرخص مما يباع مثيلها من الزيت المرخّص بنحو خمسة إلى سبعة آلاف ليرة سورية، مع العلم أنني أربح على كل عبوة ما يعادل ألفي ليرة، وهذا العمل يؤمن مصاريفي المعيشية، حيث يصل مربحي شهرياً ما بين 400 و500 ألف ليرة سورية".

التعاقد مع ميليشيات عسكرية وأمنية في سوريا

عبد الرحمن العلي، طالب جامعي من منطقة المخرم شرقي حمص، لم يجد عملا لتغطية مصاريفه الدراسية ومصاريف منزل عائلته الذي يتكفل به بعد وفاة والده، حيث عرض عليه أحد المعارف الانتساب إلى شركة أمنية روسية، حيث تلتزم الشركة بكل مصاريفه خلال عقد تتراوح مدته بين أربع وست أشهر قابل للتمديد بحسب رغبة المنتسب، إثر ذلك قرر تقديم طلب تأجيل دراسي من جامعته والانتقال إلى ليبيا مما سيؤمن له مبلغا من المال يساعده سنة واحدة على الأقل بالإضافة إلى تسديد ديونه التي تراكمت عليه، يتحدث عبد الرحمن قائلا: "في البداية عارضت الأمر لكونه ضد قناعاتي، لكن أحوالي المادية ساءت جدا مما سيعني خسارتي لدراستي، وفي حال خسارتها سأخسر تأجيلي الدراسي وألتحق بـ "الخدمة الإلزامية" ولن أجد من يعيل عائلتي، وليس بإمكاني السفر، فقررت أن أغامر وأنتسبت إلى شركة أمنية روسية ترسل المقاتلين إلى ليبيا، قالوا لنا سنكون حرساً للمنشآت هناك مقابل رواتب تترواح بين 2000 و3000 دولار أميركي شهرياً بحسب الاختصاص والفرز، وهذا مبلغ جيد جدا في حال بقيت ستة أشهر هناك، وسيساعدني على إكمال دراستي، وعندما وصلت إلى هناك وجدت العشرات أمثالي من مختلف المناطق السورية".

 

a33f76df-91f1-4d43-95ee-6b37d1adf932.jpg

 

العمل مع المنظمات المدنية والإغاثية في سوريا

تعتبر رواتب المنظمات المدنية والإغاثية وخصوصاً التابعة للأمم المتحدة مرتفعة بالمقارنة مع رواتب القطاعين الحكومي والخاص، وتقوم هذه المنظمات بمشاريع ميدانية تسمح بتوظيف وتشغيل أعداد جيدة من الشبان، كما أنها لا تتطلب الكثير من الأوراق الثبوتية والحكومية كونها قادرة على الالتفاف عليها بخاصية العمل التطوعي، لذلك يفضل العديد من الشبان العمل ضمن فرقها، ومن هذه المنظمات منظمة "الهلال الأحمر السوري"، ومنظمة "عون الإسلامية"، والجمعيات الخيرية التي تدير دور العجزة.

سامر من مدينة حمص، خريج معهد نفط، لم يستطع الاستفادة من شهادته التعليمية بعد التخرج لأنه تخلّف عن الالتحاق بـ "الخدمة الإلزامية" وانتهى تأجيله الدراسي، تقدم إلى هيئة إغاثية توزع مساعدات عينية على المحتاجين والعائلات المتضررة، تحدث لنا عن أحواله بعد العمل فيها: "يفترض أن شهادتي الدراسية ملتزمة بتوظيفي في واحدة من المؤسسات الحكومية بعد التخرج لكن بشرط إنهاء "الخدمة الإلزامية"، ولكوني لا أريد الالتحاق وخسارة سبع سنوات من عمري على الأقل، وجدت فرصة للعمل مع هيئة توزع المساعدات على المحتاجين، الجيد فيها أنها لم تطلب مني أي أوراق لأنني أعمل كمتطوع، لكنهم يعطوني راتبا جيدا، يتجاوز الـ 300 ألف ليرة سورية شهرياً، صحيح أن هذا العمل مؤقت لكنني سأجد فرصا جديدة من هذا النوع".

العمل بالمهن الحرة في حمص

خسر العديد من الشبان السوريين دراستهم الجامعية أو وظائفهم خلال سنوات الثورة بسبب ملاحقات النظام ومضايقات الحواجز الأمنية، مما جعلهم يبحثون عن مهن حرة أو تأسيس تجارة من نوع ما، سليمان الصالح، شاب ثلاثيني، من منطقة الحولة شمالي حمص، كان يعمل في فوج الإطفاء قبل خسارة وظيفته لأسباب أمنية، حاول تأسيس عمل حر عدة مرات قبل أن يستقر على مهنة التلييس (التوريق)، وعند سؤالنا عن الكيفية التي بدأ بها العمل قال: "حاولت البحث عن عمل لعدة أشهر قبل أن أجد فرصة للعمل مع أحد أصحاب ورشات البناء، فيما بعد نصحني بتعلم مهنة تلييس الجدران مما سيؤمن لي أجرة أفضل، وبالفعل قام بمساعدتي بينما ألممت بأساسيات المهنة، حالياً أعمل في منطقتي بعيدا عن الدوريات والحواجز، وفي حال اضطررت إلى الخروج من المنطقة فإنني أخرج على كفالة المتعهدين الذين يؤمنون النقل من وإلى ورشات البناء من دون تفتيش وأسئلة أمنية من قبل الحواجز، هذه المهنة صعبة ومضنية لكنني أتقاضى بين خمسة وعشرين ألفا وأربعين ألف ليرة عن كل يوم عمل واحد، وهذا جيد نسبياً ويؤمن قوت يومي".

