icon
التغطية الحية

تجار الذهب يحصلون الضرائب من جيب المشتري والليرات مفقودة في مناطق النظام السوري

2024.04.03 | 05:50 دمشق

أسواق الذهب في سوريا
لم يعد الذهب بالنسبة للسوريين وسيلةً للتزيين أو الهدايا بل أصبح وسيلة للادخار أو إتمام التعاملات التجارية - AFP
دمشق - حنين عمران
+A
حجم الخط
-A

لا تبدو تقلبات سوق الذهب في مناطق سيطرة النظام أمراً يخضع للسيطرة؛ ولا سيما في الآونة الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع سعر الأونصة عالمياً.

ولم يعد الذهب وسيلة للزينة بالنسبة للسوريات أو هدية بين الأحبة في المناسبات مثل: عيد الزواج وعيد الأم وعيد الحب وغيرها، بل أصبح طريقة لـ "التسعير" وإتمام المعاملات التجارية بين الناس، وفي أفضل الحالات هو وسيلة للادخار.

تجار الذهب يمتنعون عن بيع الليرات والأونصات

تباين سعر غرام الذهب في الآونة الأخيرة بطريقة غير مسبوقة وضمن فترات زمنية قصيرة جداً لا تتجاوز اليوم أو اليومين؛ إذ شهدت أسعار الذهب قفزات هائلة ارتفاعاً وانخفاضاً بدءاً من نهاية العام الفائت وحتى الآن.

ونتيجة هذه التقلبات المفاجئة والسريعة؛ امتنع عدد كبيرة من تجار سوق الصاغة من منطقة الصالحية والحمراء وسط دمشق، عن بيع الليرات والأونصات مع تعليق ورقة على أبواب محالهم بـ "عدم وجود الليرات والأونصات" لديهم؛ تجنباً لسؤال المشترين.

ويأتي هذا الامتناع بسبب "التسعيرة" المقررة من الجمعية التي تفرضها على جميع محال الصاغة في نشرتها اليومية حول أسعار الذهب من دون ترك هامش للتلاعب من قبل الباعة في محال الصاغة.

أدى ذلك إلى جعل الليرات أقل ربحاً بالنسبة إليهم مقارنةً بقطع الزينة "المشغولات الذهبية" كالأساور والخواتم؛ إذ لا يتجاوز مربح التجار من الليرة كلها (بوزن 8 غرامات) ما قيمته 300 ألف ليرة في أفضل الحالات التي يتم فيها التلاعب بالتسعيرة، بينما يصل مربحهم من قطع الزينة الذهبية إلى أضعاف هذا الرقم؛ إذ تتم إضافة 70 حتى 250 ألف ليرة سورية لكل غرام من وزن القطعة.

في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، أوضح صائغ في منطقة باب توما سبب امتناع بقية التجار عن بيع الليرات والأونصات، يقول غسان، اسم مستعار، إنه "إذا اكتشفت الجمعية أن أحد التجار باع الليرة بأكثر من السعر المقرر في النشرة، تنظم لجان الجمعية مخالفة بحقه وقد يصل الأمر إلى إغلاق محله أو السجن".

تجار آخرون يمتنعون عن إعطاء "فاتورة"

ألزمت جمعية الصاغة التجار بمنح فاتورة عن كل قطعة مُباعة من محالهم التجارية؛ وذلك لضمان حق المشتري وحق البائع، إلى جانب إثبات ملكية القطع الذهبية للمشتري.

في الآونة الأخيرة، أمتنع عدد من التجار في دمشق عن منح المشتري "فاتورة" عند بيع الليرة أو الأونصة على وجه التحديد، ولا سيما بالنسبة إلى المشترين الذين لا يملكون الخبرة الكافية والذين يقنعهم البائع بعدم أهمية ورقة الفاتورة إذا ما تمّ شراؤها من محل "ثِقة" ومعروف في السوق و"عتيق" في مصلحة الذهب.

ويأتي امتناع هؤلاء التجار عن كتابة فاتورة، وفق شهادة أحد المشترين لموقع تلفزيون سوريا، بسبب بيعهم الليرة أو الأونصة بتسعيرة تزيد على سعر نشرة الجمعية.

