icon
التغطية الحية

وريث أربكان وحليف معارضي أردوغان.. من هو تمل كرم الله أوغلو؟

2023.03.09 | 15:01 دمشق

تمل كرم الله أوغلو
الرئيس رجب طيب أردوغان وزعيم حزب السعادة تمل كرم الله أوغلو - الأناضول
إسطنبول - عبد الناصر القادري
+A
حجم الخط
-A

يعد المجال السياسي في تركيا معقداً جداً لكثرة اللاعبين السياسيين والتناقضات الواضحة التي تجمع الفرقاء والأحزاب في تحالفات تهدف إلى إقناع الناخب التركي بالتصويت في استحقاق انتخابي لصالح ذلك التحالف.

وفي إعادة تعريف الأحزاب التركية لثنائية علماني - إسلامي التي لا تغادر نقاشات المجال العام والافتراضي بساحة تركيا السياسية والاجتماعية والثقافية، بما يعبر عن شكل من التهدئة الإيديولوجية سعياً للوصول إلى السلطة.

وفي تعبير جلي على ذلك، وقف زعيم حزب السعادة - المحسوب على التيار الكلاسيكي للإسلاميين في تركيا (الإخوان المسلمون)- تمل كرم الله أوغلو أمام مقر حزبه الرئيسي في أنقرة، معلناً ترشيح كمال كلتيشدار أوغلو لانتخابات الرئاسة عن الطاولة السداسية التي تضم أبرز أحزاب المعارضة.

صورة أتاتورك على المقر الرئيسي لحزب السعادة
صورة أتاتورك على المقر الرئيسي لحزب السعادة

ورفعت صورة كبيرة لمؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك على واجهة مبنى حزب السعادة لأول مرة في تاريخه، وهتف المجتمعون من أنصار حزب الشعب الجمهوري والأحزاب الخمسة الأخرى، "عاش مصطفى كمال باشا"، و"تركيا علمانية وستبقى علمانية".

وعلى صدى تلك الهتافات، قال زعيم حزب السعادة: إن "كمال كليتشدار أوغلو، هو مرشح تحالف الطاولة السداسية للانتخابات الرئاسية. جعل الله هذا القرار خيراً بحرمة هذه الليلة المباركة (ليلة النصف من شعبان)".

كرم الله أوغلو يعلن كلتيشدار أوغلو مرشحاً رئاسياً
كرم الله أوغلو يعلن كليتشدار أوغلو مرشحاً رئاسياً

من هو "تمل كرم الله أوغلو"؟

في 7 حزيران 1941، ولد تمل كرم الله أوغلو في كهرمان مرعش، وهو في الأصل من مدينة سيواس، تخرج في ثانوية قيصري عام 1959. وفي عام 1960، ذهب إلى إنكلترا بمنحة دراسية من Sümerbank. تخرج في قسم تكنولوجيا المنسوجات بجامعة مانشستر عام 1964. ثم حصل على درجة الماجستير من الجامعة نفسها عام 1967، أسوة بغالبية الإسلاميين الذين يفضلون دراسة الطب والهندسة على العلوم الإنسانية.

 خلال سنوات دراسته الجامعية، كان رئيساً لاتحاد الطلاب البريطانيين الأتراك وشارك في الأنشطة الاجتماعية للجاليات المسلمة وترأس إدارة منظمة (الاتحاد البريطاني لجمعيات الطلاب المسلمين)، متزوج من عائشة ياسمين ولديه 5 أبناء.

عاد إلى تركيا عام 1967، وكانت اهتماماته متجهة إلى سوق العمل بشكل شبه كامل، حيث عمل متخصصاً بصناعة النسيج في (سومربانك) لفترة قصيرة وفي هيئة تخطيط الدولة بين 1967-1972. 

بعد إنهاء خدمته العسكرية في عام 1973، عمل مديراً في شركة Altınyıldız للألبسة الرجالية. وبين 1975-1977 عمل تمل كرم الله أوغلو في وزارة الصناعة والتكنولوجيا، أولاً مديراً عاماً للحوافز والتنفيذ، ولاحقاً نائب وكيل الوزارة المسؤول عن الصناعة الموسعة، وكان له دور في تنشيط الصناعة في مناطق الأناضول بحسب موقع "حزب السعادة".