أما عادل الأحمد، عشريني، من مدينة الرستن، طلب من والده مبلغاً من المال لمشاركة صديقين آخرين على افتتاح متجر لبيع قطع غيار السيارات، ومنهما تعلم مبادئ هذه التجارة، عادل قال عن تجربته: "تجارتي الآن تتحسن وصديقاي يساعدانني، لا أستطيع تحمل تكاليف السفر المادية، ولذلك وجدت أن هذا العمل مناسب خاصة أنني لم أعد أشعر بالخوف من الاعتقال لأن تحركي الآن بات يقتصر بين المنزل والمتجر ويتكفل التجار الموزعون بتوصيل كل البضائع التي أطلبها".

 

2b3bbeee-0926-49dd-a28b-d6fcf428ad2f.jpg

 

استئجار الأراضي الزراعية في ريف حمص

تحسنت أحوال الزراعة في ريف حمص عامة بعد إعادة تأهيل السواقي وتفعيل برامج مياه الري، مما أدى إلى انتعاش هذا القطاع، الأمر الذي دفع العديد من الشباب وحتى أولئك المفصولين من وظائفهم بعد خدمة تصل إلى عشرين سنة، إلى السعي من أجل استئجار أراضٍ زراعية واستثمارها، وهو الأمر الذي فعله أحمد باشات، من ريف حمص الشمالي، حيث قال: "كنت أعمل سائق شاحنة لصالح شركة القاطرجي، إلا أني تركت هذا العمل خشيةً من استهداف الصهاريج المتكرر في المنطقة الشرقية، فقررت الاستثمار في الزراعة من خلال استئجار أرض زراعية بمساحة نحو ثلاثين دونما خصوصاً بعد عودة مياه الري إلى المنطقة، فاستدنت المال لزراعة الثوم، وتمكنت من تحقيق أرباح جيدة، وما زلت أكرر الأمر وأزرع محاصيل متنوعة، وأعتقد أنه هذا أفضل بكثير من العمل في وظيفة حكومية".

من جهته، المهندس هيثم. ح، من قرى السعن الأسود والذي يتجاوز عمره 45 سنة تحدث عن تجربة مختلفة، إذ تم فصله من وظيفته كإداري في شركة السكر بسبب تقرير أمني، قال: "كنت أعمل كإداري، في القطاع الحكومي أكثر من 15 سنة، لكن كل ذلك ذهب بعد اعتقالي لمدة شهرين، حيث تم فصلي من عملي من دون أي تعويضات وحرماني من العودة للقطاع الحكومي، فقررت أن استثمر أرضا أملكها بالزراعة، والآن أعمل بها، وهناك المئات من الأشخاص أصحاب الشهادات العلمية والسنوات الطويلة في العمل تم فصلهم بشكل تعسفي وهم الآن بين عاطل عن العمل أو أنه يعمل في ظروف صعبة جدا".

الاتجاه لتربية المواشي والدواجن في ريف حمص

دفع ارتفاع أسعار المواشي والدواجن العديد من أهالي الأرياف إلى تجربة تربية الدواجن، خاصة خلال فترات الحصار التي فرضتها قوات النظام على بعض المناطق، فيما بعد استمر بعض الشبان بهذا العمل لتأمين مصاريفهم، أبو عمر، متزوج ولديه أربعة أطفال، قال: "خسرت وظيفتي، وحاليا لا أستطيع العمل نظراً لصعوبة التنقل وخطورته بسبب المضايقات الأمنية، فكرت في استئجار مدجنة حيث قمت بشراء الأعلاف اللازمة والطيور، وبإشراف طبيب بيطري حققت إنتاجاً جيداً، وحالياً أعمل على تطوير عملي، صحيح أنني لا أحقق المرابح المرجوة والتي تتناسب مع كمية المال التي أدفعها وحجم الجهد الذي أبذله، لكن ليس باليد حيلة، ومرابحي تكفي لسد احتياجات منزلي وعائلتي".

 

photo_2021-09-27_20-45-13.jpg

 

أوضاع معيشية صعبة في ريف حمص

ويعاني أكثر من 200 ألف شخص في مدن وبلدات ريف حمص الشمالي، من انقطاع مقومات الحياة الأساسية من كهرباء ومياه صالحة للشرب ومحروقات، على الرغم من اتفاقات المصالحة التي فرضها النظام عقب سيطرته على المنطقة منتصف عام 2018.