أوضح حمزة. م، وهو صاحب مطعم وجبات سريعة في منطقة برزة، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" أنه يقوم بين الحين والآخر بتحويل نقوده من الليرة السورية إلى الذهب (ليرات وأونصات) للحفاظ على قيمة أمواله، وهو يتعامل مع أحد الصاغة في منطقة الصالحية منذ عام 2022 عندما كان سعر الليرة الذهبية قرابة المليون وثمانمئة ألف ليرة –حسب قوله- وحتى الوقت الحالي.

يقول حمزة  "لم أعتد على أخذ فاتورة من الصائغ لكوني أتعامل معه منذ فترة طويلة، وأعلم بأنّه يقوم ببيعي الليرة الذهبية بسعر يزيد على سعر الجمعية في كل مرة، لكنني أثق به وأطمئن أن الذهب لديه ليس مغشوشاً، وفي النهاية سعر الذهب متصاعد على مدى سنوات، فأنا لست خاسراً إنما أضمن أن الذهب الذي أشتريه غير مغشوش".

ويأتي امتناع الصائغ عن إعطاء ورقة "الفاتورة" بسبب عدم قدرته على كتابة السعر الذي باع به المخالف لسعر الجمعية؛ فذلك يعرضه للمخالفة كما أوضحنا آنفاً.

كما يلجأ بعض التجار إلى حيلة كتابه فاتورة مسعّرة بسعر الجمعية رغم بيعهم بسعر مخالف؛ وعادةً ما يتم ذلك بالاتفاق مع المشتري الذي يكون على دراية بالغش الحاصل لكنه موافق عليه مقابل عدم إبقاء أمواله بالعملة السورية وتدهور قيمتها، ومقابل حصوله على فاتورة لعدم تعرضه لمشكلات في حال قرر بيع الليرة.

ولا يقبل بعض الباعة شراء القطع الذهبية والليرات من دون وجود فاتورة خوفاً من أن تكون مسروقة؛ ما يعرضهم لمشكلات ليست في الحسبان.

وقد وصل سعر الليرة الذهبية في الآونة الأخيرة إلى ما يقارب الـ 7 ملايين ومئة ألف ليرة سورية، بينما يبيعها التجار بسعر يصل إلى 7 ملايين و250 ألف ليرة سورية، أي بفارق يتراوح بين 200 – 250 ألف ليرة.

ويتحجج التجار في ذلك -وكما تجار بقية السلع والمواد- بأنّ الأسعار متقلبة وفي ازدياد تراكمي؛ لذا يستبقون الأحداث ويرفعون سعر بضاعتهم قبل ارتفاعه الفعلي لضمان عدم خسارتهم!

فضلاً عن كون الليرة تُعد قطعة خاسرة بالنسبة للتجار، ويذكر الصائغ غسان، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، أن أجرة الصاغة في المشغولات وقطع الزينة تكون مُضافة على كل غرام من وزن القطعة، ويستطيع الصائغ إضافة الرقم الذي يريده فوق سعر غرام الذهب المحدد بالنشرة؛ وقد تصل قيمة أجرة الصاغة إلى ثلاثة ملايين ليرة سورية وأكثر بالنسبة لبعض المشغولات الذهبية.

يقول غسان إنه "إذا كانت قطعة من عيار 21 تزن 6 غرامات، وسعر الغرام الواحد 855 ألف ليرة سورية فيكون سعر الذهب فقط دون أجرة الصاغة مساوياً 5 ملايين و130 ألف ليرة سورية، وبإضافة أجرة الصاغة الذي يصل إلى 200 ألف ليرة سورية على كل غرام من القطعة؛ يحصل الصائغ على مليون و200 ألف ليرة سورية فوق سعر الذهب الصافي".

سوق سوداء تحكم التعاملات

على غرار العملات الأجنبية كالدولار واليورو، تتحكم السوق السوداء بالتعاملات التجارية وتعاملات البيع والشراء للذهب في مناطق سيطرة النظام.

وقد وجد النظام السوري في السنوات الأخيرة في قضية التعامل بغير الليرة وعدم الالتزام بأسعار الصرف وأسعار جمعية الصاغة؛ شمّاعةً لتبرير انهيار الليرة السورية من جهة، وتُهمة جاهزة لتحصيل الغرامات وفرض العقوبات على السوريين من جهة ثانية.

في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" يتحدث فارس.ك، وهو محامٍ في مدينة دمشق، عن تعامل تجار الذهب أيضاً وفق تسعيرة السوق السوداء رغم تحذيرات الجمعية المستمرة بضرورة الالتزام بتسعيرتها.