تمل كرم الله أوغلو في شبابه
تمل كرم الله أوغلو في شبابه

اللقاء مع الأب المعلم "أربكان"

بعد 10 سنوات قضاها في المجال الصناعي، التقى كرم الله أوغلو مع نجم الدين أربكان، ومحمد زاهد كوتكو أحد أبرز شيوخ الطرق الصوفية في تركيا، وزعيم جماعة إسكندر باشا حتى عام 1980. كان للرجلين دور أساسي في تشكيل أفكاره وأدلجته في مراحل حياته اللاحقة.

بدأ تمل حياته السياسية عام 1977، وانتخب عضواً في البرلمان التركي نائباً عن سيواس من قبل حزب السلامة الوطني. كما انتخب عضواً بالجمعية العامة للحزب عام 1978. 

وفي البرلمان كان كرم الله أوغلو عضواً في هيئة المؤسسات الاقتصادية الحكومية (KİT)، وتولى رئاسة اللجنة الفرعية لصناعة الطائرات في الهيئة.

ومثّل كرم الله أوغلو تركيا في الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا لمدة ثلاث سنوات خلال فترة عضويته نائباً، إلى أن تم اعتقاله في الانقلاب العسكري بقيادة كنعان إيفرين الذي أطاح بالحكومة المدنية عام 1980، بهدف حماية مبادئ أتاتورك العلمانية.

كرم الله أوغلو برفقة نجم الدين أربكان
كرم الله أوغلو برفقة نجم الدين أربكان

بلد الانقلابات العسكرية

قبل الانقلاب شهدت تركيا صعوداً كبيراً للإسلاميين بزعامة نجم الدين أربكان - كان كرم الله أوغلو أحد الأعضاء البارزين في حزبه - وقاد أول حزب ذي ميول إسلامية باسم "النظام الإسلامي" عام 1970، معتمداً على منطلقات حركة "مللي جوروش (Milli Görüş)‏"، ومعناها "الرؤية الوطنية"، والتي حملت أفكاراً تدعم استقلال الاقتصاد الوطني في مقابل الحفاظ على أصالة المجتمع وثقافته وتاريخه، وإعادة تقوية علاقات الأتراك مع المحيط العربي والإسلامي.

وحقق أربكان ورفاقه نجاحاً كبيراً في انتخابات عام 1973 وحصل على ثالث أعلى نسبة أصوات في المجلس النيابي، واشترك الحزب في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري

عين أربكان نائباً لرئيس الوزراء، وزادت شعبية حزب السلامة الوطني وارتفعت مكانته خاصة بعد النزاع التركي اليوناني على قبرص، وترجمت هذه الشعبية في انتخابات سنة 1975 إذ حصل الحزب على ثاني أعلى نسبة أصوات في المجلس النيابي.

بعد انقلاب 1980 تم إعدام 50 شخصاً واعتقال 650.000 شخص وحُوكم الآلاف، ووقع 299 حالة قتل تحت التعذيب، و30 ألفاً آخرون فضلوا المنفى، كما اختفى كثيرون آخرون، وكان ذلك الانقلاب هو ثالث انقلاب تشهده تركيا خلال 20 عاماً (بعد انقلاب 1960 وانقلاب 1971). وشكّل هذا الانقلاب ملامح البلاد لثلاثين سنة قادمة، كما يعتبر هذا الانقلاب الأكثر دموية.

كان أربكان شخصاً ديناميكاً إذ كان لا يتوانى عن تأسيس حزب جديد مع رفاقه كلما أغلق له العسكر حزباً، يحمل المبادئ والأفكار والقيادات نفسها. ما أدى إلى تعاقب أحزاب "النظام الوطني" و"السلامة الوطني" و"الرفاه" ثم "الفضيلة" وأخيراً "السعادة".

انقلاب 1980
انقلاب 1980

عودة إلى العمل السياسي

بقي كرم الله عشرة أشهر معتقلاً بعد انقلاب 1980، ثم خرج من السجن وبقي بعيداً عن السياسة النشطة نحو 7 أعوام، عمل خلالها في القطاع الخاص.

عاد إلى الحياة السياسية مع استفتاء عام 1987 وانتخب عضواً في الهيئة الإدارية العامة لحزب الرفاه. أصبح مرشحاً برلمانياً في الانتخابات العامة عام 1987.

انتخب رئيساً لبلدية سيواس عن حزب الرفاه لفترتين في 1989 و1994، عاد إلى البرلمان نائباً عن سيواس من حزب الرفاه في الانتخابات البرلمانية عام 1995. خلال ولايته بالبرلمان، شغل منصب عضو الجمعية البرلمانية لحلف الناتو. ذهب إلى جميع الدول الأوروبية والعديد من الدول ممثلاً لتركيا. ثم انتخب نائباً لرئيس مجموعة حزب الرفاه بالبرلمان إلى أن تم حل الحزب عام 1999.

