أطباء سوريون يعلمون مسعفين أوكرانيين كيف يستعدون للهجمات الكيماوية

أطباء سوريون يعلمون مسعفين أوكرانيين كيف يستعدون للهجمات الكيماوية

مسعفان ينقلان جندياً أوكرانياً جريحاً إلى أحد المشافي في كييف 24 آذار 2022
مسعفان ينقلان جندياً أوكرانياً جريحاً إلى أحد المشافي في كييف 24 آذار 2022 ـ تايم

تاريخ النشر: 31.03.2022 | 17:27 دمشق

تايم - ترجمة: ربى خدام الجامع

بعد مرور بضعة أيام على الغزو الروسي لأوكرانيا وصلت لكاتبة هذه المقالة واسمها أولغا توكاريوك، رسالة غير مألوفة على تويتر، قدم فيها شاب سوري نفسه باسم مصطفى كيالي، حيث كتب ليقول: "نحن مجموعة من الأطباء المتخصصين بالإسعافات الأولية والصدمات والطبابة في زمن الحرب، وقد عانينا من اعتداء القوات الروسية طوال السنوات الثماني الماضية، ودربنا أشخاصاً على كيفية التعامل مع الحالات المستعجلة، وعلى أساليب لإنقاذ حياتهم، لذا نود أن نساعد أوكرانيا وشعبها"، كما أوضح هذا الشاب أن الأطباء السوريين يتمتعون بخبرة فريدة في مجال التعامل مع ضحايا الهجمات بالأسلحة الكيماوية، بما أنها استخدمت مرات عديدة ضد المدنيين في سوريا من قبل جيش الديكتاتور بشار الأسد والقوات الروسية التي تدعمه.

نقلت الصحفية رسالة مصطفى لمعارف لديها، وبعد أسبوعين على ذلك أبلغوها بعقد أول جلسة تدريب لمسعفين أوكرانيين على يد أطباء سوريين، وأتت بعد تلك الجلسة جلسات أخرى كثيرة، إذ حتى الآن تم تدريب قرابة ألف طبيب أوكراني على يد مسعفين سوريين متخصصين بطرق التعامل مع المصابين الذين تعرضوا للأسلحة الكيماوية أو البيولوجية. وقد أجرى الدكتور عبد الله عبد العزيز الحاجي تلك الجلسات التدريبية، وهو طبيب مختص بالجراحة العامة، ورئيس أكاديمية العلوم الصحية التي تأسست في عام 2011 بعد بدء الحرب في سوريا وذلك لتقديم التدريب الطبي للأطباء المحليين والمدنيين، وحالياً تدير تلك الأكاديمية برامج متخصصة في الإسعاف والتمريض والعلاج الفيزيائي.

يشرح لنا هذا الطبيب ما حدث، فيقول: "عندما أخذ النظام السوري يشن هجماته على الشعب، عانينا من نقص في اللوازم الطبية، كما تعرض كثير من الأطباء للاعتقال والقتل، أو هربوا من سوريا، ولهذا أسسنا أكاديميتنا التي اعتمدت على دورات قصيرة مدتها 15 يوماً، تعمل على تقديم تدريب حول الاستجابة الأولى عند حدوث صدمة، إذ لم يكن في سوريا مسعفون أو مختصون بالحالات الطارئة قبل ذلك، ولكن بمرور الوقت، أصبحت آلة الحرب لدى الأسد أشد عدوانية، حيث زادت الغارات والصواريخ وعمليات القصف، ومع امتداد أمد الحرب، زاد عدد الأمور التي قمنا بها، فقد تعرض الشعب السوري للأسلحة الكيماوية، ولهذا دربنا طلابنا وعلمناهم كيفية التعامل مع أنواع مختلفة من الإصابات".

