الغرق في بحر طرابلس.. كناية عن جيوش الخراب

تاريخ النشر: 28.04.2022 | 05:38 دمشق

الأول شعاره هو "وطن شرف إخلاص"، والثاني شعاره "شرف تضحية وفاء"، الأول أغرق بلاده بالدم في سبيل بقاء نظام العائلة والطائفة يحكم سوريا، والثاني صمتَ عن سيطرة ميليشيا حزب الله الطائفية الإيرانية على وطنه، وأغرق خفر سواحل يتبعون له قارباً مليئاً بالهاربين من جحيم الحياة التي يعيشونها، فمات رُبعهم!

هي ليست صدفة أن يتشارك الجيش اللبناني مع شقيقه الجيش السوري عيد ميلاد واحد، هو الأول من آب! فقد تكوّنا في رحم واحد، وجاءا إلى الوجود على يد قابلة واحدة، هي جيش الشرق الذي شكلته ودعمته فرنسا المنتدبة على البلدين.

كما أنها ليست صدفة أيضاً، أن يقدسهما البعض، فيضعون حولهما خطوطاً حمراء، تمنع أحداً من انتقادهما! حتى وإن كانت الجرائم التي يرتكبها أفراد منهما أوضح من الشمس في يوم صيفي! إنهما يتحدان!

في وقت ما من عقدي الثمانينيات والتسعينيات، تحول الوجود العسكري السوري في لبنان إلى كوميديا ساخرة، ليس بفعل ما حدث من تصرفات للعناصر والضباط على الأرض، كتعذيبهم للعابرين على الحواجز، وفرض الاستدعاءات والاعتقالات الأمنية، وقيامهم بالتعفيش وبالتهريب! وليس أيضاً، بسبب تكريس حثالة الطبقة السياسية، أي تلك المطبلة والمزمرة للأسد الأب في مواقع السيطرة والتحكم، ليس بسبب هذا كله أبداً، فكل ما نحكي عنه هنا أقرب لتوصيف المأساة.

بل إن الضحك يتسرب من توصيف النظام الأسدي للعلاقة بين اللبنانيين والسوريين بأنهما "شعب واحد، في بلدين"!

يمكن اعتبار هذا القول صحيحاً لجهة المساواة في المعاناة الكارثية، فما جرى في لبنان من امتهان للكرامات ومنع للحريات، حدث مثله في سوريا، فالآلية المعتمدة في طحن البشر، هي مشي جنازير الدبابة فوق كل شيء، فلا يبقى من الملامح سوى شكل الفولاذ الثقيل القبيح!

محاولات تجميل البؤس الإعلامية الساذجة، كذلك البرنامج السخيف الذي حمل عنوان "سوا ربينا" على شاشة التلفزيون السوري، وغيره، كانت تحول المشهد إلى القتامة وانسداد الأفق!

لقد توحد الشعبان بطريقة خاصة، لم تساهم فيها أبداً مدائح النظام وعملائه لأنفسهم، وادعاء أنهم يحررونه من محتليه الإسرائيليين،  فمن هذه الناحية كان كثيرون يصرحون بأن هؤلاء بذاتهم احتلال آخر! لقد تعرضا للقهر والأذى ذاته، المستمرين حتى الآن، رغم تبدل الوجوه، وتغير الزمان!

يمكن اعتبار ما جرى في طرابلس، جزءاً من المسار الإجباري الذي يوحد بين البلدين، والذي يمكن اختصار كل مضامينه وتوصيفاته بكلمة الموت!

هي ليست صدفة أن يتشارك الجيش اللبناني مع شقيقه الجيش السوري عيد ميلاد واحد، هو الأول من آب! فقد تكوّنا في رحم واحد، وجاءا إلى الوجود على يد قابلة واحدة، هي جيش الشرق الذي شكلته ودعمته فرنسا المنتدبة على البلدين

نعم، نحن وإياكم شركاء في النهاية الكئيبة للحياة، يهمس غريق سوري ميت في أذن غريق لبناني، ميت أيضاً! وبينما تطفو جثتاهما بعيداً في البحر، لاشيء يوحي بأن ثمة ما يجري على الشاطئ، فلبنان المعتم من دون كهرباء، لن يختلف في صورته الراهنة عن صورة الشقيقة الكبرى سوريا.

