تقرير حريات صحفية.. ولكن بتوقيع أسدي

2024.03.27 | 06:02 دمشق

آخر تحديث: 27.03.2024 | 06:02 دمشق

تقرير حريات صحفية.. ولكن بتوقيع أسدي
+A
حجم الخط
-A

هل هو أطرف خبر يمكن أن يمر مع القارئ وهو يتابع الأخبار السورية؟!

نعم يمكن اعتبار إطلاق اتحاد صحفيي النظام تقريره للحريات الصحفية لعام 2023 كذلك!

لكن سيبقى مستوى الطرافة محدوداً، أمام القهقهة التي تأتي للمرء، وهو يسمع ويرى تصريحات بشار الأسد وزوجته خلال الأيام الماضية، في عدة مناسبات لم يوفراها، وذلك من أجل إذهال السوريين بمقدرتيهما العالية على الانفصال عن الواقع، حتى يكاد المشاهد يظن أنهما بنيا مسكنهما على كوكب بعيد، ومن هناك ينظران إلى واقع السوريين، عبر منظار فصّلت عدساته على مقاس محدد، يجعلهما يريان ما يريدان، ويهملان ما لا يطيقان!

اتحاد الصحفيين، وبعد أن اكتشف دهاة النظام وبمعونة اتحادات صحفية عربية ممانعة، إمكانية تسربه إلى مؤسسات عالمية كالاتحاد الدولي للصحفيين، من أجل تقديم سردية مختلفة عما جرى ويجري في سوريا! يكاد يتطابق في سلوكه الحالي مع إيقاع وسلوك العائلة الأسدية نفسها. حيث يمكن تتبع التفاصيل المعلنة في التقرير المشار إليه أعلاه، لنكتشف أنه أولاً وأخيراً، مطالعة النظام بخصوص اعتداء الآخرين على إعلامه الخاص! وليس اعتداء قواه الأمنية القمعية، على الإعلاميين المعارضين، ومنعه المؤسسات الإعلامية العربية والدولية من العمل في مناطق سيطرته، إلا في حال عملت تحت إشرافه! كما يجد القارئ وبحسب ما نشرت الصحافة المحلية، أحاديث عن صحفيين يعملون مع مؤسساته، لكنهم سجناء لدى قوات سوريا الديموقراطية.

يمرر هؤلاء أخباراً عن تعرض بعض الصحفيين للمساءلة في فرع المعلوماتية التابع لوزارة الداخلية، ويبرزون دور اتحادهم في منع تفاقم مشكلات هؤلاء مع من ادعى عليهم!

وعن تعرض أبنية المؤسسات الإعلامية لأضرار خلال "الحرب" في سياق اعتداءات تحال دائماً إلى "العصابات الإرهابية"!

ومن أجل ألا يُتهم صناع التقرير بالانحياز الكامل لرواية النظام، يمرر هؤلاء أخباراً عن تعرض بعض الصحفيين للمساءلة في فرع المعلوماتية التابع لوزارة الداخلية، ويبرزون دور اتحادهم في منع تفاقم مشكلات هؤلاء مع من ادعى عليهم!

أي أن القصة لا تتعدى إشكالات شخصية، يمكن حلها بطريقة "تبويس الشوارب"!

كما لا يغض التقرير النظر عن قصة قانون إعلام جديد، مازال يتداول ما بين مجلس الشعب ووزارة الإعلام، وجرى الاعتراض على حذف جهة مجهولة لبنود مهمة فيه، ما يمكن اعتباره صياغة أمنية تعقّم القانون العتيد من كل ما يحمي الصحفيين خلال عملهم!

هذا هو سقف ما يمكن أن يفعله اتحاد صحفيي نظام الأسديين، طالما أنه لا يخرج عن كونه مجرد أداة تعمل تحت مظلة القيادة القطرية لحزب البعث، لا تخفي طبيعتها، ولا تتحرج من أن يشرف على تقريرها هذا، مهدي دخل الله رئيس مكتب الإعداد والثقافة والإعلام عضو القيادة المركزية للحزب، والذي لم يكن مضطراً لأن يلعب لعبة التوريات في شأن التقرير، وفي رؤيته لدور هؤلاء الصحفيين نفسه، فبالنسبة له: "تقرير الحريات الإعلامية الذي يصدر عن الاتحاد يعد مهماً في إطار التوجه نحو تقديم الصورة الواضحة للرأي العام الخارجي عن حرب إرهابية ومؤامرة كونية تعرضت لها سوريا، وطالت الصحفيين السوريين"!

طرافة القصة كلها، تأتي أيضاً من هذه الصراحة عند مهدي دخل الله، فالرجل لا يرى أن ثمة غاية أسمى من غاية الدفاع عن النظام! وإذا كان لدى الصحفيين أهداف أخرى، فهي تأتي لاحقاً، وذلك بناء على ترتيب أولويات الأسديين، وفي المحصلة "لهم أن يقولوا ما يريدون، ولنا أن نفعل ما نريد"!

تبعاً لهذه المنهجية في التفكير والعمل البعثيين، سيكون من أولويات التقرير أن يجعل للعقوبات المفروضة على نظام البراميل، أثراً على الصحفيين، يمر في السياق، دون أن يتم إيضاح طبيعته، وأن يضيف للعقوبات الاقتصادية دوراً خاصاً مبهماً يقوم بتعطيل عمل الصحفيين!

طبعاً إحساسنا بالطرافة سينخفض، إن تعاطينا بجدية مع أكوام التفاصيل المحشورة في كل ما يصدره النظام ومؤسساته من تقارير وبيانات، يريد من خلالها إيصال صورة كونه ضحية للآخرين، وأن لديه مؤسسات حرة ومستقلة!

اتحاد الصحفيين الموالين، لا يخرج مطلقاً عن صورته التقليدية فهو مجرد أداة أمنية، يسمح لبعض أفراده أن يلعبوا في مساحة محددة، وبغرض الدفاع عن الأسد وعائلته وحزبه

لكن من المهم التعاطي بجدية مع رسائل يتم تسريبها في مثل هذه الوثائق، وتقديم التقارير المضادة التي تكشف تناقض سرديتها مع الواقع، ففي سوريا الأسدية المصنفة بحسب تقرير منظمة (مراسلون بلا حدود) على أنها أخطر مكان للصحفيين حول العالم، وحلت في المرتبة 175، على مقياس الحريات، لا يمكن تجاهل الدور الإجرامي الذي لعبه النظام ذاته، في جعل الحياة كارثية للجميع، فحربه ضد الثائرين عليه، خلقت الأوضاع المثالية لكل القوى المسيطرة على الأرض في كل جهات البلاد لأن تعيد إنتاج سلوكه، حيث يتحول الصحفيون إلى مكسر عصا، لكل من يحمل السلاح!

اتحاد الصحفيين الموالين، لا يخرج مطلقاً عن صورته التقليدية فهو مجرد أداة أمنية، يسمح لبعض أفراده أن يلعبوا في مساحة محددة، وبغرض الدفاع عن الأسد وعائلته وحزبه، لكنهم سرعان ما يعودون إلى حظيرة الطاعة، بعد أن ينتهي دورهم في المشهد المطلوب.