icon
التغطية الحية

انتشار معامل المنظّفات غير المرخصة.. حل اقتصادي للسوريين أم تهديد صحي؟

2024.01.12 | 06:18 دمشق

معمل منظفات
معمل منظّفات غير مرخّص في دمشق (تلفزيون سوريا)
دمشق – حنين عمران
+A
حجم الخط
-A

انتشرت في الآونة الأخير فكرة "المعامل المصغرة" في دمشق وريفها، ولا سيما في المناطق الشعبية؛ بهدف تلبية احتياجات المستهلكين بأقل التكاليف الممكنة وبأسعار تنافس أسعار الشركات الكبرى محلياً، مع الحاجة إلى تأمين مصدر دخل لبعض الشباب العاملين في هذه المعامل، وسط الغلاء المعيشي المتفاقم وقلة فرص العمل وتدني المرتّبات في عموم مناطق سيطرة النظام السوري.

في مناطق مثل: "دف الشوك، المزة 86، يلدا، ببيلا، جرمانا، دويلعة، التضامن، بيت سحم..." وهي مناطق ذات طابع شعبي تضمّ الفئات الفقيرة والأشد فقراً واحتياجاً، لم يعد غريباً أو مثيراً للاستهجان شراء "شامبو" استحمام في كيس صغير (مقدار ملعقتي طعام، كافية للاستحمام مرة واحدة) بقيمة 2000 ليرة سوريّة.

ولم يعد غريباً أن تشتري الأمهات نصف ليتر من سائل الجلي معبّأ في عبوة مياه (قنينة بقين) مستعملة سابقاً، بدلاً من شراء عبوات أنيقة ذات علامة تجارية (ماركة) وبجودة عالية من المنظفات الموجودة في السوق والتي باتت عبئاً حقيقياً على العائلات السورية، وعلى وصف إحدى السيدات في منطقة دويلعة (حياة.ك): "صارت المنظفات رفاهية!".

وتقام هذه المعامل عادةً في أقبية الأبنية أو في شقق صغيرة أو حتى ضمن محال المنظفات نفسها، حيث يتم شراء المواد الأولية من منطقة البزورية، أو من شركات الكيماويات الكبرى في ريف دمشق (عدرا، السبينة)، ثم تُخلط المواد الأولية مع بعضها يدوياً أو بواسطة جهاز خلط، ضمن براميل التصنيع وبكميات كبيرة من كل مادة مصنعة نهائية.

معمل منظفات

أمّا عن بيع هذه المواد، فيكون من برميل التصنيع بشكل مباشر، أو ضمن عبوات "مستعملة" يحضرها المشترون معهم، أو في أكياس بلاستيكية، وتُوزّع هذه المواد بـ"المفرّق" من المعمل إلى تجار التجزئة، الذين يبيعونها على عربات متنقلة تجول في الأحياء.

في منطقة "دف الشوك" بالعاصمة دمشق، التقى موقع تلفزيون سوريا مع أحد أصحاب هذه المعامل المصغرة (أبو مصطفى)، الذي أسّس معمله قبل سنتين في قبو البناء الذي يسكنه بالمنطقة نفسها.

ويقول "أبو مصطفى": "بدأت الفكرة من حاجتي إلى عمل إضافي أعمل به مساءً، فأنا أعمل كفني مخبري في أحد المخابر التابعة لوزارة الزراعة، والراتب غير كافٍ لأعيل نفسي وأسرتي؛ ولكوني خريج في كلية الكيمياء من جامعة دمشق، قرّرت الاستفادة من إلمامي بالمواد الكيميائية وبسؤال بعض ذوي الخبرة في مجال التصنيع، استطعت تحضير أولى الخلطات بمبلغ قدره 200 ألف ليرة سورية آنذاك، ثم بدأت بالتوزيع للمحلات والعربات المتنقلة التي تبيع المنظفات".