تنقلت الأكاديمية مرات عديدة بسبب تعرض مقرها للتدمير من جراء الغارات الروسية، ليستقر بها المقام في إدلب، على مقربة من الحدود التركية حيث تسيطر قوات تابعة للمعارضة على تلك المنطقة في الوقت الراهن، وعن ذلك يحدثنا مصطفى كيالي، نائب رئيس أكاديمية العلوم الصحية، فيقول: "تابعنا الوضع في أوكرانيا على مدار شهور عديدة، وهذا ما دفعنا للتفكير بضرورة مساعدة الأطباء هناك، فقد درس الكثير من زملائنا في أوكرانيا وعملوا فيها، ونحن نعرف بأنها دولة محبة وودودة... لذا يسعدنا أن نمد يد العون، لأن الشعبين السوري والأوكراني يصارع العدو ذاته".

كانت الخبرة التي اكتسبها المسعفون السوريون خلال تعاملهم مع المصابين الذين تعرضوا للأسلحة الكيماوية هي ما لفت نظر الأطباء الأوكرانيين إليهم، إذ في الوقت الذي حذر فيه حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة من احتمال استخدام روسيا للأسلحة المحرمة في أوكرانيا، زاد الإحساس بالحاجة الماسة للاستعداد لمواجهة تلك الحالة.

تخبرنا ملادينا كاتشوريتس وهي النائب السابق لوزير الصحة في أوكرانيا، ومديرة قسم تطوير وتعليم الموظفين في دوبروبوت، أحد أكبر المستوصفات الخاصة في كييف، عما جرى فتقول: "عندما شرعت روسيا بقصف المدنيين والمناطق السكنية في أوكرانيا، فقدنا كل أمل أو وهم بأنها يمكن أن تكف عن ذلك أو أنها قد تتصرف ضمن إطار القانون الإنساني الدولي"، وهذا ما دفع تلك الطبيبة للرد على الفور والاستجابة لفكرة الأطباء السوريين، إذ تقول عنها: "أدركنا أنه ينبغي علينا أن نستعد لما هو أسوأ، وأن نكون جاهزين وألا نتجاهل التهديد بالهجوم بالأسلحة الكيماوية". وبعد جلسة تقديمية ناجحة ضمت عدداً قليلاً من الأطباء الأوكرانيين والسوريين أجريت عبر رابط فيديو، تم تحديد مواعيد لأربع محاضرات عبر الإ نترنت، فكانت تلك المحاضرات مفتوحة أمام كل العاملين في المجال الطبي في أوكرانيا، وقد ألقيت المحاضرتان، الأولى والثانية، قبل عشرة أيام من اليوم.

وعن تلك التجربة تخبرنا ملادينا، فتقول: "كان هنالك اهتمام كبير بتلك المحاضرات، من قبل الأطباء والممرضين على حد سواء، إذ قمنا بالإعلان عن تلك الجلسات التدريبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فعبّر أكثر من 13 ألف شخص عن اهتمامهم بالموضوع، وهكذا انضم عاملون في المجال الطبي من مختلف أرجاء أوكرانيا، بينهم كوادر تعمل في المشافي ضمن المناطق التي دمرتها الحرب، للمشاركة في تلك المحاضرات عبر الإنترنت... ثم نشرنا روابط تسجيل تلك الجلسات على فيس بوك ويوتيوب حتى يتسنى لكل من لم يتمكنوا من الحضور بصورة حية مشاهدة تلك الجلسات لاحقاً. واليوم نقوم بإعداد الترجمة للغة الأوكرانية حتى نضمن وصول تلك المحاضرات لكل طبيب وممرض في أوكرانيا"، فقد حظيت تلك التسجيلات حتى الآن بمشاهدات فاقت 30 ألف مشاهدة، ويجري التخطيط حالياً لإجراء المزيد من الجلسات التي تتضمن محاضرات موجهة لعموم الشعب الأوكراني.

تعيش الطبيبة يوليا شوكلينا، وهي رئيسة قسم طب الأذن والحنجرة في أحد المشافي الكبيرة بكييف، في أحد المباني التابعة للمشفى إلى جانب المئات من زملائها، منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث تعمل على معالجة الجرحى ومن لديه مرض مزمن ليلاً ونهاراً، وقد تحدثت تلك الطبيبة عبر مكالمة فيديو أجريت معها خلال فترة استراحتها القصيرة بين معالجة المرضى، وسماع دوي صفارات الإنذار لتعلن عن اقتراب غارة جوية جديدة على كييف، ما أدى لانقطاع المكالمة معها، فقالت في تلك المكالمة: "لقد غيرتنا الحرب جميعاً، إذ خلال الأيام الأولى للحرب، كنت في غاية التشوش والتخبط، مع أني أتمتع بخبرة تصل لستة وعشرين عاماً في مجال الجراحة بتخصص الأذن والحنجرة، لكن لم يسبق لي أن عملت في مجال تصنيف المرضى ومعالجة مصابي الحرب. ولهذا صرنا ندرس ونشاهد كثيرا من المحاضرات في هذه الأيام... إذ درست طريقة الاستجابة عند وقوع هجوم بالأسلحة الكيماوية عندما كنت في الجامعة، ولكني نسيت كل ذلك لأني لم أفكر في يوم من الأيام بأني سأقوم بتطبيق تلك الإجراءات.

وخلال الجلسة التي أجريت مع أطباء سوريين، تعلمت طريقة تحديد نوع السموم المستخدمة وكيفية تقديم المساعدة طبقاً لذلك، وذلك لأن الوضع هنا يختلف تمام الاختلاف عن الإصابة العادية، حيث يمكنك أن تقرر حجم الإصابة من خلال النظر إليها، لكن هذا لا ينطبق على ضحايا الهجوم بالأسلحة الكيماوية، لأنك لن تتمكن من تقييم الضرر بالعين المجردة مع هذه الحالة. ولهذا فإننا نقدر للأطباء السوريين مشاركتهم إيانا بتلك الخبرة الفريدة، كما أنني لم أعد أشعر بالذعر عندما أسمع عن احتمال وقوع هجوم بالأسلحة الكيماوية، وذلك لأنه أصبح لدي نظام كامل حول كيفية التصرف في تلك الحالة، إذ بت أعرف اليوم بأنني لن أحس بأي تشوش أو تخبط، ولن أكون عبئاً على أحد، بل سأمد يد العون لغيري، لكني أتمنى أن تظل كل تلك المعارف نظرية".

وبعد تلك الجلسات، توجهت الدكتورة يوليا إلى إدارة المشفى وطلبت منهم أن يأتوا بأنواع من الترياق والتي تختلف باختلاف السلاح المستخدم في الهجمة، وعن ذلك تحدثنا الدكتورة ملادينا فتقول: "هنالك كثير من المساعدات الإنسانية، وبينها الطبية، التي تم تقديمها لأوكرانيا خلال هذه الأيام، إلا أن أطباءنا يركزون على ما يحتاجونه لمعالجة الجرحى الذين تعرضوا لصدمات متعددة، وأولئك الذين تعرضوا لإصابات بسبب الشظايا، أو من كسرت أطرافهم، إذ في القوائم التي أعدوها من أجل اللوازم الضرورية، لم أجد أي معدات للوقاية الشخصية من أجل الاستعداد لأي هجوم كيماوي، لذا أعتقد أنه من الواجب إضافتها إلى تلك القوائم، كما ينبغي تأمين مخزون من أنواع الترياق المختلفة التي تمنع انتشار السموم قبل وقوع أي هجمة".

ومن جانبه، يأمل مصطفى كيالي بتنظيم محاضرات حضورية للأطباء الأوكرانيين مستقبلاً، حيث يقول: "إن توفرَ أي مكان آمن في أوكرانيا، عندها يسعدنا أن نسافر إلى هناك لنقيم جلساتنا وجهاً لوجه". وفي هذه الأثناء، يوجه مصطفى رسالة لزملائه الأوكرانيين يقول لهم فيها: كونوا أقوياء ودربوا أكبر عدد ممكن من الناس على تقديم المساعدة الطبية، ويضيف قائلاً: "قد تستمر الحرب لفترة طويلة قد تمتد لسنوات، وهذا الشيء ندركه نحن السوريين تماماً، ولهذا السبب، علينا أن ندرب أكبر عدد ممكن من الأشخاص، بمن فيهم العامة، إذ يجب على الناس أن يتدربوا على معالجة المصابين بالأسلحة الكيماوية بل حتى النووية، وذلك لأننا نتعامل مع مجرمين ولهذا علينا أن نتوقع حدوث أي شيء".

 المصدر: تايم

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار