كمنديل ورقي يستعمل لمرة واحدة ثم يُرمى في سلة المهملات

2024.03.14 | 06:55 دمشق

كمنديل ورقي يستعمل لمرة واحدة ثم يُرمى في سلة المهملات
+A
حجم الخط
-A

حتى اللحظة، لم يؤكد أحد ممن حاولوا تقصي الأمر، صحة الخبر المتداول عن موت شريف شحادة، المنافح الدؤوب عن النظام، في نشرات الأخبار، وفي البرامج التلفزيونية السياسية.

كانت لهذا الشخص أيام عز كما يقال، خاصة في السنوات الأولى للثورة السورية، حيث كانت تستضيفه القنوات المتابعة للشأن السوري، لا لأهمية ما كان يقوله بتلقائية على الهواء مباشرة، بل لأن تلك المرحلة شهدت شحاً واضحاً في الضيوف من هذه الطينة، والمقصود هنا أولئك الذين يجلسون أمام الكاميرات كي يرددوا عبارات متفق عليها، وكأنهم يعملون في خلية واحدة، تأتيها التوجيهات من المخابرات، تشكك بالثائرين، وتتهمهم بالعمالة، وتقاضي الأجور مقابل نزولهم إلى الشارع في المظاهرات!

ربما كان الخوف من سقوط النظام، وتحمل تبعات الموقف، هو ما دفع كثير من المحللين لأن يقللوا من ظهورهم عبر "القنوات الشريكة في إهراق الدم السوري" بحسب تعبير الإعلام الأسدي عن فضائيات عربية، كالجزيرة والعربية، وأجنبية كفرانس 24 أو BBC، لكن ما إن ظهر أن سقوط النظام ليس وشيكاً كما كانت توحي مجريات الأحداث، حتى عاد هؤلاء إلى الظهور على الشاشات، ليتحدثوا بثقة، عن أنهم كانوا يعرفون أن المؤامرة "خلصت وفشلت"!

في هذا الحيز الضائع بين الخوف من انهيار النظام، واليقين باستمراره، برز شريف شحادة، ومعه أحمد الحاج علي وبسام أبو عبد الله وطالب إبراهيم، وهم من غير المعروفين في مجال التحليل السياسي في مرحلة ما قبل الثورة، ومع كل ظهور لهم، كان الجمهور يتعرف على مستوى ما يملكه النظام فعلياً من العقول التي تفكر معه وتدافع عنه. ويمكن القول إن جزءاً كبيراً من ذاكرة السخرية من النظام، جاء من وراء تصريحات هؤلاء، لاسيما منها تلك التي تتحدث عن "النقود المدسوسة في لفافات الشاورما"! ومؤامرات خرافية كحكاية "مقلوبة الأسد"! وكذلك مغامرات استخباراتية كقصة "البارجة الألمانية"!

الإحساس الذي انتاب معظم من شاهد شحادة في الظهورات تلك، كان مزيجاً بين لامبالاة وتشفٍ، مع اعتقاد راسخ بأن العقاب سيحل على من خدم الطاغية ودافع عن جرائمه

حضور هؤلاء، بات يقل شيئاً فشيئاً، بالتزامن مع تلاشي الحراك السلمي في الشوارع السورية، بعد الحرب الهمجية التي شنها النظام على الثائرين. ولم يعرف أحد بالوضع الصحي لشحادة، لولا ظهوره بين الحين والآخر مع الإعلامي السوري فيصل القاسم، في برنامجه الشهير الاتجاه المعاكس، على شاشة قناة الجزيرة، حيث اختفت ابتسامته الواثقة، المرتسمة على وجهه المدور، لتحل مكانها حيادية في التعابير، بالكاد تسترعي الانتباه في وجه أصفر، تظهر في تفاصيله ملامح السقم والمرض!

