icon
التغطية الحية

إدلب تصغر بعين الجولاني.. هل نشهد صراعاً بين قطبين في سوريا؟

2022.09.10 | 16:25 دمشق

أبو محمد الجولاني خلال حفل تخريج الضباط (تلغرام)
"أبو محمد الجولاني"، زعيم "هيئة تحرير الشام" في شمال غربي سوريا
+A
حجم الخط
-A

متوسطاً عدة مسؤولين وقادة عسكريين في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، أشرف قائد "هيئة تحرير الشام" أبو محمد الجولاني، على تخريج الدفعة الأولى من الكلية العسكرية التابعة لـ"حكومة الإنقاذ".

وكانت قوام الدفعة الأولى 400 ضابط من أفراد "الهيئة" و"حركة أحرار الشام" وجيش النصر" و"جيش العزة" و"الحزب الإسلامي التركستاني"، ليفتتح بذلك فصلاً جديداً من سياسته الرامية إلى خلق "كيان سنّي"، أو دولة مصغرة تتسم بميزات متعددة، على المستويات العسكرية والأمنية والاقتصادية والعمرانية والمدنيّة.

لم يكن تحقيق الإنجاز الأول بالنسبة للهيئة على مستوى الكلية العسكرية، بعد نحو عام ونصف من تشكيلها، سوى حلقة واحدة من سلسلة تغيّرات طرأت على هيكليتها وسياستها، خلال العام المنصرم على أقل تقدير، بدءاً من استنساخ مؤسسات "الدولة السورية"، وانتهاءً بفتح الباب مشرّعاً أمام أبناء الطوائف والديانات مختلفة، لا سيما الدرزية والمسيحية للعودة إلى مناطقهم في إدلب وما حولها، مع ضمان عدم المساس بهم وحفظ سلامتهم.

فما الذي يدفع "الجولاني" لاتخاذ هذه الخطوات؟ وما النتائج المرجوة منها على المدى البعيد؟

أسس "الدولة المصغرة"

بدأ "الجولاني" بالكشف عن ملامح مشروعه الاستراتيجي، في شهر تموز الماضي، عبر سلسلة لقاءات مع وجهاء إدلب وما حولها، إذ قال إن المشروع في "المحرّر" لم يعد مشروع ثورة ضد ظلم وطغيان فقط، إنما تحوّل إلى بناء "كيان سنّي"، لأن أبناء السنة معرّضون لخطر وجودي في سوريا.

وأضاف أن "العسكرة" هي "السور الذي يحمي المنطقة"، لكن فكرة الثورة كذلك ليست عسكرية فحسب، وأن اقتصار الثورة على أنها عسكرية أو أمنية يعد توصيفاً خاطئاً للواقع، لأن الهدف بناء مجتمع وكيان إسلامي سني يحافظ على هوية وتراث الشعب ويتناسب مع طبيعته وتاريخه.

يرى قائد الهيئة أن مهمتهم لا تقتصر على تحرير منطقة وإدارتها، قائلاً: إنه خلال فترة الاستقرار النسبي في العامين الماضيين، تم العمل على أشياء كثيرة كالمؤسسات التعليمية والشرطية والأمنية والعسكرية والقضائية، واصفاً إدلب بـ"منارة للعلم والمعرفة"، وأنها أصبحت بنية تحتية لتنمية اقتصادية وبشرية، ورغم كل الضغط الذي يحصل عليها، إلا أنها "بحجم الصراع في سوريا، فاقت مناطق سيطرة النظام، و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، ومناطق غصن الزيتون ودرع الفرات التي يسيطر عليها الجيش الوطني السوري، مع كل الدعم المقدم لها"،بحسب الجولاني.

تبذل "هيئة تحرير الشام" جهوداً لوضع أسس الكيان الذي تحدّث عنه قائدها، لينتهي به الأمر بـ"دولة مصغرة"، فيها ما يمكّن الدولة عادةً من قبضة عسكرية وأمنية، وحكومة خدمية مدنية، مع وجود عوائق تتمثل ببقاء الهيئة على قوائم الإرهاب، والعقلية التي ما تزال متجذرة إلى حد ما في الفصيل القائم على رفض الرأي المخالف وتكميم الأفواه.

ويمكن سرد بعض الخطوات التي عملت عليها للوصول إلى هدفها المنشود، لعل أبرزها:

  • تشكيل "حكومة الإنقاذ" وحصر العمل الخدمي المدني بها.
  • تشكيل "جهاز الأمن العام".
  • تشكيل شرطة بكل أنواعها.
  • تشكيل غرفة عمليات عسكرية، ثم مجلس عسكري، وحصر العمل العسكري عبره.
  • البدء بتشييد مدينة صناعية.
  • تشكيل مجلس الشورى العام.
  • تشكيل المجلس الأعلى للإفتاء.
  • تشكيل إدارة الشؤون السياسية.
  • استقطاب عناصر الفصائل الأخرى.
  • الإشراف على كتائب تعمل تحت أسماء مستقلة.

