icon
التغطية الحية

ما الذي بوسع بشار الأسد أن يعلمه لبوتين حول النجاة من العزلة الدولية؟

2022.04.06 | 13:17 دمشق

بشار وبوتين في صورة نشرها المكتب الصحفي للكرملين
بشار وبوتين في صورة نشرها المكتب الصحفي للكرملين
نيو ستيتسمان - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

تعهد قادة أوروبيون بفرض مزيد من العقوبات على روسيا بعدما رشحت صور من مدينة بوتشا ظهر فيها مدنيون أوكرانيون مقيدون وهم يتعرضون للقتل على يد القوات الروسية، إذ إن هذه العقوبات ستضاف إلى تلك التي فرضت عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، والذي وصفته وزيرة الخزانة الأميركية بأنه "غير مسبوق". بيد أن تلك العقوبات لم تكن بقسوة التي فرضت في الوقت الحالي على سوريا أو تلك التي سبق وأن فرضت على العراق أيام صدام حسين، بالرغم من أن تلك الضغوطات الاقتصادية لم تجبر النظامين في كلتا الدولتين على الحد من إثارة الحروب وشنها.

حكم اللصوص

قد تبدو ديكتاتوريات الشرق الأوسط مختلفة تمام الاختلاف عن روسيا، إلا أن هنالك كثيرا من القواسم المشتركة بينهما، فكل تلك الدول تعتمد على حالة الجمع بين قمع عامة الشعب، مع السماح باستشراء الفساد داخل الأوساط المقربة من النظام، وضمان ولاء كل من يمثل تهديداً داخلياً عبر ترتيب الأمور للقيام بانقلاب. ولذلك تسعى العقوبات الاقتصادية لإرغام هؤلاء القادة على تغيير سياساتهم بشكل جوهري بعد استثمارهم الكبير فيها. إلا أن أي منطق لتلك العقوبات لا بد وأن ينهار أمام منظومة دولة اللصوص، التي يقوم فيها القادة بسرقة ما يكفي لينعموا بحياة الدعة والراحة، كما يثق هؤلاء القادة بقدرة أجهزة الدولة القمعية والإعلامية على حمايتهم من أي ثورة أو انتفاضة شعبية، بما أن الكوادر العاملة في هذين القطاعين تحصل على تعويضات مجزية ولها مطلق الحرية بالسرقة ولكن بمقادير ضئيلة.

تعتبر حالة نظام بشار الأسد في سوريا، وهو أقرب حليف في الشرق الأوسط للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أبلغ مثال على ذلك، وذلك لأن الأجهزة الأمنية والأثرياء المقربين من السلطة هم من يهيمنون على دولة اللصوص في سوريا، كما هي حال النظام في روسيا، وقد تعرضت جميع الشخصيات الأمنية والمقربة من النظام في سوريا إلى عقوبات شديدة منذ مدة قصيرة. ثم إن النظام السوري أصبح منبوذاً على المستوى الدولي عقب اندلاع انتفاضة شعبية في البلاد في عام 2011، والتي رد عليها النظام بوحشية مفرطة، ولهذا طالب العديد من قادة العالم الأسد بالتنحي، وفرضوا عقوبات خانقة على الاقتصاد السوري، إلا أن النظام رفض التراجع عن موقفه، وظل يسعى لتحقيق أهدافه المتمثلة باستعادة كامل الأراضي السورية دون أن يقوم بأي إصلاح ذي قيمة داخل الدولة.

بدا النظام السوري وكأنه على وشك استعادة كامل الأراضي التي يسيطر عليها الثوار، ولكن في شباط 2020، أعلنت تركيا بكل قوة بأنها لن تسمح لقوات النظام التي تدعمها الغارات الجوية الروسية بالتقدم نحو أي شبر آخر في شمال غربي سوريا، بما أن ذلك قد يؤدي لنزوح أكثر من مليون مدني، وهؤلاء لا بد وأن يتوجهوا نحو الحدود التركية. ومنذ ذلك الحين، تم تجميد النزاع في سوريا، إلا أن نظام الأسد قد يكون مايزال يحلم بالعودة لحكم سائر البلاد، إلا أنه لا يسيطر اليوم إلا على أقل من 70% من كامل الأراضي السورية، وأقل من نصف تعداد سكان سوريا قبل الحرب، وذلك بعدما تمكنت المناطق التي ماتزال خارج سيطرة النظام من البقاء في ظل الحماية التركية في شمال غربي سوريا، وفي ظل التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة في شمال شرقيها. ومنذ عام 2018، عندما حاول المرتزقة الروس ومقاتلو الميليشيات المدعومة إيرانياً اقتحام شمال شرقي سوريا فرد عليهم التحالف بقوة ماحقة، توقفت تلك المحاولات ولم تعد تظهر مجدداً.

الكرملين وسجله الحافل بعدم التأثر بالعقوبات

وبالشكل ذاته، لم يسجل الكرملين أي تأثر بأي ضغوطات اقتصادية، فالعقوبات التي فرضها الغرب عليه في عام 2014 عقب احتلال القرم، ثم عند احتلال لوهانسك ودونيتسك لم تجبره على التراجع. وفي الوقت الذي لم تقم فيه روسيا بضم هاتين المنطقتين الواقعتين ضمن إقليم الدونباس شرقي أوكرانيا بشكل رسمي، بدأت هناك عملية "ترويس" المنطقة (أي تحويلها إلى منطقة روسية بامتياز). إذ بموجب القيادة الرسمية للحكام الدمى المدعومين روسياً، فرض الكرملين منهاجاً تعليمياً روسياً إلى جانب فرض عملته للتداول في المناطق المحتلة، كما بدأ بمنح جوازات سفر روسية لمواطنين أوكرانيين يعيشون في تلك المناطق. وقبل قيام الغزو الأخير، نقل قادة غربيون بصفتهم الشخصية إلى بوتين رسالة مفادها بأنه في حال غزوه لأوكرانيا، لا بد وأن تتعرض روسيا لعقوبات ساحقة، إلا أن النظام الروسي ظهر بمظهر من درس تلك العواقب جيداً، لدرجة أنه استعان باحتياطي كبير من القطع الأجنبي وحاول إنشاء نظام يجنبه التعامل بنظام سويفت البنكي العالمي بما أنه بات محظوراً عليه اليوم.

وكما هي حال النظام السوري، تعتقد القيادة الروسية بأن الوقت لصالحها وكذلك حالة التفكك الدولية، كما أن غنى روسيا بالموارد الطبيعية، واعتماد أوروبا على الغاز الروسي وعلى السوق الاستهلاكية الكبيرة في روسيا لابد وأن يجعل الدول الأوروبية تدفع الثمن غالياً لقاء فرضها لتلك العقوبات. إذ يعتبر الاقتصاد السوري ضئيلاً إذا ما قورن بالاقتصاد الروسي، كما أن سوريا ليست قوة كبرى حتى في منطقة الشرق الأوسط، ومع ذلك تؤمن القيادة السورية بأنه حتى مع عدم قيامها بأي إصلاحات، بأنه لابد للدول أن تتخلى عن سياسة عزلها في نهاية المطاف، وهذا الإيمان له ما يبرره بصورة جزئية. إذ خلال السنوات الماضية، قامت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والأردن والمملكة العربية السعودية وأخيراً عُمان بتطبيع العلاقات مع سوريا بصورة كاملة أو جزئية. ثم بدأ الأسد أسفاره خارج البلاد من جديد، حيث زار مؤخراً دولة الإمارات، في أول زيارة له إلى دولة عربية منذ اندلاع الثورة السورية قبل 11 عاماً. أما الكرملين الذي يتربع على أرض غنية بالغاز والنفط، فيرى بأن الدول الغربية قد تتراجع عن مواقفها بسرعة أكبر. وهنا لابد للنظام الروسي أن يسترجع خبرته مع حظر الأسلحة الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على روسيا عقب غزوها لأوكرانيا في عام 2014، ذلك الحظر الذي خربته العديد من الدول الأوروبية لتستفيد من إمداداتها للجيش الروسي.

خسائر روسية فادحة

بيد أن روسيا لم تتراجع عن عشقها للحرب في سوريا وأوكرانيا وليبيا إلا بعدما منيت بخسائر عسكرية فادحة. إذ في ليبيا، استطاعت مسيرات بيرقدار 2 المطورة في تركيا أن توقع خسائر كبيرة ضمن صفوف القوات المدعومة روسياً، وأن تمنعها وتصد هجومها على طرابلس، كما تمكنت المسيرات التركية من تدمير جبروت نظم الدفاع الجوي الروسية ذات الأثمان الباهظة والتي تعرف باسم بانتسير وبوك، ومما زاد الطين بلة سعي تركيا لنشر مقاطع فيديو مخزية تثبت وقوع تلك الضربات. أما في أوكرانيا، فلم تنطل خدعة التهديد بالعقوبات الساحقة على روسيا، ولذلك ترتب على الأوكرانيين قتل آلاف الجنود الروس وتدمير المئات من عرباتهم المصفحة حتى يستوعب الكرملين بأن قواته لا تستطيع السيطرة على كييف أو ترتيب الأمور لتغيير النظام في أوكرانيا كما هو مخطط له.

وبما أن الغرب بات يدرك حجم الإغراءات التي تدفعه لتخفيف العقوبات على روسيا، ونظراً لتاريخ الغرب الطويل مع فشل سياسة إحداث أي تغيير في الكرملين عبر اللجوء إلى وسائل وأساليب اقتصادية، لذلك أصبح من واجب قادة الدول الغربية إعطاء الأولوية للأداة التي أثبتت فعاليتها مراراً وتكراراً، وذلك لأن القوات الأوكرانية، في حال حصولها على إمدادات جيدة، لا يمكنها أن تحول مكاسب الجيش الروسي في جنوبي أوكرانيا وشرقيها إلى خسائر فحسب، بل أيضاً بوسع تلك القوات إلحاق أضرار جسيمة تكفي لإقناع بوتين بأن فكرة شن حرب عدوانية ما هي إلا فكرة خاطئة. أما العقوبات الاقتصادية التي لن يتضرر منها إلا عامة الشعب الروسي، ومنهم هؤلاء الذين يقفون ضد الحرب، لكنهم يخافون أن يعبروا عن رأيهم، فتمثل الخيار الألطف في خضم هذا النزاع.

  المصدر: نيو ستيتسمان