اللجنة الدستورية لعبة الشاطر بوتين

تاريخ النشر: 30.01.2021 | 00:03 دمشق

اجتمعت اللجنة الدستورية للمرة الأولى في تشرين الأول 2019، ومنذ ذلك الحين عقدت خمس جولات تحت إشراف الأمم المتحدة، وكان الهدف المعلن هو كتابة دستور جديد تجري على أساسه الانتخابات الرئاسية في الصيف المقبل، وفق قرار مجلس الأمن 2254 الذي نص على إقامة هيئة حكم انتقالية، إلا أن اللجنة بقيت تراوح في مكانها ولم تتوصل إلى اتفاق بين مكوناتها الثلاثة، المعارضة والنظام والمجتمع المدني. حتى إنها لم تحقق الحد الأدنى من التفاهم الذي كانت تطمح إليه الأمم المتحدة من أجل وضع أساس لكتابة الدستور الجديد.

أعلن ممثل الأمم المتحدة غير بيدرسون، صراحة، عن تعثر هذا المسار، وتحدث بلا مواربة عن عدم تعاون وفد النظام في هذه الجولة

ويتفق الجميع على أمر أساسي وهو أن التعطيل حتى الآن من فعل النظام، ويتم ذلك وفق تكتيك سياسي مدروس يخفف من عبء المسؤولية، ولذلك انتظرت المعارضة والأمم المتحدة كل هذه الفترة، على أمل أن توعز روسيا للنظام كي يتوقف عن سياسة التعطيل وإضاعة الوقت، ويقبل احترام جدول الأعمال المتفق عليه، إلا أن موسكو خيبت كل الرهانات، واستمرت في سلوك الاستهتار بالأطراف كافة.

وفي ختام الجولة الخامسة مساء أمس، التاسع والعشرين من كانون الثاني أعلن ممثل الأمم المتحدة غير بيدرسون، صراحة، عن تعثر هذا المسار، وتحدث بلا مواربة عن عدم تعاون وفد النظام في هذه الجولة، وبدلا من تعليق عمل اللجنة وجد مخرجا في تغيير النهج وإيجاد آلية جديدة كي تستمر اللجنة في عملها، وترك لوفدي المعارضة والنظام أن يتفقا على ذلك. ويبدو أن الدول الثلاث روسيا، وإيران، وتركيا الراعية للشأن السوري تدخلت كي تبقي على المسرحية، وحولت الملف إلى اجتماع أطراف أستانة في سوتشي في السادس عشر من شباط. وبذلك يتم تدوير ما شهدته الجولات الخمس من فشل وتبريد القضية من جديد، وربما البحث عن صيغة جديدة للضحك على ذقون السوريين. ولا يحتاج الأمر إلى تنجيم حتى يستنتج المرء أن الخاسر الأكبر من الدوران في الحلقة المفرغة هو الشعب السوري، والذي يتحمل عبء سداد فواتير تعطيل الوصول إلى حل سياسي. وصار واضحا أن مشاركة المعارضة في هذه المسرحية لا يتجاوز إثبات حسن النوايا وتثبيت الحضور الذي لا يقدم ولا يؤخر، في حين تتحكم موسكو بقانون هذه اللعبة من الألف إلى الياء. والتي تتلخص في إيعاز روسيا للنظام في بداية كل جلسة بممارسة التشدد وإضاعة الوقت حتى اليوم الأخير من الجولة، ومن ثم تخلط الأوراق لتضرب موعدا جديدا تعلق عليه آمالا خادعة، وهكذا حتى إشعار آخر.

يتعامل بوتين مع سوريا على أنها محمية روسية لا ينازعه فيها أحد، وسيبقى الحل السياسي معلقا حتى يتمكن من استكمال خطته التي تهدف إلى استعادة السيطرة على الجغرافيا السورية كاملة

لا يبالي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأحد في العالم حين يتعلق الأمر بسوريا. يفعل ما يحلو له وفق مصلحة بلاده، وعلى أساس حسابات خاصة. لا يخجل من الاعتراف بهذه الحقيقة. وحين تحدث مؤخرا عن التدخل الروسي في أيلول 2015 قال بصراحة أنه كان يسترشد أولاً وقبل كل شيء، "ليس بتعاطفه مع الشعب السوري وكراهيته للإرهاب، بل أيضاً بمصالح الدولة الروسية". وعندما أرسل جيشه لنجدة بشار الأسد، فإنه لم يأخذ موافقة أحد، لا الأمم المتحدة ولا الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة، بل تصرف وحيدا كي يمنع سقوط دمشق بيد من وصفهم وزير الخارجية سيرغي لا فروف بـ "الإرهابيين".

ومنذ ذلك الوقت يتعامل بوتين مع سوريا على أنها محمية روسية لا ينازعه فيها أحد، وسيبقى الحل السياسي معلقا حتى يتمكن من استكمال خطته التي تهدف إلى استعادة السيطرة على الجغرافيا السورية كاملة، وإعادة تأهيل الأسد حاكما عليها بعد أن كبله الرئيس الروسي بسلسلة من الاتفاقات السياسية والاقتصادية والأمنية إلى نحو نصف قرن على الأقل. وعلى هذا الأساس يأتي كل ما يصدر عن روسيا من مواقف وردود فعل سياسية وعسكرية واقتصادية، وانطلاقا من هذه القاعدة وحدها يمكن تفسير دوران اللجنة الدستورية في حلقة مفرغة منذ كانون الثاني 2018 عندما فرضتها موسكو كمسار سياسي بديلا عن مسار جنيف الأممي.