في نقد الهزيمة السورية

الثورة السورية.. الثورة اليتيمة، الثورة المغدورة، الثورة المستحيلة (أرشيف - إنترنت)

على طريق كتاب (النقد الذاتي بعد الهزيمة) لأستاذنا الراحل الكبير صادق جلال العظم، ابن دمشق وسليل العائلة العريقة فيها، والمنشق الراديكالي عن طبقتها كما عن التقاليد السائدة، سأقترح نقدا يكمل ويتابع تلك الطريق، لكنه هذه المرة على سبيل النقد والنقد الذاتي بعد الهزيمة السورية.

وإذ أبدأ بمحاولة تحديد موضوعاتي الواردة في إطار ذلك، فأنا ألفت النظر إلى أن هذا التحديد الذي تفرضه ضرورات التحليل، لا ينفي تفاعلها وجدلها الواقعي بطبيعة الحال:

أولا: في النقد، وأقصد به النقد المنصب على العوامل الموضوعية أو ما يدعى نقد الخارج أو الآخر.

ثانيا: في النقد الذاتي، وأقصد به نقد ذاتنا الثورية، أي النقد الذي يشمل الأنا الفردية والجمعية لنا نحن المنتمين بشكل أو بآخر إلى الثورة، أفرادا ومنظمات، أفكارا وبرامج، ممارسات وأدوارا قمت بها أو قام بها كل من ضمه أحد أطر الثورة.

ثالثا: الهزيمة السورية، وهي الهزيمة الراهنة لمشروع سورية الوطن والدولة، المجتمع والنظام، الثورة والسلطة، أو هو الشكل الراهن لإخفاق أو تعثر هذا المشروع، كما يمكن القول، إن أردنا تخفيف الوقع القاسي لتعبير الهزيمة، تجاوزا لفوبيا الكلمات الصادمة!

 

أولا: في النقد، وهو يشمل:

1ــ نقد ما يدعى بالنظام أولا وحلفائه ثانيا،  وهم مجرمون وأعداء نهائيون للثورة والشعب السوري، ولن يؤدي أي تحليل نقدي لهم إلا إلى المزيد من فضحهم أو كشف المكشوف وزيادة من جرائمهم.. وأولهم عصابة النظام التي فقدت كل مشروعية رغم مظاهر الانتصار العسكري، كما فقدت سيادتها وصارت محتلة من قبل المستعمرين الروسي والإيراني.

2ــ نقد الخارج:  وهو الخارج العربي والغربي والعالمي، الذي تربطنا بالعربي منه روابط العروبة والإسلام والتاريخ والجيرة إلخ. أما الخارج الغربي والعالمي منه، فلطالما توهمنا أن شرائع القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان تربطنا به، إلى جانب مصلحة الشعوب في تغيير النظام الإرهابي وبناء علاقات دولية جديدة ومغايرة. 

الثورة اليتيمة، الثورة المغدورة، الثورة المستحيلة، وهي وغيرها تحدثت عن خيانة الخارج للثورة

وفي نقد هذا الخارج، وردت وترد عناوين مثل: الثورة اليتيمة، الثورة المغدورة، الثورة المستحيلة، وهي وغيرها تحدثت عن خيانة الخارج للثورة، وتخليه عنها، بل وتدخله تحت ستار مساعدتها دبلوماسيا وعسكريا، في مثال غرفة الموك وغيرها، كما عكسته مؤتمرات ولجان دولية متعددة، لكنها عملت في الواقع على حرفها عن مسارها وإحباطها بشكل أو آخر.

وذلك الخارج، يشمل المجتمع الدولي بما فيه الأمم المتحدة وما يتفرع عنها، كما يشمل من زعموا أنهم أصدقاء سورية في المحيط العربي وفي الغرب وفي العالم أجمع، سواء بمؤتمراتهم العديدة، أم بشبكاتهم ومنظماتهم الدولية القديمة والجديدة، وصولا إلى خطوطهم الحمراء المتحركة، وإلى تدخلهم العسكري المباشر، سواء تحت ستار محاربة الإرهاب الإسلامي من جهة التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، أو تحت ستار مكافحة الإرهاب الكردي من جهة تركيا. وقد حدث ذلك، وما زال يحدث في إطار عولمة متجددة وصراعات جيوبولوتيكية إقليمية ودولية يكاد ممثلوها المعاصرين (ترامب، بوتين، أردوغان، وغيرهم) يبشرون بحرب عالمية ثالثة، لكن من طراز مختلف. الأمر الذي يفسح لنظريات المؤامرة مجالا واسعا للبحث ومحاولة التفسير، وقد لخّص الهتاف الشعبي السوري الغني التعبير والرمزية رده على موقف ذلك الخارج في عبارة (ما إلنا غيرك يالله!).

