ملهم الدروبي.. سيرة إصلاحي من الإخوان المسلمين

تاريخ النشر: 18.06.2018 | 00:06 دمشق

على بعد 300 كم من إسطنبول توافدت مجموعة مدعوين إلى فندق متواضع في قرية اختيرت لاستقبال سياح غير مألوفين. كانوا قيادة الإخوان المسلمين السوريين، وكان مهماً أن يجري لقاؤهم بعيداً عن الإعلام وعن الأذرع المحتملة للمخابرات التي تلاحقهم رغم أن الجماعة كانت، في بلادها، جزءاً من ماض شبحي، ولا أنسب من أن يمثلها عجائز راحوا يبحثون عن الدفء الذي تحتفظ به البلدة رغم أننا في الأسابيع الأولى من 2011.

فضلاً عن الأعمال الروتينية كان على جدول الاجتماع بند طارئ؛ «الأوضاع في تونس ومصر». ففي البلد الأول أطاحت انتفاضة شعبية بالرئيس قبل أن يستوعب أحد ما حدث، ويتجمهر محتجو الثاني في ميدان التحرير. وعلى الحضور أن يجيبوا عن السؤال/الحلم: ماذا لو انطلقت الاحتجاجات في سورية؟!

كان بينهم رجل أصغر سناً، نشيط ببنية متينة. اعتاد ملهم الدروبي موقع الشاب في الجماعة منذ أن تعرف إليها في مدينته حمص سنة 1980، في السادسة عشرة، وانتسب إليها بعد أشهر، لتطاله الملاحقة ويضطر للمغادرة. بين أعوام 1982 و1987 درس هندسة الحاسبات في جامعة الشرق الأوسط التقنية بأنقرة، ثم انتقل إلى مونتريال حيث حاز الماجستير في الذكاء الاصطناعي من جامعة ماكغيل الشهيرة عام 1993. اكتسب خبرة في شركات طيران كندية قبل أن يعمل في الخطوط الجوية السعودية بجدة. أما تنظيمياً فصار عضو إدارة مونتريال، ثم قيادة كندا، ليصل إلى عضوية قيادة الجماعة إثر انتخابات 1996 التي أتت بالمراقب العام الشهير علي صدر الدين البيانوني.

سيلعب الدروبي دوراً مهماً في الدورات الثلاث لذلك العهد الذي وُصف بالإصلاحي. من موقعه كرئيس «لمكتب التخطيط والدراسات الإستراتيجي» سيشرف على أهم إنجازات المرحلة؛ «المشروع السياسي لسورية المستقبل». وهو ما يشبه كتاباً طرحت فيه الجماعة، عام 2004، برنامجاً متقدماً للمشاركة في بناء دولة مدنية بوسائل ديمقراطية، ولاقت به المعارضة العلمانية التي كانت تحاول العمل في الداخل، في ما عُرف بإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي.

اعتاد ملهم الدروبي موقع الشاب في الجماعة منذ أن تعرف إليها في مدينته حمص سنة 1980 في السادسة عشرة وانتسب إليها بعد أشهر

لم يكن هناك أنسب من الدروبي، إذاً، لهذه المهمة المستجدة. لا سيما مع إحساس كثير من أعضاء القيادة بالتقادم عن مواكبة «ثورات الشباب العربي» التي انطلقت من فيسبوك. وبالفعل، سهر الرجل ليلته، وفي الصباح قدّم ورقة حدد فيها، بتسع نقاط، كيف يمكن «إطلاق وإدارة» ما أسماه «مشروع ارحل بشار».

والحال أن انجذاب الرجل إلى هذه المفردات عائد إلى ما يراه اختصاصه الثاني في «إدارة المشاريع»، الذي حاز فيه شهادات أوصلته إلى رتبة «مدرب عالمي معتمد». وإذا كان ورود كلمة «المشروع» في العنوان الأول «مشروعاً»، فيشفع لوجودها في الثاني أنها مجرد ورقة داخلية لإثارة «العصف الذهني» الذي نتج عنه، في نهاية الأمر، اعتماد القيادة أربع «إستراتيجيات» للثورة السورية، لو حصلت، وهي أن تكون سلمية؛ وطنية؛ تحافظ على وحدة البلاد؛ ترفض التدخل العسكري الخارجي. ولا تُعتبر القوات العربية أو الإسلامية أجنبية.

على هذا انفضّ الجمع... ولم تمر أشهر إلا وقامت الثورة.

