icon
التغطية الحية

مقابر دمشق للأغنياء وللفقراء نجها.. أين يدفن السوريون أحباءهم؟

2023.09.30 | 05:23 دمشق

آخر تحديث: 30.09.2023 | 08:27 دمشق

مقبرة الدحداح
وصل سعر القبر في الدحداح وباب الصغير والشيخ رسلان إلى 40 مليون ليرة سورية وفي المقابر الأخرى نحو 25 مليونا - AFP
+A
حجم الخط
-A

تكاد مقابر دمشق أن تكون أكثر ازدحاماً من شوارعها المكتظة، وتتجاوز تكاليفها أسعار بيوت السكن، وعند الموت في العاصمة السورية، يتحول البحث عن "المثوى الأخير" إلى تحدٍ اقتصادي مرهق وكبير التكلفة، فالقبر ومراسم الدفن هاجس لذوي المتوفى، لا يستطيع إتمامهما سوى المقتدر، بينما يجد الفقراء أنفسهم يواجهون تحدياً حقيقياً في تأمين مكان لدفن أحبائهم.

ظهرت المقابر في العاصمة السورية مع نشأة المدينة، وتزايدت مع توسعها المستمر، وتنتشر في مناطق حيوية، كحي ركن الدين والمهاجرين وشارع بغداد، فضلاً عن مقابر المدينة القديمة ومدافن عائلية كثيرة.

ولا تعد هذه المقابر مجرد مكان لدفن الأموات فحسب، بل كثير منها أصبح معالم أثرية وتاريخية، تحمل طابعاً دينياً وتاريخياً، حيث تضم رفات أولياء وصالحين وشخصيات دينية وتاريخية وثقافية بارزة، أصبحت مع الوقت جزءاً هاماً من تاريخ المنطقة وتراثها.

وتضم أحياء دمشق 34 مقبرة، خرجت ثلاث منها عن الخدمة، هي مقابر جوبر وبرزة والقابون، في حين لا وجود لمقبرة مزة 86 في السجلات الرسمية، ومن أشهر مقابر المدينة: الدحداح في شارع بغداد، والشيخ رسلان في باب شرقي، وباب الصغير جنوبي المدينة، ومقبرة الشيخ خالد في حي ركن الدين.

المقابر مزدحمة والأسعار خيالية

خلال السنوات الأخيرة، شهدت مقابر دمشق ازدحاماً غير مسبوق، وتجاوزت طاقتها الاستيعابية بكثير، وتزامناً مع ذلك، ارتفعت أسعار القبور لتصل إلى مبالغ خيالية، حيث وصل سعر القبر في الدحداح وباب الصغير والشيخ رسلان لما يقارب 40 مليون ليرة سورية، وفي المقابر الأخرى نحو 25 مليونا، ما دفع كثيرين ممن لا يستطيعون الحصول على قبر في المدينة إلى البحث عن بدائل خارجها، وأبرز هذه البدائل مقبرة نجها قرب بلدة الحسينية بريف دمشق، حيث لا يكلف الدفن أكثر من 300 ألف ليرة.

ومنذ العام 2017، سمحت محافظة دمشق بجعل المقابر طابقية، حيث يمكن الدفن بطابقين أو ثلاثة حسب المساحة الجانبية، وبدأت بإصدار تراخيص لقبور مكونة من ثلاثة طوابق في مقابر العاصمة، وحددت لها رسوماً خاصة يتم دفعها عند كل عملية دفن.

وفي آب الماضي، وافقت وزارة الأوقاف في حكومة النظام السوري على اقتراح قدمته محافظة دمشق ينص على رفع رسوم القبر في مقابر الدحداح وباب الصغير والشيخ رسلان إلى مبلغ مليون ليرة سورية، وإلى 750 ألف ليرة في بقية مقابر المدينة، بالإضافة إلى رسوم الدفن الأخرى، في حين حددت كلفة تخصيص القبر في نجها بـ 160 ألف ليرة سورية مضافاً إليها رسوم الدفن.

وعلى الرغم من ذلك، يؤكد "مكتب دفن الموتى"، التابع للمحافظة والذي يتولى مسؤولية المقابر ومراسم الدفن، أن المقابر داخل المدينة ممتلئة، وبلغت طاقتها الاستيعابية القصوى، ولا توجد مساحة للدفن فيها، ما أفسح المجال للتلاعب الواسع من قبل سماسرة القبور وبعض أصحاب المكاتب العقارية في دمشق.

مقبرة الشيخ خالد في حي ركن الدين بدمشق
مقبرة الشيخ خالد في حي ركن الدين بدمشق - وسائل التواصل الاجتماعي

بيع وإيجار واحتيال

أكد عامل في "مكتب دفن الموتى" بدمشق، فضل عدم الكشف عن هويته، لموقع "تلفزيون سوريا"، أن الدفن في دمشق شهد "تحولاً مريراً"، موضحاً أن أسعار القبور "ارتفعت إلى مستويات فاقت التوقعات، ما أجبر الكثيرين على اللجوء إلى استئجار القبور بشكل سنوي بدلاً من شرائها، بعد الاتفاق مع أصحابها الأصليين".

ووفق المصدر فإن كلفة القبر في مقابر دمشق الرئيسية (الدحداح والشيخ رسلان وباب الصغير) تتجاوز 35 مليون ليرة سورية، وتصل كلفة القبر في مقبرة الشيخ خالد، والتي تعتبر أرضها "أملاك دولة" إلى 25 مليون ليرة، في حين تتراوح كلفة القبر في المقابر الأخرى بين 10 و 20 مليون ليرة سورية، وكلٌ حسب موقعه وإطلالته.

وذكر المصدر أن عملية بيع القبر وتوثيق ملكيته لا تتم إلا بعد الاتفاق مع سمسار أو وسيط عقاري، يحصل بموجبه مالك القبر على ما يطلبه سعراً للقبر، في حين يتم توثيقه كوقف أو تبرع عبر "مكتب دفن الموتى" بعد دفع حصة لهم من عملية البيع.

من جهة أخرى، قال العامل في "مكتب دفن الموتى" إن هذا الارتفاع في أسعار القبور، دفع كثيرين إلى استئجارها بشكل سنوي، بالاتفاق مع حارس المقبرة أو حفّار القبور بالإضافة لعمولة "مكتب دفن الموتى"، حيث يتراوح مبلغ الإيجار بين مليون و5 ملايين في المقابر الرئيسية، وبين 500 ألف و3 ملايين في المقابر الأخرى، يتم دفعه سنوياً.

وأشار المصدر إلى أن القانون يسمح للورثة الشرعيين للقبر باستضافة ميت في قبر مورثهم، إلا أن معظم حالات تأجير القبور تتم دون علم أصحاب القبر الأصليين، مشيراً إلى تورط موظفي "مكتب دفن الموتى" في قضايا الإيجار، حيث لا تتم عملية الدفن إلا بمعرفتهم وإشرافهم، بما في ذلك القبور المستأجرة.

يشار إلى أن محافظة دمشق أصدرت قراراً بمنع استضافة الغرباء في القبور، وحصرت الدفن لأفراد العائلة الذين يحملون نفس الكنية، سواء كانوا من الأصول أو الفروع، وبدأ "مكتب دفن الموتى" بطلب بيان عائلي من ذوي المتوفى قبل إجراء عملية الدفن، بهدف التحقق من أن المتوفى ينتمي إلى نفس العائلة.

لمن تعود الملكية؟

وعن القوانين المتعلقة بملكية القبور في مدينة دمشق، قال المحامي معتز الطواشي، لموقع "تلفزيون سوريا"، إنه "في إطار القانون السوري، يتم تحديد ملكية القبر وفقاً للشخص الذي دُفن فيه أولاً، وتحال الملكية إلى الذكور الورثة مع الحفاظ على حق الإناث في بعض الحالات".

وأكد المحامي أنه لا يوجد أي إطار قانوني لعملية بيع القبور، بل هناك فقط أجور تتقاضاها المحافظة، عبر "مكتب دفن الموتى"، مقابل الخدمات التي تقدمها، وهي تجهيز الموتى وتكفينهم، وتأمين وسائل النقل ومراسم الصلاة على الميت.