يقول فارس  "دخلت إلى أحد محال الذهب في منطقة الميدان وكان الوقت مبكراً؛ أي قبل صدور تسعيرة الجمعية التي يتم إعلانها عادةً في فترة بعد الظهيرة، فتفاجأت بإخراج البائع لموبايله وفتح تطبيق (الليرة اليوم) المعروف بكونه تطبيقا لأسعار السوق السوداء في سوريا، ثم أجرى بعض الحسابات على الآلة الحاسبة بجانبه؛ وأعطاني السعر النهائي لإحدى الأساور التي سألته عنها".

وعادةً ما يكون سعر السوق السوداء يفوق سعر صرف المركزي بالنسبة للعملات الأجنبية، ويفوق سعر جمعية الصاغة بالنسبة لأسعار الذهب؛ الأمر الذي جعل التجار لا يتعاملون إلا به فيما بينهم.

وعلى الرغم من كونهم يبيعون بسعر السوق السوداء، إلا أنهم يشترون بسعر الجمعية في نشرتها؛ وفي ذلك تناقض واضح بغية تحصيل الربح من جيب المشتري قدر المستطاع، وتعويض الخسارات التراكمية.

إغلاق المحال وإخفاء الليرات

يُغلق عدد كبير من تجار الذهب محالهم مع كل هبوط حاد تشهده أسعار الذهب ولا سيما بعد مرور فترة من استقرار الأسعار.

ويأتي ذلك نتيجة تخوفهم من الخسارات المترتبة على الانخفاض ولا سيما في فترات ركود السوق وجمود الأسعار، فيغلقون محالهم أو يمتنعون عن البيع  إن فتحوا محالهم ريثما "يتحسن السوق " حسب وصفهم.

كما يقوم جزء كبير منهم بإخفاء الليرات والأونصات؛ وذلك تجنباً للخسارة ومن أجل بيعها لاحقاً بسعر أفضل عندما تعاود الأسعار ارتفاعها.

ملاحقات وضرائب

لم تتوانَ وزارة مالية النظام ومعها الجمعية الحرفية للصاغة عن إصدار التعميمات وتحديث قيمة الضرائب وإطلاق التحذيرات "رشاً ودِراكاً" خلال السنوات الماضية.

وتُفرض رسوم سنوية تُدفع لوزارة المالية، وضريبة "رسم الإنفاق الاستهلاكي" وعمليات حجز "أقلام الدمغ" لتحصيل المستحقات المالية للوزارة، فضلاً عن الغرامات في حال عدم وجود دمغة أو عدم إعلان التسعيرة... وغير ذلك.

كما قامت الهيئة العامة للضرائب والرسوم بإلزام تجار الذهب بما سمّته "آلية الربط الإلكتروني" مع قاعدة البيانات المركزية للإدارة الضريبية؛ إذ تصل هذه الضريبة إلى 4 أو 5 % بالنسبة لكل قطعة ذهبية مُباعة، ولم تتضح حتى الآن تفاصيل هذه الضريبة وكيفية تنفيذها، وتتضارب الأنباء حول إذا ما كان التجار أو المشترون سيتحملون قيمتها، إذ يعد قانون الضريبة الجديد نافذاً في دمشق بدءاً من نيسان القادم.

ويرجّح أحد أصحاب محال الذهب في منطقة الصالحية في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن قيمة الضريبة المضافة مؤخراً سيتحمل المشتري جزءاً منها.

يقول مجد، اسم مستعار، إنه "لم تتضح حتى الآن تفاصيل الضريبة وكيفية تطبيقها، لكن المالية أوعزت إلينا بمراجعتها من أجل تفاصيل العمل بهذه الآلية، وحسب فهمنا الحالي لها، فإن المشتري قد يتحمل 1- 1.5 بالمئة من قيمة الضريبة على الفاتورة، والمقدرة بـ 4 بالمئة، والباقي يتحمله الصائغ".

واعتاد تجار الذهب تحصيل الغرامات والضرائب التي تفرضها المالية عليهم بين الحين والآخر من جيب المشتري؛ إذ يقومون بتحميل قيمة الضريبة أو جزء منها على فاتورة الزبون من خلال زيادة قيمة أجرة الصاغة للمشغولات الذهبية؛ وذلك بهدف تقليل الخسارة في ميزانيتهم.

