ثرثرة على هامش الخطاب البيني العربي.. سوريا مثالًا

2023.09.12 | 07:06 دمشق

ثرثرة على هامش الخطاب البيني العربي.. سوريا مثالًا
+A
حجم الخط
-A

رغم دموية المشهد في بعض دولها، أو قتامته في أغلبها، أو انفلاته كخروج ماردٍ من قمقم حُبس فيه كما مجتمعاتُها في البعض الآخر، تمرّ شعوب منطقتنا العربية بمنعرجٍ مهمٍّ جدًا في تاريخها المعاصر، يكادُ يشبه في بعض جوانبه، مع فارق الخصوم والتحديات، ما اصطُلح على تسميته عصر النهضة العربية نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. يلاحظ المرءُ كيف تعجّ الساحة الثقافية العربيّة راهنًا بحوارات وأبحاثٍ حول واقع العرب ودولهم، وتحت ضغط الآثار الهائلة لزلزال الربيع العربي الذي هزّ عروشًا ودكّ صروحًا كانت مثل الجبال جاثمة على الصدور، تجاوب المثقفون والبحّاثة وأصحابُ الفكر للتصدّي لهذا الاستحقاق. لعبت مراكز الأبحاث ضمن هذا السياق دورًا رياديًا على مستويات النخبة المثقفة، بينما أسهمت الصحافة ووسائل الإعلام المختلفة بقسطها أيضًا في مخاطبة الجمهور، في حين كان لوسائط التواصل الاجتماعي دورٌ نوعيٌّ فريدٌ فتحَ منابرَ غير معهودة لجميع الناس على اختلاف مستوياتهم.

يقول الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير: "إنّ كلّ وجود تاريخي للمجتمع يبرز عبر اللغة، واللغة هي مرآة الوضع الحضاري الذي يعيشه المجتمع، وكلّ انخراطٍ في الوجود يمرُّ عبر اللغة". وغادامير يماثلُ هنا بحسب تعبير الدكتورة ناجية الوريمي بين المجتمع ووجوده التاريخي من خلال لغته. بحسب هذا، ومن خلال الخطاب المستعمل بين الأفراد والقوى المتدافعة في المجتمع الواحد وبين المجتمعات المختلفة، يمكن إدراك القيم التي يحملها هؤلاء والتي تعبّر بدورها عن المستوى الحضاري الذي وصلته، والخطابُ يشي أيضًا بالتناقضات التي يعيش فيها الأفراد والمجتمعات، فكثيرًا ما كان هناك اغترابٌ بين المفاهيم المطروحة والأفكار المنشودة من جهة، وبين الآليات التي أنتجت المعرفة ذاتها والمنطق الذي استندت عليه للوصول إليها في هذا الخطاب من جهةٍ ثانية. سيكونُ هذا مدخلنا لمقاربة الخطاب السائد في الراهن من وقتنا في أغلب مجتمعاتنا العربية، وبالأخصّ منها المجتمع السوري.

أضاءت الدكتورة ناجية الوريمي في إحدى محاضراتها على بعض الإشكالات التي عاصرها المفكرون العرف قبل مئة عام فيما سُمّي لاحقًا عصر النهضة، ونقتبس بعضًا مما جادلت به وننقله بتصرّف لإيصال فكرتنا عن المقارنة بين ما سبق ومرّ به أجدادنا آنذاك وبين حالنا الراهن وما نمرّ به نحن الآن خاصّة على مستوى اللغة والخطاب.

نقل هذا الخطاب الناس تدريجيًا من خانة الرعايا إلى خانة المواطنين، ليس بالمعنى الراهن اليوم لمفهوم المواطنة القائمة على الحقوق والواجبات، ولكن بمعنى المشاركين بالشأن العام

"وجد روّادُ النهضة العربية مثل رفاعة الطهطاوي وأقرانه أنفسهم أمامَ تحدٍّ كبير في مواجهة المستعمر، فمن جهة كان عليهم التمسّك باللغة العربية تجاوبًا مع النديّة التي تقتضيها مقاومة الغزو الثقافي المرافق، ومن جهة ثانية كان عليهم التصدّي لمهمّة تحديث اللغة ذاتها تجاوبًا مع استحقاقات التفوّق المعرفي للمحتل الأوروبي. وعندما ينظر الباحثون الآن في الاستراتيجيات التي مارسها المثقفون العرب والقادة السياسيون للوصول إلى هدفهم، فإنّهم يجدون تطويرًا حقيقيًا للّغة المستخدمة. أثّر هذا الأمرُ في الناس، فقد كانوا مستهدفين بهذا الخطاب، فارتفعت أسهمهم وباتوا مشاركين بالفضاء العمومي بحكم الظروف التي تطلّبت استنهاض الهمم لمواجهة التحديات. نقل هذا الخطاب الناس تدريجيًا من خانة الرعايا إلى خانة المواطنين، ليس بالمعنى الراهن اليوم لمفهوم المواطنة القائمة على الحقوق والواجبات، ولكن بمعنى المشاركين بالشأن العام. انعكس هذا بطبيعة الحال على الأدوات المستعملة في الخطاب آنذاك، فأصبحت الصحافة باعتبارها منبر المثقفين للتواصل مع الجمهور أكثر حضورًا، وأصبح الساسة أيضًا مضطرين لمشاركة المحكومين ببعض شؤون الحكم، وإن كان الهدف ليس تطبيق الديمقراطية أو ترشيد الحكم بكل تأكيد، ولكن لاكتساب مزيدٍ من عناصر القوّة في مواجهة المستعمر. هكذا أصبح الخطاب ذاته سلطة مؤثّرة من حيث لا يدري أصحابه أو لا يريدون".