بعد إغلاق حزب الرفاه من قبل المحكمة الدستورية، انضم كرم الله أوغلو إلى حزب الفضيلة. وفي انتخابات 1999، أعيد انتخابه نائباً في البرلمان عن سيواس. 

وبعد إغلاق حزب الفضيلة في عام 2001، شارك في تأسيس حزب السعادة وعين نائباً لرئيس مجلس الإدارة للعلاقات الخارجية. وكان عضواً في المجلس الاستشاري الأعلى الذي شكله أربكان قبل وفاته، حتى لا يخرج الحزب عن خط "الرؤية الوطنية"، منذ تاريخ تأسيس التيار الإسلامي.

محمد رجائي قوطان مع تمل كرم الله أوغلو
محمد رجائي قوطان مع تمل كرم الله أوغلو

العدالة والتنمية في الصدارة

كانت انتخابات حزب الفضيلة بعد حل حزب الرفاه، خطاً مفصلياً في مسيرة عمل التيار الإسلامي بشكل عام، فقد ولد تياران تقليدي يقوده كبار السن المقربون من نجم الدين أربكان في مقدمتهم محمد رجائي قوطان ونعمان كورتلموش ومصطفى كمالك وتمل كرم الله أوغلو، وتيار تجديدي إصلاحي يقوده الجيل الأصغر بقيادة رجب طيب أردوغان وعبد الله غل وبولنت أرينتش. 

ترشح عبد الله غل - بدعم من أردوغان المحظور سياسياً - في التنافس على قيادة الحزب مع رجائي قوطان المدعوم من أربكان المقيم في السجن، ولكن غل فشل في النجاح برئاسة الحزب.

أسس الإصلاحيون أردوغان وغل وأرينتش حزب العدالة والتنمية وأخذوا منحى ليبرالياً محافظاً تخلى عن العداء للاتحاد الأوروبي والغرب، وأكد إيمانه بالعلمانية والديمقراطية، وتمكن من استقطاب أطياف واسعة من اليمين القومي التركي والمحافظين في خطوة غيّرت المجرى التاريخي لتركيا وما زالت فصوله تكتب حتى اليوم.

وبين عامي 2002 و 2018 فشل حزب السعادة في دخول البرلمان التركي بسبب عتبة الـ10 في المئة من الأصوات، وإن حقق تقدماً في الانتخابات المحلية خلال فترة رئاسة نعمان كورتلموش (انضم لاحقاً إلى العدالة والتنمية) للحزب عام 2009 وصلت إلى 5.13% وهي أعلى نسبة حققها الحزب منذ وصول العدالة والتنمية إلى الحكم، ثم انخفضت إلى 1.4% في انتخابات عام 2018 برئاسة كرم الله أوغلو.

صورة قديمة لكرم الله أوغلو مع رجب طيب أردوغان
صورة قديمة لكرم الله أوغلو مع رجب طيب أردوغان

تقارب مع إيران والنظام السوري

لم يكن حزب السعادة يحقق أي نجاح يذكر في الانتخابات البرلمانية خلال 16 عاماً على العكس، بل انخفضت شعبيته بقوة رغم عودة نجم الدين أربكان إلى رئاسته عام 2010 حتى وفاته عام 2011 لمدة لا تتجاوز أربعة أشهر في مؤشر على تغير تعاطي الشعب التركي مع الإيديولوجيا بقدر النظرة إلى الواقع الاقتصادي والسياسي في البلاد الذي شهد نمواً كبيراً جداً خلال الـ 15 سنة الأولى من الحكم.

في عام 2011 تولى رئاسة حزب السعادة مصطفى كمالك، وأثار جدلاً واسعاً في البلاد بسبب علاقاته الودية مع إيران والنظام السوري في ذروة قمع الأخير للشعب وجرائم الحرب التي ارتكبها ضد مواطنيه.

وفي 8 كانون الثاني عام 2012 زار وفد من حزب السعادة التركي ضم رئيسه حينئذ مصطفى كمالك وتمل كرم الله أوغلو العاصمة السورية دمشق، والتقوا مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، مؤكدين على وقوف الشعب التركي إلى جانب الشعب السوري لمواجهة ما يتعرض له ورفضهم الكامل لأي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية لسوريا.

كان ذلك اللقاء بعد نحو 9 أشهر من انطلاق الثورة السورية، حيث انحاز حزب السعادة الذي يحمل أفكار "جماعة الإخوان المسلمين" إلى النظام السوري في موقف بدا متماهياً مع الموقف الإيراني المعادي للثورة، وفي مواجهة مع الموقف التركي الرسمي.