كل ما ورد سابقا، وبالتأكيد يمكن إضافة الكثير من تفاصيله الكبيرة أو الصغيرة، متوفر وموجود بقوة وغزارة، كما فضحت في مجاله أسرار، وبالتأكيد ستكون هناك أخرى لم يفصح عنها بعد،  وهي جميعا تقوم بخدمة مصالح دولها أو ما تزعم أنه كذلك، وتدعي في ذلك ما يمثل بالنسبة لها واجبها الوطني، ولاحاجة للتذكير بقواعد ميكيافيلي الشهيرة في هذا المجال!.

هذا كله ليس موضوعنا المركزي، أو هو موضوع جانبي. نظرا لأننا، وبكل بساطة، لا نستطيع تغييره! فهو لايتعلق بي أو بذاتنا أساسا، بل يتعلق بالآخر كما ذكرت سابقا، ولن يتغيّر إلا إذا تغيّرت الأنا أو الذات الثورية، وعندها أستطيع أو نستطيع محاولة تغييره. وتلك هي حكمة التجربة الإنسانية التي لخّصها القرآن الكريم بقوله: ( إن الله لايُغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).

 

ثانيا : في نقد الذات أو نقد الثورة التي أنتمي وننتمي إليها بشكل أو بآخر. 

في نقد دوري الفردي: وأبدأ هنا بالاعتذار من  القارئ الكريم ومن شعبنا، على الرغم من أنني ذكرت ذلك في مناسبات عامة متعددة، لكنني أسجله الآن كتابيا. فقد كان دوري نقديا وواضحا تجاه النظام سواء في سنوات ما قبل الثورة أم في بداياتها، ولذلك تصدى لي بما هو معروف، لكن هذا الدور كان ضعيفا تجاه الثورة لاحقا. وإن ارتبط ذلك الضعف بوضعي المضطرب بعد خروجي من السجن وهربي من سورية،  خوفا من رصاصة غامضة، أو عودة إلى سجن همجي، وتعذيب يدفع إلى تمني الموت بديلا عنه!.

وبمناسبة ذلك، فإنني أعلن هنا أنني هربت إلى الأردن عابرا الحدود مشيا، وبمساعدة ميدانية، أشرفت الغالية رزان زيتوني على تنظيمها مع عناصر ما دعي بالجيش الحر (وهي أي رزان كانت مساعدتي الأمينة في إدارة موقع إعلان دمشق حتى ما قبيل الثورة، فك الله أسرها وأسر زملائها) وعلى وهم عودة وانتصار لن يتأخر طويلا !.  لكن كل ذلك لايكفي لتبرير ضعف دوري، الذي سرعان ما تجسد في استجابتي لاستبعادي عن الائتلاف في مؤتمره الأول، فانسحبت مكتفيا من السلامة بالإياب.  

وفي ذلك الانسحاب، حانت لي فرصة النجاة من الركاكة والتدخلات التي عاينتها في أجواء المعارضة، وقبل التلوث المالي الذي بدأت تفوح رائحته، فارتكست إلى طهرانية طالما كانت ملجئي. ومع إقراري بأن من يسبح في ماء النهر لابد له من التلوث ببعض شوائبه، فقد زاد من ارتكاستي أن نهر المعارضة صار طينا ورمالا متحركة أغرقت كل من تشاطر وحاول السباحة فيه!. وبعدها تراجع دوري إلى أشكال ضعيفة في مساعدة شعبنا المنهك من جهة، وإلى مجرد إبداء الرأي في مجريات الثورة بعد تعثر محاولات استنهاض متعددة. علما أنني كنت قد صرحت منذ بداية الثورة، إلى أن الكرسي الوحيد الذي أطمح إليه، إنما هو كرسي مقهى الروضة المتوفرة في عدة مدن سورية، ولله الحمد.

أما اليوم، وبعد أن تجاوزت السبعين بسنوات، فأنا أعتقد أنه الكرسي الوحيد الملائم لكل المعارضين الذين هم في مثل سني أو أكثر، ويبقى لنا في الرأي والمشورة وخلاصة الخبرة الدور الوحيد الممكن خارج أي منصب مسؤول وتنفيذي، إن كان في ذلك ما يفيد شباب الثورة الراهنة أو القادمة بشكل أو بآخر، ما دامت أسبابها مستمرة بل وقد تفاقمت إلى حدود كارثية، وذلك من أجل مستقبل حر وأفضل لسورية.

أما عن نقد ذاتنا الجمعية الثورية، فسيكون له حديث ومجال آخر! .

شارك برأيك

الأكثر تفاعلاً

أشهر الوسوم