اقرأ أيضاً.. ما رسائل العرض العسكري لتخريج ضباط من الكلية العسكرية في إدلب؟

"إدلب تصغر بعين الجولاني"

ألمح الجولاني، خلال الأسابيع الماضية، إلى أن الأمل ما زال موجوداً في استرداد سوريا بأكملها من نظام الأسد، و"تحرير" محافظات مثل دمشق وحلب وحماة واللاذقية، كما ذكر أن الخطة الاستراتيجية بالنسبة لهم موجودة ومعالمها واضحة، والواجب الأول هو أن "تتحرر سوريا بأكملها، فكرة البقاء في منطقة واحدة هنا، هذه فكرة يجب ألا نستسلم إليها، حتى لو واجهنا كل دول العالم وكل مشاريع العالم".

من وجهة نظر قائد الهيئة، الخطة العسكرية الاستراتيجية هي "تحرير كامل سوريا"، وذلك له خطوات وشيء من الإعداد، ويحتاج إلى فرصة سانحة، والظروف العامة في "المحرّر" أو الدولية والمحلية والإقليمية تدفع باتجاه أن هناك فرصة كبيرة ستأتي على المنطقة للتحرير العسكري، بحسب وصفه.

حديث الجولاني عن مشروع بناء كيان سنّي، فسّره مراقبون بأنه يحمل في طياته أن الأمور قد استتبت له، وأنه يسيطر على إدلب سيطرة كاملة، وأنه لم يعد منشغلاً بتوسيع المنطقة، بقدر ما هو منشغل في البناء حالياً، في حين أكّد آخرون أن الجولاني مهووس بالتمدّد وتوسيع نطاق نفوذه، سواء باتجاه مناطق سيطرة الجيش الوطني أو النظام، كون تجارب الهيئة أثبتت أنها الأجدر بالقيادة والإدارة، وفق ما يعتقد صناع القرار فيها.

وتحت عنوان "إدلب تضيق بطموحات الجولاني"، كتب الباحث والكاتب مهند الحاج علي، في صحيفة "المدن" أن الأحداث في مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" شمال غربي سوريا كانت لافتة خلال الأسابيع الماضية، إن كان لجهة التحولات داخل التنظيم، أو أنشطة مكافحة الإرهاب، مبيناً أن هدفها النهائي رفع اسم الهيئة عن قوائم الإرهاب، وكذلك تبدو طموحات الجولاني تضيق أكثر فأكثر بالرقعة الجغرافية التي تُسيطر عليها الهيئة.

وتحدّث الكاتب عن مؤشرات لضيق الجولاني بالرقعة الجغرافية التي يُسيطر عليها، والتي كانت مسرحاً تجريبياً وقاعدة انطلاق لمشروع إن قيد له بعض النجاح السياسي مع رفع اسم الهيئة عن القائمة الأميركية للمنظمات الإرهابية، قد يصير الفصيل الأوحد في الشمال السوري، ليُحاول بعدها استعادة بعض مناطق سيطرة النظام ومنازعته عليها.

صراع بين قطبين

يعتقد الباحث مهند الحاج علي، أنَّ المرحلة المقبلة ستشهد صراعاً بين "هيئة تحرير الشام" والنظام السوري، خاصة أن الجولاني يحاول استنساخ مؤسسات الدولة في إدلب، ويريد التوسع -كما أعلن- باتجاه مناطق سيطرة النظام، مضيفاً: "يبدو أن لديه ثقة -لا أعلم إن كان مبالغاً فيها أم أنها بمحلها- بالقدرة على التوسع، وهذا سيعتمد على الرؤية التركية، وعلى قدرات النظام، الذي يبدو أنه ضعيف ولديه أزمات اقتصادية خانقة.

والسؤال الأهم - وفق "الحاج علي" - ما أولوية الجولاني؟ التوسع باتجاه مناطق سيطرة النظام، أم استقطاب المزيد من العناصر وفرط عقد الجيش الوطني، والتوسع باتجاه غصن الزيتون أو درع الفرات؟".

الباحث رأى في حديث مع موقع تلفزيون سوريا أن الأولوية هي التوسّع باتجاه شمالي حلب، كما لا يوجد مانع من الجمع بين هدفين، والتوسّع نحو مناطق سيطرة النظام قليلاً، ولكن هذا الخيار سيكون أكبر ثمناً بسبب استئناف القصف بشكل عنيف على إدلب.