لقاء وفد حزب السعادة مع بشار الأسد في دمشق عام 2012
لقاء وفد حزب السعادة مع بشار الأسد في دمشق عام 2012

رئيساً للحزب.. حليفاً ضد أردوغان

وفي المؤتمر السادس العادي للحزب عام 2016 تم انتخاب تمل كرم الله أوغلو رئيساً للحزب، استمراراً للنهج الكلاسيكي في قيادة التيار الإسلامي.

وترشح كرم الله أوغلو لمنصب الرئاسة إلا أنه حصل على 0.89% من الأصوات، وشارك حزب السعادة ضمن تحالف "الأمة" المعارض في الانتخابات البرلمانية للعام نفسه وحصل على 1.4% من الأصوات ورغم عدم تجاوزه للعتبة البرلمانية فإنه تمكن لأول مرة في تاريخه من ولوج البرلمان بفضل قانون الانتخابات الجديد، الذي يعامل التحالف الانتخابي معاملة الحزب الواحد، وبسبب ذلك حصل على مقعدين (أحدهما استقال).

شارك الحزب في الانتخابات المحلية لعام 2019 وحصل على نسبة 2.84%، وأعيد انتخاب كرم الله أوغلو في المؤتمر السابع للحزب في 2019 رئيساً لحزب السعادة.

في عام 2020 بعد قرار القضاء التركي بإعادة متحف "آيا صوفيا" إلى جامع، تحدثت كثير من التقارير عن تقارب بين العدالة والتنمية والتيار الإسلامي التقليدي ممثلاً بحزب السعادة رغم الأصوات القليلة التي يمثلها، وبالفعل في عام 2021 التقى الرئيس أردوغان مع كرم الله أوغلو لساعتين، وأشار الأخير عقب اللقاء أنه كان "ودياً وإيجابياً جداً".

ولا بد من الإشارة إلى أن نظام الحكم الحالي في تركيا يتطلب من أي مرشح رئاسي أن يحقق أغلبية بسيطة في الجولة الأولى، مما يضيف أهمية للأحزاب الهامشية مثل حزب السعادة. ويدرك كلا التحالفين الانتخابيين "الشعب والأمة" هذه الحقيقة تماماً، حيث يحاولان التوسع قبل انتخابات عام 2023. 

الطاولة السداسية المعارضة
الطاولة السداسية المعارضة

رافعة للشعب الجمهوري

أحدث كرم الله أوغلو حالة جديدة من التعاون مع الأعداء التاريخيين سياسياً، حيث أعاد الاصطفاف مع حزب الشعب الجمهوري وبقية الأحزاب التي تضمها الطاولة السداسية "الجيد، المستقبل، الديمقراطية والتقدم، الديمقراطي" مفضلاً إياهم على شركاء الأمس ما قبل عام 2002.

ولعل التحالفات التي قام بها أربكان نفسه في الحكومات الائتلافية بين 1970 و1997 تجيز لكرم الله أوغلو أن يعيد ما قام به معلمه في السياسة، إلا أن المعطيات تغيرت كلياً، حيث إن طروحات "الرؤية الوطنية" التي قدمها أربكان ودافع عنها يمكن أن يجدها السعادة في تحالف الشعب باعتباره من الوسط واليمين أكثر مما هي موجودة لدى الطاولة السداسية التي فيها يسار وسط وأقصى يمين ويمين ووسط وليبراليون وقوميون وإسلاميون وعلمانيون في خلطة قد تفتح باب الخلافات فيما لو تحقق الفوز.

وقد يكون انضمام حزب السعادة وبدرجة قريبة بالنسبة للمستقبل الذي يقوده أحمد داوود أوغلو والديمقراطية والتقدم (دوا) الذي يتزعمه علي باباجان إلى الطاولة السداسية مفيداً بالدرجة الأولى لحزب الشعب الجمهوري الذي تعهد بإجراء "تعافٍ مع المتدينين"، ومهمة تلك الأحزاب المحسوبة على المحافظين والوسط تقوم بدور يعطي الشرعية المناسبة لذلك، ومن هنا وصل الأمر بأعضاء من حزب السعادة أن يصفوا كمال كليتشدار أوغلو بـ "المجاهد" بعد أن تم اختياره في ليلة النصف من شعبان.

كلتيشدار أوغلو مع كرم الله أوغلو
كمال كليتشدار أوغلو مع كرم الله أوغلو