فهنا، حيث باعت الطبقة السياسية البلد كله لإيران، وسرقت أموال اللبنانيين، لن يكتشف أحد الفروقات العشر، مع هناك الذي يعيش مذبحة مستمرة منذ 11 سنة!

التحديق في وجوه الضحايا ممن غرقوا لا يجعلك تجزم بلبنانيتهم، وفي الوقت نفسه لا تملك اليقين بأنهم سوريون.

دعك من الملامح الشرقية الواحدة، ودقق في عيونهم التي تراها في الصور الملتقطة لهم، قبل مقتلهم بساعات ربما، ألا ترى حجم القهر؟! ألا تستوقفك الحدقات المتحجرة للأطفال السوريين ماسا ومحمد وجاد سبسبي الذين قضوا مع والدتهم ريهام دواليبي، أليست صريحة حد الفجيعة تلك السخرية من الحياة في هذه الأوطان؟!

بحر الظلام، حيث يُقتل الأطفال على يد جيوش قذرة، يتشاطأ السوريون واللبنانيون ضفتيه، ومع توسع مساحته لتشمل كل منطقة شرق المتوسط، التي تحفل يومياً بهاربين يحاولون النجاة من وباء الفساد والإجرام المسكوت عنه، صوب الشمال، لا تخلو أمواجه البرية والبحرية من قتلة آخرين، يصوبون بنادقهم إلى قلوب الضحايا، فيموت سوريون وهم يسعون لعبور الحدود برصاص حرس الحدود، ويموتون أيضاً في قوارب لا تكفل سلامتهم، خاصة حين تعترضها حراب عناصر (فرونتكس) الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل، التي تتعمد إغراق المراكب.

ويموتون متجمدين بعد أن يسرق الجنود اليونانيون ملابسهم وأموالهم وهواتفهم، تاركين إياهم عراة وسط مياه نهر إيفروس!

شراكة الضحايا في موتهم، تكشف تلقائياً عن القتلة الشركاء، الأمر هنا لا يتعلق بجيوش تحمي الأنظمة بدلاً من أن تحمي الشعوب، بل إن هذا مجرد تفصيل أمام حقيقة مفجعة تقول إن سلسلة المتورطين أكبر ممن يظهرون على الواجهة، فإذا كانت الهجرة غير الشرعية هي الشماعة التي يعلق عليها كل هذا الموت الكارثي، هل يستطيع أحد أن يتكلم عن أسبابها الحقيقية؟!

يعلم ممثل مفوضية اللاجئين في لبنان، أياكي إيتو، وكذلك زميله رئيس المنظمة الدولية للهجرة في لبنان، ماتيو لوتشيانو، أنهما لن يستطيعا الإشارة في تصريحاتهما عن الحادثة إلى المجرمين الحقيقيين، وربما سيكتبان التفاصيل في تقارير داخلية أو سيؤجلان ذلك إلى لحظة مصارحة مع الذات يدونانها في مذكراتيهما.

ولكن، أليس واجب من يعرفون الأسباب من قادة الدول التي تعاني من الهجرة غير الشرعية، أن يتدخلوا لحل المشكلة في جذورها، أي وجود هذه الأنظمة المستبدة الرازحة على شعوب المنطقة!؟

لا يفهم الضحايا الذي مضوا، ولا من سبقوهم ولن يفهم الضحايا المستقبليون الرطانة والامتلاء المعرفي في التحليلات السياسية، فحواسهم تتبع غريزة النجاة من الفقر والجوع وامتهان الكرامة، ومن الموت، في البلاد التي أدمن حكامها سفك دم البشر! ولهذا لن تكون هناك فائدة من أي إجراءات احترازية تهدف إلى عدم تكرار المأساة!

ما يعرفونه حقاً أنهم خسروا كل شيء، وبات من المؤكد بالنسبة لهم، أن الجيوش التي قدموا لها أموالهم لتصبح حامية لأوطانهم، لم تكن كذلك يوماً، بل إنها شريكة في قمعهم، ومنعهم من البحث عن آفاق النجاة، وقتلهم في المحصلة!

 

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار