عن الغضب والصراخ..

2022.07.07 | 07:03 دمشق

الشغري
+A
حجم الخط
-A

في مكان ما من العالم قام أحد الأذكياء بتأسيس مشروع، يقدم لمن يرغبون إمكانية التعبير عن الغضب، من دون أن يؤدي ذلك إلى إيذاء الآخرين. وقد جمع صاحب الفكرة في المكان كل الأدوات التي يمكن للغاضب أن يحطمها، في سبيل أن يفرغ غضبه، كما أنه خصص كابينات صغيرة، يمكن لمن يرغب أن يصرخ في داخلها أيضاً.

لقي المشروع نجاحاً، وتم تقليده في عدة بلدان. ورغم أن طابعه الربحي لا يخفى، لكن من قاموا بتجريبه اعتبروه عملاً نبيلاً، يساعد الذين يعانون من التوتر المزمن على تجاوز ذلك، من دون أن يدمنوا على الأدوية، التي يمكن أن يصفها لهم الطبيب النفسي.

الغضب ههنا يمكن جعله مساوياً للمرض الجسدي، فكلاهما يحتاجان إلى الدواء كي يساعد المصاب على تجاوز الألم، وضمن هذا الترابط، لا يمكن النظر إلى صاحب المشروع الربحي على أنه يتاجر بآلام الآخرين، إنه يقدم لهم فرصة للتخلص مما يعانونه، طالما أن أحداً لم يفعل شيئاً يساعدهم على ذلك.

لنتخيل ما الذي سوف يقوله شخص غاضب من مديره في العمل، حينما سيدخل الكابينة المخصصة للصراخ! هل نحتاج للشرح، أو للتخيل أصلاً؟

الفكرة مبنية على أن يمنح هذا الموظف فرصة لسب مديره، من دون أن يجرح مشاعر المشتوم، ودون أن يخاف من فقدانه لعمله، ولكن لو حصل ذلك فعلياً في مكان العمل، ألن تكون فرصة رائعة لقول كل شيء في مواجهة غير متوقعة!

يريد البعض من السوريين أن يكونوا مؤدبين وهم يتألمون، وألا يعبروا عن غضبهم إلا في كابينات مقفلة، لا يسمعهم فيها أحد، لا لشيء سوى أن طريقة تعبيرهم قد تتجاوز الحدود المقبولة في صالونات السياسة الدولية!

الحدث الذي صنعه الناشط السوري عمر الشغري في مجلس الأمن (وهو مكان غير مخصص لتفريغ الغضب) يستدعي نقاشاً مطولاً حول ما يجب على السوري قوله في المحفل الدولي، وما يجب عليه ألا يقوله، وفقاً لقواعد البروتوكول المعتمدة، ووفقاً للصوابية السياسية. وهذا يمكن أن نتمسك به، طالما أن القضايا التي سوف نناقشها تخضع لذات القواعد، الأمر الذي لا يحصل في حالتنا، إذ لا شيء منطقيا في كل ما حصل لنا!

من قال إذاً: إن التعبير عن الغضب يمكن أن يمضي في مثل هذه الحالة وفق خطوط مرسومة، ونقاط علام، يجب الالتزام بها؟!

طوال السنوات الماضية لم يُمنح السوريون فرصة لفعل شيء سوى أن يموتوا، أو يحاولوا النجاة عبر ركوب الأهوال!

طوال السنوات الماضية لم يُمنح السوريون فرصة لفعل شيء سوى أن يموتوا، أو يحاولوا النجاة عبر ركوب الأهوال!

كانت الدول المؤثرة في قضيتهم لا تنظر إلى مآسيهم في بلدهم، بل كانت تحدق بحرص المتضرر المرغم على القبول بما يجري، وهي تراهم يعبرون الحدود، ويخوضون البحار لكي يصلوا إلى أمكنة آمنة.

وحين غضبوا من قتلهم، ومن الصمت الدولي على المجازر التي ارتكبت بحقهم، حُرموا من حق المساعدة على رد الظلم والألم.

وحين حملوا السلاح ضد ظالمهم، أطلقت عليهم قطعان التوحش من كل حدب وصوب! لاشيء يمكن له أن يعبر عن السوريين سوى صور قتلاهم، لكن الموتى لا يغضبون، بل يحتاجون لمن يفعل شيئاً من أجل ألا يفلت القتلة بفعلتهم من دون عقاب، وإذا تعذر ذلك في الوقت الراهن، لابد من أن يصرخ أحد في وجه هذه البلادة المخزية، وهذا أضعف الإيمان!

قيل الكثير عن الشغري في الأيام الماضية، لكن ما لم يقل كان أكثر، خاصة أنه بذاته وبعد أن بات العالم يعرف الفظائع التي عاشها، صار أنموذجاً عن السوري الناجي من كارثة لم ينج منها سوى القلة، وقلة القلة هم من تمكنوا من الحديث عما جرى معهم!

لا أجزم بدقة كل ما يقوله الرجل من تفاصيل تجربته في الاعتقال، لا بل أظن (من موقعي كناقد يفكر بأدوات المنطق) أنه يبالغ في بعض الأشياء، ولكن هل هناك فرصة للتأكد من الحدود الفاصلة بين المنطقي وغير المنطقي في الحالة السورية؟ بين الواقعي والخيالي؟ بين الممكن وغير الممكن؟ بين غير الواقعي الذي نحب الحديث عنه، والواقعي الذي من غير المستحب ذكره؟!

أليس الجميع عرضة للإصابة بالهلوسة، وهم يتعرضون لرضوض جسدية ونفسية غير متوقعة؟!

نعتقد كحالة جمعية أننا وصلنا إلى ذروة الألم في تجربتنا، لكننا ومع كل انكشاف لمذبحة، نبدأ من جديد، وكأننا نعيش الحكاية لأول مرة!

أليس هذا أكبر الأدلة على أننا لم نخرج أصلاً من حالة الصدمة؟

نحتاج وفق أساليب العلاج إلى فرصة لأن نصرخ، طالما أننا لا نميل إلى العنف، ونرفضه، وإذا استطاع واحد من قومنا أن يفعل ذلك، هل نلومه؟

أليس التقريع الذي تعرض له الشغري هو شكل من أشكال لوم الضحية؟!

لنترك كينونة الرجل، فهي ليست شأناً عاماً، ودعكم من التشكيك بممارساته، وحتى أفعاله في المحيط الذي يعيش فيه، ولننظر إلى القصة من فرضية بسيطة هي حصول أي شخص غاضب على فرصته في التعبير عما يخالج نفسه، ولنسأل: ألم يقل بوضوح ما يفكر به الغاضبون؟!