"مواد أولية رخيصة والمردود جيد"

عن الأسعار والمواد المستعملة، يقول "أبو مصطفى"، إنّه يحصل على المواد الأولية مثل: "الزفتة، التكسبون، التيلوز، المواد الحافظة، المواد العطرية والملونات" من مستودعات متخصصة في سوقي البزورية و"مدحت باشا"، وبعض المواد يشتريها من شركات المنظفات مثل: مادة "نصف المصنّع" الذي يدخل في صناعة مسحوق الغسيل من شركة الوزير.

وتابع: "أعمل في معملي الصغير بتصنيع كل أنواع المنظفات الأساسية التي تلبي احتياجات البيوت، مثل: سائل الجلي، سائل تنظيف اليدين، مسحوق الغسيل، معطّر الأرضيات، الشامبو للجسم والشعر، بلسم الشعر".

معمل منظفات

أمّا عن التكلفة والمردود في الوقت الحالي، يقول: "أنا تاجر جملة وموزع؛ لذا أضع هامش ربح بسيط جداً عند البيع لأصحاب المحال والعربات، حيث يكلفني البرميل الواحد (100 ليتر) في الوقت الحالي 400 إلى 600 ألف ليرة سوريّة، حسب المادة المصنعة والجودة المطلوبة؛ وعادةً يتم التلاعب بكمية المواد الأولية ونوعيتها خلال الخلط لتقليل التكاليف وبالتالي زيادة هامش الربح".

ويُباع الكيلو من سائل الجلي في الأسواق بما يتراوح بين 6 و 9 آلاف ليرة سورية، حسب الجودة و"مزاج" البائع، ويتم تعبئتها في أكياس لا عبوات مخصصة، ومن دون ذكر المواد الداخلة في التصنيع، أما كيلو النوع الأول من مسحوق الغسيل المصنّع في هذه المعامل، فتقدر تكلفته بـ8 آلاف ليرة سورية (جملة) بينما يباع بـ14 ألف ليرة سورية للمشترين (مفرّق).

"جودة رديئة وخلطات غير مدروسة"

لا تصنّع هذه المواد بطريقة مدروسة أو بتحاليل خاصة؛ إنما تُخلط المواد الأولية بنسب عشوائية، حيث يقول "أبو مصطفى": إنّ "80% من مواد التنظيف المنتشرة في الأسواق ذات خلط عشوائي، لذا عادةً نجد بعضها سيء الجودة مقارنةً بتلك المصنعة في معامل المنظفات الكبرى".

وخلال جولة لـ موقع تلفزيون سوريا على بعض هذه المعامل، أحدهما في منطقة الدويلعة والآخر في "المزة 86"، تبيّن أن هذه المنظفات تخلو من الإضافات الصحية أو المواد الجيدة التي تسهم في رفع جودتها.

المعامل المُرخصة (ذات العلامة التجارية) تضيف مواداً مُطريّة للجلد (غليسرين) أو بعض أنواع الفيتامينات (E وB5) أو المعقّمات الطبية (كحول، سيتراميد، هيكزاميدين)، أو حتى الملونات الصحية الموافق عليها من لجان وزارة الصحة، إلى جانب تحديد تاريخ انتهاء الصلاحية على العبوات، بينما تعمل المعامل غير المرخصة، دون ذلك كله، فلا يُضاف إلى براميل الخلط إلا المواد الكيميائية ذات الجودة السيئة، وقد تباع للمشترين وهي منتهية الصلاحية، إذ لا رقيب على تاريخ الإنتاج أو شروط التخزين.

"آثار صحية ليست في الحسبان"

لا يعرف الناس التركيب الكيميائي لهذه المواد أو بمعنى أصح، لا يهتمون إليه حتى يقعوا في مشكلة صحية ناتجة عن الآثار الجانبية للكيماويات غير المدروسة.

