الإذلال عقيدة النظام وصورته

تاريخ النشر: 25.03.2018 | 08:03 دمشق

لا تبدو المشاهد التي تداولها السوريون في اليومين الأخيرين، والتي تظهر قيام المدعو محمد قبنض بإذلال المدنيين الخارجين من الغوطة الشرقية، وطلبه منهم الهتاف لرأس النظام مقابل حصولهم على الطعام والشراب، بعيدة عن السياق الذي تأسست عليه وفيه علاقة السوريين بالنظام الذي حكمهم طيلة عقود.

الفداحة في الصور أن هذا يحدث بعد سبع سنوات هي عمر الثورة السورية، التي كان شعار الكرامة واحداً من أبرز خطاباتها. لقد طالب الثائرون بالكرامة لجميع السوريين، وهاهو التماس الأولي بين من كانوا يعيشون تحت الحصار، متمتعين بحرية وكرامة، وبين النظام الذي كان يحاصرهم يفضي عن مشهد إذلال، لم يستفز فقط أولئك الذين ثاروا فحسب، بل حتى أولئك الذين يعتبرون أنفسهم تياراً ثالثاً! ولهذا وجدنا كثيرين يعبّرون عن امتعاضهم مما جرى، ولكن السؤال الحقيقي الذي تم تداوله على هامش الامتعاض والاستياء، كان يقول: ماذا تتوقعون من النظام؟!

لقد ثار السوريون ضد نظام يحكمهم منذ عقود، ولم يتمكنوا حتى اللحظة من تغييره، فلماذا يتوقع البعض أنه سيتعامل معهم بطريقة أفضل؟ إنه نظام المذلة، الكلمة التي اقترنت بعبارة الموت، في الشعار الشهير "الموت ولا المذلة"، ولكن هنا حصل الموت وجاءت من بعده المذلة، بالتساوق الكامل بين بقاء الأسد مع حرق البلد!! وعليه فإن الجرعة التي كان السوري يحصل عليها باعتياد، سيعود لتناولها هنا دون أن ينقص منها أي مفردة أو جزء، لقد كان النظام منذ البداية هو نظام الإذلال.

التأسيس للذل يبدأ وبحسب العقيدة التي يعتنقها سدنة النظام والعاملون فيه، منذ صفوف المدرسة الأولى، حيث يتم كسر ذات الطفل السوري وتحطيمها، وربط حصوله على حاجياته، بالإذعان والرضوخ، فالطلائع ومن بعدها الفتوة العسكرية مرحلتان تم تأسيس منظمتين من أجل تأطير العقيدة البعثية ظاهراً، والتي لا تعني سوى مفردات إذلال السوري باطناً، فأصبحَ لباس الأطفال والفتيان ذكوراً وإناثاً، مرتبطاً باللون الكاكي، كما تم ربط طول الشعر وقصره بالزجر والقسوة، فيتذكر الجميع كيف كان يتم قص الشعر الطويل للطلبة الذين يحاولون التمرد، وكيف يُرغمون على الزحف على الأرض، وغير ذلك من التفاصيل.

لا يمكن تخيل قيام نظام الأسد بالتعاطي مع الشعب السوري خارج عقيدة استعباد السوريين

المراحل اللاحقة من عمر السوري، متخمة بملامح الإذلال، فكل شيء في الدولة يحتاج إلى موافقات وإلى واسطات، وحتى حينما يقدم السوري على دفع الأتاوات للوسطاء الذين يقدمون خدمة تيسير المعاملات، فإن العملية لا تعدو كونها تخفيفا على المرء من إذلال إضافي، سيتعرض له وهو يرغب بالحصول على حقه الطبيعي! ولعل الصورة الأكثر وضوحاً لما يكتنهه مفهوم الذل في نسخته السورية المتفردة، تظهر فعلياً في السجون والمعتقلات، فحيث يتم وضع الأيدي بالأصفاد، لا يمكن للحاجات الأولية المطلوبة للاستمرار في الحياة، أن تصل للمعتقل دون إذلاله، الخروج لقضاء الحاجة، مثله مثل الطعام، يتم من خلال طقس الإذلال ذاته، فالضرب واللطم والشتم هي مفردات الطقس بين الجدران المغلقة، وبحسب سلسلة الإجراءات هذه يجب أن يمر السجين بها من أجل يستمر في الحياة، لتصبح المعادلة هي الحياة مقابل الخضوع المقترن بالإذلال، وبالقياس فإن ما فعله المدعو قبنض إنما هو إعادة إنتاج للعلاقة ذاتها، فالطعام و الشراب كمفردات لاستمرار العيش يجب أن يقترنا بالخضوع المذل لبشار الأسد ونظامه من خلال الهتاف باسمه بعد أن كان الشعار خارج سيطرة النظام هو "الموت ولا المذلة"!

لا يمكن تخيل قيام نظام الأسد بالتعاطي مع الشعب السوري خارج عقيدة استعباد السوريين، والتي تبنى على جعل الجميع أذلاء! إنه لا يرى في السوريين سوى خدم أو عبيد، عليهم أن يكونوا في حظيرته، لا خارجها. وحتى إن فعلوا فإنه يترقب موعداً ليعيدهم إليها، وإن لساعات معدودة، فأي علاقة مع مؤسساته في الخارج كما في الداخل تقتضي أن يتم إحضار السوري كصاحب حاجة طبيعية إلى مخفره الدبلوماسي، ليتم إبقاؤه منتظراً عدة ساعات، ولتجري إعادة العملية عدة مرات قبل أن يحصل السوري على حاجته، والتي تكون على الأغلب وثيقة ضرورية من مثل جواز السفر أو إخراج القيد وغير ذلك.

رسالة النظام التي يتفانى واحدٌ من أعضاء مجلس الشعب الذليل في إيصالها، لا تختلف عن واقع حال النظام ذاته، فهو ذليل أيضاً، فحين يساق رأسه الأعلى إلى مصيره الراهن، حيث يرتبط بقاؤه في منصبه، بالانبطاح أمام داعميه الإيرانيين أو الروس، فإن سيرورة إنتاج الذل تتعدى واقع السوريين الخاضعين لحكمه، لتصبح تعبيراً عن بنيته الكلية، في حالة قلما توجد صافية وواضحة دون شوائب في مكان آخر من العالم!