نعود للواقع السوري الراهن، فنجد رئيسًا ورث الجمهورية من أبيه يصفُ شعبًا ثار عليه بالجراثيم والمندسّين وعملاء المؤامرة الكونيّة، فيردُّ قادة الحراك الثوري بدايةً بخطابٍ أكثر وعيًا مدركين التحديّ الماثل أمامهم، فيتمسّكون بالوطن والدولة والسيادة ووحدة الشعب. كان خطاب "السوري العادي" وفق المفهوم الذي طوّره مضر الدبس في مشروعه "تأميم سوريا" واعيًا لضرورة خلق المثال بحكم النديّة التي يجب أن تكون حاضرة في معركة إسقاط نظام الاستبداد من جهة، كما كان مدركًا لضرورة الانفصال عن المنطق الذي أنتج خطاب النظام ذاته كي يُبطل سرديته للأحداث من جهة ثانية. هكذا كانت شعاراتُ "الشعب السوري واحد، وسوريّا لينا وما هي لبيت الأسد، ولا للعنف لا للطائفية لا للتدخّل الخارجي" خطابًا جديدًا ينسجم مع منطق توليد سوريا الجديدة التي لا بدّ وأن تقوم على قاعدة التشاركية، وبالتالي قبول الآخر الذي همّشه خطاب النظام خمسين عامًا، ثمّ قتله مع أول صرخة حرّية.

استعمل الثوّار الأوائل اللغة لخلق سلطة تنافس سلطة السلاح ونجحوا لمدّة عامٍ ونيّف، ثم اتحد بوجههم خطاب النظام مع خطاب أقرانهم ممن نبتوا في رحم الثورة لكنّهم أسهموا في خنقها بتبنّيهم المقدّمات التي استند عليها النظام في سرديّته

يندحر "الرئيسُ" ونظامُه أخلاقيًا أمام شبابٍ سلميين هبّوا رجالًا ونساءً لاسترداد كرامتهم، ورغم العنف المتصاعد صمد خطاب أولئك أشهرًا عديدة محافظًا على مناقبيّة أهله العالية سعيًا لوطنٍ حقيقي يكون من بعدهم وبهم، لا قبلهم ورغم حتوفهم. لكن كيف لهم أن يقفوا طويلًا في وجه شياطين الأرض ووحوشها إذ هبّت تنهش أحلامهم وأرواحهم قبل أجسادهم؟ هنا انحسر هذا الخطاب العقلاني من الشارع مع انكفاء "السوري العادي" عن التأثير الأوحد في المشهد، ونبت خطابٌ جديدٌ يقوم على النديّة مع خطاب النظام الدموي لكن ينساق في اللعبة معه. هكذا بدأ خطابُ التخوين والتطرّف والتكفير يسود الساحة، ليس فقط في مواجهة خطاب النظام، بل وفي مواجهة الخطاب العقلاني الذي ظهر أوّل سنة في الثورة قبل أن يصبح السلاحُ صاحب الكلمة الأوحد. ظهرت هنا سلطة الخطاب بأسطع شكل، استعمل الثوّار الأوائل اللغة لخلق سلطة تنافس سلطة السلاح ونجحوا لمدّة عامٍ ونيّف، ثم اتحد بوجههم خطاب النظام مع خطاب أقرانهم ممن نبتوا في رحم الثورة لكنّهم أسهموا في خنقها بتبنّيهم المقدّمات التي استند عليها النظام في سرديّته.

الآن، وفي الحراك الشعبي الجديد المتركّز في الجنوب، في سويداء القلب السوري، محاولة جديدة لإعادة الاعتبار لهذا الخطاب الوطني الجامع، محاولة واعيةٌ ومدركة لضرورة الامتثال لمقدّمات المعرفة التي أنتجتها الثورة وراكمتها نضالات السوريين والسوريات خلال سنيّ عمرها، ولضرورة البناء على منطقها الأول الباحث عن القبول بالآخر المختلف والمشاركة معه ضمن الوحدة السورية. والتحديات الشاخصة في الطريق هائلة، وأخطرها لا يأتي من جهة النظام الذي اندحر وخطابه، بل مع الأسف من جهة الثوار أنفسهم، فبشكل غير واعٍ ولا مبرر، لكنّه مفهوم ضمن سياق الظلم الفادح الذي وقع على أصحابه، بدأت قرون الغيرة تنبت، غيرة من أن "يقطف أهل السويداء ثمرة الثورة التي دفعوا هم ثمنها الفادح" فيتصدروا لواجهة المشهد ويتوّجوا قادةً للحراك "بآخر مئة متر من السباق"، فيؤدي هذا إلى إعادة خلق خطاب الإقصاء الأول، الذي لا بدّ أن يسند خطاب النظام من حيث المآل. فلمن ستكون الغلبة، وهل يصمد خطاب الوطنية السورية المتعافي أمام خطاب التفرقة والإقصاء المندحر، أم نرى إعادة للتاريخ بصورة مهزلة من جديد، وهل ينطلق قطار الربيع العربي من الجنوب السوري مجددًا كما انطلق من الجنوب التونسي قبل عقد ونيّف، أم نعود بعد مئة عامٍ للثرثرة على أطلالِ وطنٍ هُدم بخطاب أهله؟