من موقعه في قيادة الجماعة انتزع الدروبي تكليفاً بالمشاركة في مؤتمر أنطاليا الشهير، في أواخر أيار 2011، وعندها عرفه السوريون لأول مرة يدعو إلى قيام «دولة مدنية ونظام سيادي نيابي متعدد وتحت سيادة دستور يتساوى في ظله الجميع، يحافظ على حقوق الإنسان أياً كان، ويضمن حرية الاعتقاد وحرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل السلمية»، فيحظى بتصفيق حاد من المجتمعين بهدف تأسيس كيان سياسي، مما سيتمخض، بعد أشهر، عن ولادة «المجلس الوطني» الذي لعب الدروبي دوراً مركزياً في كواليس تشكيله والتفاوض على حصة الجماعة فيه. ومنذ ذلك الوقت صار أحد أبرز وجوه المعارضة وضيفاُ ثابتاً على وسائل الإعلام، مع ما يعنيه ذلك من تسليط الضوء على مواقفه وتناقضاته... وشطحاته.

فمن التشديد على وحدة سورية إلى التصريح بأن التقسيم بات الحل الوحيد في ظل عدم قدرة أي من الطرفين حسم المعركة. ومن التأكيد على سلمية الثورة إلى الإعلان عن تشكيل كتائب مسلحة تابعة للإخوان. ومن المطالبة بدولة يتساوى مواطنوها، بغض النظر عن الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس، إلى ضرورة «نقل المعركة لمدن وقرى النصيرية». مع ما تخلل ذلك من طرائف وغرائب تليها توضيحات؛ كقوله إن الخلفاء الراشدين لو كانوا بيننا لكانوا مع الإخوان (كتب بعدها يسأل المعترضين عن الجماعة التي يعتقدون أن الصحابة سيتبعونها)، وتعزيته بوفاة مصطفى طلاس (كتب بعدها أن صفحته كانت مقرصنة)، وتهنئته بانتخاب رئيس «مجلس الشعب» السوري (قال بعدها إنه كان يسخر، ولكن الاتصال مع قناة «الميادين» صوتي غابت عنه «لغة الجسد»)، وقوله إنه لولا الإخوان لما كانت هناك ثورة (نشر بعدها أن غياب أي مكوّن لها كان سيؤدي إلى عدم اندلاعها)، وأخيراً سؤاله عن ما قدمه العلمانيون للثورة (لم يوضح بعد).

من موقعه في قيادة الجماعة انتزع الدروبي تكليفاً بالمشاركة في مؤتمر أنطاليا الشهير، في أواخر أيار 2011 وعندها عرفه السوريون لأول مرة يدعو إلى قيام «دولة مدنية ونظام سيادي نيابي متعدد وتحت سيادة دستور يتساوى في ظله الجميع

والحق أنه من الجور النظر إلى هذه التصريحات بمعيار واحد، فمنها ما فرضه تغيّر الظروف. كما أنه من الظلم تحميل الإخوان مسؤولية كل أقوال الرجل، رغم أنه عندما ارتكب معظمها كان يحتل مناصب حساسة في الجماعة، كالمتحدث الرسمي. فقد أثار داخلها العديد من الخلافات التي تسرب صداها إلى خارجها، حتى طلب إعفاءه من مهامه، مع استمرار عضويته، في حزيران 2016.

بعد الاستقالة التفت الدروبي إلى المؤسسة التي كان قد أنشأها عام 2012، ويسميها «جامعة رشد الافتراضية». غير أن تعدد الفهوم سيلاحق مهندس الحاسبات الذي لم يحسب أن غوغل يوثق مقالاته دون اعتبار لمقاماتها. ومن ذلك أن رئيس «الجامعة» يشرح اسمها، مرة، بأنه اختصار «رأي، شراكة، دعم»، بوصفها «مؤسسة علمية استشارية وبحثية». وفي ثانية يقول إن «رشد» مشروع خيري وقفي أسسه على نية والدته المرحومة «مرشدة» واشتق من اسمها. وفي ثالثة يصرّح أنها «شركة تجارية متخصصة في التعليم والأبحاث»، تعتمد «الجودة العالية في المناهج المعتمدة والفريق الأكاديمي». أما الحساب المصرفي لرشد، كما يظهره موقعها على الإنترنت، فيحيل على أنها شركة مسجّلة باسم ملهم راتب الدروبي في غرفة تجارة إسطنبول باختصاص «الاستشارات الطبية وتجارة مواد الإعمار والأغذية».

مهما يكن من أمر، يبدو أن المدرب وجد أخيراً «المشروع» الذي سيتابع رعايته في سورية المستقبل. إنها «الجامعة» التي تحتفل صفحتها على فيسبوك بيوم تأسيسها الموافق لمولد المؤسس، وتحوي قناتها في يوتيوب على أربعة فيديوهات، أحدها مقطع احتفالي لولادة الملهم!