الإحساس الذي انتاب معظم من شاهد شحادة في الظهورات تلك، كان مزيجاً بين لامبالاة وتشفٍ، مع اعتقاد راسخ بأن العقاب سيحل على من خدم الطاغية ودافع عن جرائمه، ولا أذكر، كم من شخص ردد أمامي بأن صورة الرجل المريض هذه دليل على صحة الاعتقاد بـ "الكارما"، والتي تعني في تأويلاتها العربية والإسلامية تجسيداً لمعنى قوله تعالى في سورة الزلزلة "فَمَن یَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَیۡرࣰا یَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)".

ما جرى مع شريف شحادة لا يحتمل كل هذا، فهو مجرد إنسان أصيب بالمرض العضال، كما يصاب به أي شخص، مؤيداً كان أم معارضاً، لكن أثقال الأسى التي ناء بها الشعب السوري المنكوب، بعد فجيعته بمن أيد وساند قتلة، أودوا بالشباب السوريين في الشوارع والمعتقلات والمجاهل الخفية، لن تسمح له بتعاطف ما أو شفقة، ولهذا لن يكون مهتماً بمصير هذا الشخص أو غيره، وحتى إشاعة الموت التي مرت قبل أيام لن تجد لها مكاناً في جدول اهتمامات أي أحد.

ما يجعلني أضع قصة شحادة ركناً لبناء هذه المقالة، ليست أفعاله، ولا حتى تاريخه كشخص، بل قدرة النظام الأسدي على استعمال الأفراد وربما الجماعات، وجعل الجميع في خدمته، واستهلاكهم حتى الرمق الأخير، ثم رميه لهم، وكأنهم مناديل تستعمل لمرة واحدة.

هل الاستفادة المادية، والبحث عن الجعالات هو ما يدفع الشخص لبذل الجهد والاستقتال في خدمة طاغية قاتل، ربما يصح هذا الاعتقاد عند النظر إلى شخصيات رثة، لا تملك ما يكفيها من القوت، وربما ينطبق أيضاً على أولئك الذين ينتمون إلى البيئات الموبوءة في قاع المجتمع، لكنه لا يركب في المعادلة عندما تكون الشخصية تتمتع بمكانة ما في مجالها، أو تمتلك حدوداً دنيا، من إمكانية الاختيار. كالمثقفين والأدباء والفنانين وغيرهم، ممن وقفوا إلى صف النظام ضد الشعب!

أياً كان الخبر الصحيح عن شريف شحادة، فإن مصيره المعنوي لن يختلف عن مصائر آخرين، انقضت أيامهم في ماكينة النظام الدموية الهائلة، ورحلوا، بينما بقي الأسديون في قصورهم يعيدون ترتيب الخراب

هنا سيقول لنا أحد ما إن السبب هو الخوف من المجهول القادم! وسنجيبه: لكن الخوف يدفع أصحابه إلى زوايا يختفون فيها، لا إلى الشاشات! حيث يظهرون، وقد ارتدوا الثياب الحربية، يطلقون نيران الاتهامات على المعارضين!

ربما تكون أسباب هذا الانحياز مركبة بطريقة معقدة، لا ينفع معها تبسيط الأمور، لكن الثابت في القصة أن النظام ذاته، أي الجهة المستفيدة من كل هذا الهراء، لا تبدي اهتماماً بأصحابها، لا بل إنها لا تشعر بأي امتنان لهم، كما أن بعض العاملين في صلب مؤسسته الإعلامية الضاربة يذهب أكثر فأكثر في إنكار جميل المتنطعين للدفاع عنه، وهذا ما فعلته مستشارة الأسد لونا الشبل قبل سنتين في أحد أحاديثها الصحفية.

أياً كان الخبر الصحيح عن شريف شحادة، فإن مصيره المعنوي لن يختلف عن مصائر آخرين، انقضت أيامهم في ماكينة النظام الدموية الهائلة، ورحلوا، بينما بقي الأسديون في قصورهم يعيدون ترتيب الخراب.