محال ذهب أم أسواق تصريف؟

لا يخفى على السوريين عمل عدد كبير من تجار الذهب ببيع الدولار وشرائه "تصريف الدولار"؛ على الرغم ممّا يحمله من مخاطر الملاحقة والسجن بتهمة "التعامل بغير الليرة".

وتأتي هذه المخاطرة التي يقدم عليها تجار الذهب؛ بسبب الركود الذي يشهده سوق الذهب بين الحين والآخر ولا سيما عندما يرتفع بقفزات كبيرة تمنع الناس من الشراء انتظاراً لمعاودة نزوله، الأمر الذي يدفع بالتجار إلى العمل بتصريف الدولار الذي لا ينقطع تداوله في السوق السورية –على عكس الذهب- رغم التغييرات اليومية والساعية في أسعاره.

وأصبح مألوفاً لدى السوريين أن سوق الدولار السوداء يقودها كبار التجار ولا سيما تجار الذهب وتجار العقارات من متعهدين وأصحاب مكاتب عقارية؛ الأمر الذي جعلهم من "المغضوب عليهم" لدى حكومة النظام التي عمدت إلى التضييق عليهم وملاحقتهم باستمرار.

أما في مناطق ريف دمشق وتحديداً في السيدة زينب التي تسيطر عليها الميليشيات التابعة لإيران؛ فقد تحررت التعاملات المالية من عقال نظام الأسد؛ إذ تمّ "غض النظر" عن كثير من التجاوزات التي يقوم بها عناصر الميليشيات وأتباعهم؛ بحجة أن السيدة زينب صارت "منطقة سياحية" يقصدها آلاف الحجاج والزوار.

يتم في منطقة السيدة زينب، إجراء التعاملات التجارية وتصريف العملات الأجنبية أو شراؤها من دون قيد أو رقيب ولا سيما من قبل محال الذهب والفضة القريبة من مقام السيدة زينب وفي محيطه.

كما يتم في السيدة زينب بيع وشراء الذهب المستعمل سواءً أكان مشغولات أم ليرات وأونصات، وذلك من دون فاتورة ومن دون أن يكون معروف المصدر؛ وهو ما يسميه السوريون بالعامية "ذهب كَسِر"، الأمر الذي يحمل مخاطر بكون هذا الذهب مغشوشاً أو مُعرضاً للتصليح أو لفقد شيء من وزنه وعياره، ولا يحمل دمغات.

الليرات وسيلة الادخار الأمثل

لم يعد الذهب بالنسبة إلى السوريين وسيلةً للتزين أو هدية تُمنح في المناسبات أو طريقة لإعلان الزواج، بل أصبح وسيلة للادخار أو إتمام التعاملات التجارية ولا سيما مع التدهور الكبير لقيمة الليرة السورية.

وخلال سنوات الحرب، اعتاد السوريون على تحويل أموالهم من الليرة السورية إلى الذهب عند قيامهم ببيع قطعة أرض أو عقار يملكونه، أو حتى عند استلامهم كمية كبيرة من الأموال بحوالات خارجية.

ويفضل السوريون شراء الليرة الذهبية (بوزن 8 غرامات) و نصف الليرة أو حتى ربع الليرة، بدلاً من شراء المشغولات الذهبية؛ نظراً لكون أجرة الصاغة بالنسبة لليرة أقل بكثير من أجرة الصاغة المضافة على سعر قطعة من المشغولات كما أوضحنا سابقاً.

كما أنهم يفضلون الليرة وأجزاءها على الأونصة، بسبب غلاء سعر الأونصة التي تزن (31 غراماً) وصعوبة بيعها في حال اضطرارهم إلى ذلك فهي غير قابلة للكسر أو التجزئة.

ويلجأ الناس عادةً إلى شراء ليرة من نوعية "نحاس" ذات الدمغات الأربع نظراً لكونها مضمونة من الغش والتلاعب "موثوقة". أما الليرة الرشادية (بوزن 7 غرامات) فهي ممنوعة من التداول في السوق السورية.

ويخشى السوريون حفظ أموالهم بشراء الدولار بسبب التقلبات السريعة والآنية في قيمته مقابل الليرة السورية خلال اليوم الواحد بين ساعة وأخرى بالسوق السوداء، على عكس الذهب الذي يعد أكثر استقراراً. فضلاً عن تخوفهم من إشهار الدولار والتعامل به بسبب تشديدات الأجهزة الأمنية.