وتابع: "خيارات تركيا تضيق، الجيش الوطني لم يثبت أهليته، وإذا كان الجولاني كفالة لضمان الأمن القومي التركي بكلفة أقل بالنسبة للخزينة التركية، الأرجح حينها سيكون هناك توجه لسيطرة الجولاني على مناطق نفوذ الجيش الوطني، كونه يملك منظومة وآلية متكاملة، وهذا يعني نسف مؤسسات المعارضة السورية، أو تحييدها، بالتالي الانتقال إلى ثنائية الصراع بين الجولاني ومشروعه من جهة، والنظام من جهة، في حين أن (قسد) عالقة في المنتصف، ولا يوجد رغبة في إدخالها بشكل جدي بأي مفاوضات سياسية، كما أن منح الحكم الذاتي لها يبدو مستبعداً في مستقبل الحل السياسي بسوريا".

واستبعد مصدران من المعارضة السورية أحدهما عسكري وآخر سياسي، أن يعيد "الجولاني" تجربة اقتحام مناطق سيطرة الجيش الوطني، لأنّ المحاولة الماضية واجهتها تركيا بشكل حاسم، وصدر حينها قرار من القيادة العليا لـ جهاز المخابرات التركي بالتحرّك سريعاً لإيقاف "هيئة تحرير الشام" وإعادتها إلى مناطق سيطرتها.

وفسّر المصدران لـ موقع تلفزيون سوريا، أنّ العقوبات التي لحقت بـ"حركة أحرار الشام" في إدلب بقيادة حسن صوفان، كانت نتيجة الهجوم على ريف عفرين شمال غربي حلب، وإشراك "الهيئة" في ذلك.

قوة منافسة محاطة بفوضى فصائلية

أبدت "هيئة تحرير الشام" مؤخّراً رغبة واضحة بالتوسع في ريف حلب الشمالي، مستغلة الخلاف بين الفيلق الثالث في الجيش الوطني، و"حركة أحرار الشام"، ويرى الباحث المتخصص في الحركات الدينية عبد الرحمن الحاج، أن الجولاني يطمح لأن يكون له الشمال بالكامل، أي السيطرة على مناطق الجيش الوطني، لكنه غير قادر على فعل ذلك تنظيمياً، إذ ليست لديه القوة الكافية لإدارة هذه المناطق والسيطرة عليها، كما أنه من غير المسموح بذلك من قبل دول إقليمية، لكن قد يحدث ذلك يوماً ما بالفعل.

ويؤكد الحاج في حديث مع موقع تلفزيون سوريا، أن هناك قوة أخرى منافسة للهيئة في الشمال السوري، ولكنها أقل قدرة تنظيمياً ولا تمتلك السلطة المركزية نفسها، وهي "الجبهة الشامية" (الفيلق الثالث)، التي تملك بعض الاستقلال مقارنة بالفصائل السورية الأخرى المنضوية في الجيش الوطني، ولكنها محاطة بفوضى فصائلية كبيرة ما يقلّل من قدراتها للتحول إلى قوة مركزية مماثلة، مضيفاً "هاتان القوتان هما ربما الطرفان المرشحان ليبقيا في مواجهة النظام والصراع معه في حال حدثت مصالحة تركية مع النظام".

ويفسر الباحث، التطوير الذي تشهده "هيئة تحرير الشام" بأنه ناشئ بناء على أسباب متعددة أبرزها: شعور الهيئة بأنها غير مهددة من قوى إقليمية، بل أنها أصبحت مصلحة دولية، وتملك علاقات مع كل الأطراف الداعمة للمعارضة السورية، ولأنها "تخطط بشكل استراتيجي وتمتلك قدراً من الاستقلال وتخطط للمستقبل، بينما يحاول أبو محمد الجولاني رسم دور الفصيل كقوة أمر واقع لا مفر من التعامل معها"، مشيراً إلى أن الخطر الأكبر على الهيئة في الواقع هو هجوم روسي مع قوات النظام، وهذا ما يعدّ له الجولاني العدة.

من جهته يعتقد الباحث في الشأن السوري محمد السكري، أن "تحرير الشام" تعمل بشكل جدي على استنساخ نموذج "الإدارة الذاتية"، بحيث تنفصل بشكل كامل عن روابطها مع المعارضة السورية المعتدلة، أي الجيش الوطني السوري، لأجل أن تصبح سلطة أمر واقع رابعة ذات نظام سياسي مستقل وأهداف وغايات مختلفة.

ولم ترغب "تحرير الشام" في إنهاء فصائل عسكرية سوريّة بإدلب بشكل كامل، لإثبات التنوّع في المنطقة في إطار "سياسات الانفتاح"، ويضيف "السكري" في حديثه لـ موقع تلفزيون سوريا، أن استخدام "الهيئة" لبعض فصائل "الجبهة الوطنية للتحرير"، يندرج في إطار الاستثمار السياسي أكثر منه الشراكة، كما يُصوّر، وفي التوقيت ذاته فإنّ هذا الخلط يساعد أنقرة في تقديم نموذج مركّب يسحب من روسيا كرت الاستثمار في التنظيمات الجهادية، وقد لا تكون أنقرة راضية بشكل كامل عن الأمر، لكن بلا شك تعتبر ذلك مرحلة "ضمن إدارة الوقت والنزاع"، وفقاً للباحث.