وأضاف أن القانون يمنع بشكل صريح بيع القبور، لكنه سمح بالتنازل عنها دون مقابل بين الورثة الشرعيين حصراً، وذلك بعد مدة محددة، مشيراً إلى أن هذا التنازل يجري عبر السماسرة وخارج إطار التسجيل العقاري الرسمي، حيث تُسجل عملية التنازل أولاً في "مكتب دفن الموتى" تحت بند "تنازل دون مقابل"، ليتم بعد ذلك توثيقه بحكم قضائي يفضي إلى نقل الملكية.

وأوضح أن القانون السوري يلزم بعدم استضافة أي فرد ليس من الورثة الشرعيين للقبر، وهو إجراء يهدف إلى "ضمان التحكم والشمول في عمليات التخليص والحفاظ على حقوق الورثة".

وأكد المحامي الطواشي أن "القانون السوري واضح في هذا الصدد، لكن التلاعب في ملكية القبور أصبح سمة عامة، وتناقل ملكيتها عرفاً سائداً بين الناس"، مشيراً إلى أن "بيع القبور تجارة رائجة ومربحة هذه الأيام".

مقبرة نجها للفقراء

اضطر سليمان، من أهالي حي ركن الدين، لدفن أخيه في مقبرة نجها، الواقعة قرب بلدة الحسينية على بعد نحو 13 كيلومتراً جنوبي دمشق، بعد أن يئس من إيجاد قبر له حيث دفن أفراد عائلته الآخرين في مقبرة الشيخ خالد على سفح جبل قاسيون.

يقول سليمان لموقع "تلفزيون سوريا" "بعد وفاة أخي ذهبت إلى مكتب دفن الموتى للحصول على موافقة لدفنه بجانب والدي في مقبرة الشيخ خالد، لكن مكتب دفن الموتى لم يسمح بذلك، وأكد أن المكان لا يسمح بحفر قبر جديد، في الوقت الذي يستطيع أشخاص آخرون استخدام المساحات الفارغة وحفر قبور بموافقة المكتب".

وأضاف "بقيت لوقت طويل في جدال ونقاش، وصلت حد الرجاء، مع مكتب دفن الموتى للسماح بحفر قبر جديد دون طائل"، مشيراً إلى أن أحد موظفي المكتب ألمح إلى إمكانية وساطته مع شخص يملك قبراً في الشيخ خالد يمكن الدفن فيه، مقابل دفع مبلغ من المال دون أن يحدده، في حين أكد موظف آخر في المكتب أن المبلغ لن يقل عن 5 ملايين ليرة سورية.

وتابع قائلا "عدت إلى الموظف وحاولت التفاوض معه على المبلغ، لكنه رفض، وقال إن صاحب القبر لديه زبائن مستعدون لدفع أي مبلغ مقابل الدفن واقترح أن أدفن أخي في مقبرة نجها، حيث الدفن أقرب إلى المجاني، ولا يكلف أكثر من 300 ألف ليرة سورية".

يؤكد سليمان أن "دفن أفراد العائلة في مقبرة الشيخ خالد، مسألة بالغة الأهمية حتى نتمكن من زيارتها في أي وقت"، مشيراً إلى أن حزن والدته على وفاة ولدها مضاعفة لكونها لا تستطيع زيارة قبره في أي وقت.

مقبرة نجها جنوبي دمشق
مقبرة نجها جنوبي دمشق - رويترز

أبو إبراهيم، لاجئ فلسطيني من سكان حي ركن الدين يبلغ من العمر 78 عاماً، عمد قبل 10 سنوات إلى حفر قبر جديد في الشيخ خالد، ووضع شاهدة عليها اسمه ليضمن مثوى له عند وفاته.

وأوضح أبو إبراهيم لموقع "تلفزيون سوريا" أن "تحديد الإنسان لقبره قبل وفاته أمر ضروري، ولا يجب أن يكون بعيداً عن مكان سكن عائلته"، مشيراً إلى أن قضية القبور ومكان الدفن تأخذ مساحة كبيرة من أحاديث كبار السن في دمشق.

يؤكد أبو إبراهيم أن ما فعله هو لضمان زيارة أبنائه وأفراد عائلته لقبره بشكل دائم، فوجود القبر في مقبرة الشيخ خالد يعني أن زيارته أمر مؤكد، أما إذا كان القبر في نجها أو في أي مقبرة خارج المدينة فلن يزوره أحد.