يقول "أبو مصطفى": "نقصد بالجودة في عمليات التصنيع هو مدى قدرة المنتج على إعطاء الرغوة أو الرائحة الفواحة، ويقدّر الناس جودة المنتج بكثافة السائل أو رائحته، ولا أحد يهتم إذا ما كان المنتج صالحاً للاستخدام من دون آثار سلبية على الجلد أو الشعر أو حتى المنسوجات".

يأتي ذلك كنتيجة للجهل العام من جهة، ولسوء الأوضاع المعيشية من جهة ثانية؛ فالغلاء المعيشي يدفع الناس إلى شراء مواد رخيصة مهما كانت أخطارها، وفق مبدأ "هذا الموجود، ويلي كاتبه الله رح يصير".

وخلال لقاء مع أحد الأطباء الجلديين في منطقة الجسر الأبيض بدمشق (أنس.غ)، أوضح لـ موقع تلفزيون سوريا: "تراجعه حالات عديدة من الحساسية الجلدية والأكزيما وتساقط الشعر والالتهابات المتقيّحة الناتجة عن الكيماويات، ويقدر عددها بالحالتين إلى ثلاث كل أسبوع".

ويرجّح الطبيب أنّ أغلب أسباب الأمراض الجلدية وأمراض الشعر، هو نقص المغذيات الأساسية؛ فغذاء السوريين فقير بالأحماض الأمينية (البروتين) والفيتامينات، كما أنّ المكملات الغذائية أصبحت خارج حسابات السوريين لغلاء أسعارها، ما يؤدي إلى إضعاف الجهاز المناعي لديهم وتعرضيهم بصورة أكبر لمشكلات صحية.

وتابع: "ضعف الجهاز المناعي ونقص المغذيات يعرضهم بصورة أكبر للمشكلات الصحية ولا سيما بوجود عامل خارجي مُحرّض لهذه المشكلات، كالتعرض للمواد الكيميائية بالتماس المباشر والاستعمال المديد".

وتتنوع الحالات -وفق قوله- بين "مشكلات تساقط الشعر وجفافه نتيجة استخدام المواد الكيميائية غير الصالحة أو قوية المفعول، إلى جانب الأكزيما الشديدة، وحالات تقشّر الجلد الالتهابي، والحكة الناتجة عن الحساسية (الشرى) والتصبغات الجلدية، والخدوش النازفة الناتجة عن ترقق الجلد، والحروق السطحية".

ولا تبدو تكلفة علاج هذه الأمراض ضمن القدرة المادية للسوريين، ما قد يمنع بعضهم عن إكمال العلاج وبالتالي تفاقم الحالة، يوضّح الطبيب أنس: "عند وصف شامبو طبي أو كريمات ومراهم لعلاج الحالات الخفيفة للمريض، عادةً ما أطلب منه المراجعة بعد فترة محددة، لكنه يغيب لأشهر قبل أن يراجعني وقد تفاقمت الحالة لديه وأصبحت بحاجة إلى وصف دواء، فلا ينفع العلاج الموضعي بل نصل إلى مرحلة العلاج الجهازي".

"عمل دون تراخيص"

فتح معمل للمنظّفات، خاصّة المعامل التي تنتج مستحضرات طبية أو معقمات جلدية، يحتاج إلى سجل تجاري وقرار صناعي وترخيص صحي؛ ما يتطلب دفع تكاليف إضافية يوفّرها أصحاب المعامل غير المرخصة لشراء المواد الأولية نظراً لكونهم لا يملكون الميزانية الكافية للتراخيص والموافقات الحكومية.

أما عن دور لجان التموين في حكومة النظام السوري، فيقتصر على مراقبة الأسعار في السوق وطلب "فواتير" المواد الأولية وأوزانها وأسعارها.

يقول "أبو مصطفى": "مَن يبدأ مشروعه بستة ملايين ليرة سورية، وهي كافية لإنتاج كمية قليلة فقط في معمل صغير، لن يكون على استعداد لدفع ما قيمته مليون ونصف حتى ثلاثة ملايين من رأسماله للجهات الحكومية لتحصيل الموافقات والتراخيص".