لقاء السوريين والتشكيلات السياسية

تاريخ النشر: 24.05.2022 | 05:41 دمشق

كلما تداعى سوريون للقاء علمي أو فكري أو سياسي، وأكاد أقول حتى فني، تبرز أصوات محلية وإقليمية عالية تتساءل عن مسألة "التمثيل" التي "يدّعيها" من "يقف" وراء هذا اللقاء أو ذاك. ففي كل لقاء سوري، مهما كان محدود الإمكانات والمشاركات والموضوعات والأهداف، والذي يسعى أصحابه إلى أن يناقش الهم السوري، صار من الضروري وشبه المحتوم، بالنسبة للبعض، أن يستعمله الداعون له لإخفاء نيتهم الحقيقية في إطلاق مشروعهم الهادف إلى إنشاء جسم معارض جديد أو تشكيل هيئة سياسية جديدة تدّعي احتكار تمثيل الهمّ السوري. وفي جو من الشك المتبادل، طوّر بعض السوريين القدرة على توزيع علامات الاستفهام على جميع المبادرات العلمية منها أو الحوارية أو حتى الفكرية. وبالتالي، فقد اعتاد ممارسو هذه الهواية، وخصوصاً منهم الذين ينشغلون عن العمل الفعلي المنتج، بنقد كل التجارب والخطوات والمبادرات مهما تواضعت ومهما عرّفت عن نفسها بوضوح على أنها لا تدعي البتة التمثيل ولا الإخراج، وأنها لا تعدو كونها محاولة للتفكير المشترك وتبادل التحليلات التي تصب في صالح وطن متقطع الأوصال.

صار أمر النقاش حول الهم المشترك محصوراً، في مخيلة القسم الأكبر، بين مقاعد المقاهي أو بين تغريدات وسائل التواصل المُنْهِكة للنفس وللجسد

لقد اعتاد السوريون على تعاقب وتضارب تشكيلات الأجسام السياسية التي غالباً ما كانت تولد إما ميتة، أو مصابة بالشلل، أو بفقر الدم، أو بفقر الحال والحيلة. ولم يكن من عادة البعض منهم الاعتراف بإمكانية تحقّق اللقاء بين أطراف فكرية وسياسية متنوعة حول فكرة نظرية أو مشروع عملي للنقاش وتبادل الآراء دونا عن السعي المُتخيل لتشكيل هيئة سياسية تحل محل ما هو قائم شكلاً وربما يكون ميتاً موضوعاً في أغلب الأحوال. وانطلاقاً من هذا الاستنتاج المغلوط، صار أمر النقاش حول الهم المشترك محصوراً، في مخيلة القسم الأكبر، بين مقاعد المقاهي أو بين تغريدات وسائل التواصل المُنْهِكة للنفس وللجسد. بالمقابل، فيبدو جلياً أنه لا مناص من اتهام الندوات العلمية مثلاً، بأن وراءها ما وراءها. وبالتالي، تستعر نظرية المؤامرة المحببة لمن لا ينتج فكراً أو عملاً. وتلوك الألسن المثخنة بالتبغ والتنباك وبقايا القهوة والشاي، أعمال من ينشط مثخنة سمعتهم بما توفر من الاتهامات والتأويلات.

في بداية الثورة السورية وقبل انتقالها إلى مرحلة المقتلة، وفي وقت ساد فيه أمل حذر بغدٍ أفضل، اجتمع عدد من الباحثات والباحثين السوريين، المقيمين في الداخل أو في المنفى، وإلى جانبهم عدد محدود من الخبراء الأجانب الذين سبق أن عرفت بلدانهم مرحلة انتقال نحو نظام تخلصت فيه بشكل كامل أو نسبي من وطأة الاستبداد، كما اليونان وإسبانيا والبرتغال. وعكف المشاركون في اللقاء على مناقشة واختبار سيناريوهات الانتقال السلمي الممكنة لسوريا نحو النظام الديمقراطي ودولة القانون. وقد شمل هذا المشروع، الذي أطلق عليه القائمون عليه اسم "اليوم التالي"، على عدة أبواب غطت أهم مفاصل الحياة السياسية، والدستورية، والثقافية، والاقتصادية. وتمت الاستفادة من تقاطع عدة تجارب أجنبية مع إضافات تخصصية ترتبط تحديداً بالواقع السوري.

من إيجابيات هذا المشروع أنه لم يستعمل "ال" التعريف لتقديم نفسه. فليس هو "ال"مشروع. وإنما اتفق صانعوه على أنه مجرد مشروع قابل للنقد وللتفكيك وللتعديل. وأجمع منتجوه على أنه مساهمة ضئيلة ضمن محيط فكري وعملي يجب أن يمخر عبابه كل الحريصين على مستقبل هذه البلاد المنكوبة سعياً لإنتاج العشرات من المشاريع المشابهة على الأقل، وتشكيل حالة تراكمية افتقرت إليها الثقافة السياسية العربية عموماً والسورية خصوصاً لعبورها عقوداً طويلة من التصحّر الفكري والسياسي. يُضاف إلى هذا، أن مجمل من عمل على وضع الخطوط العريضة له كما نصوصه التفصيلية هم ممن يمتهنون العلم ولا يعتبرونه مطية للوصول إلى مناصب حقيقية أو وهمية تزاحم الكثيرون على السعي وراءها منذ التأسيس الأول للمجموعات السياسية المعارضة.

أكثر المنتقدين نشاطا وعنفاً، هم في غالب الأحيان ممن لا ينتجون إلا النقد. وهم يمتشقون لوحة المفاتيح لخط الملاحظات القاتلة أو العبارات الجارحة بحق كل من حاول وسعى

على الرغم من كل ما سبق أعلاه، إلا أن هذا المشروع البحثي، والذي تحوّل لاحقاً إلى منظمة مدنية تُعنى بنشر ثقافة الديمقراطية، عانى كسِواه من المشاريع العلمية أو الندوات الفكرية أو اللقاءات البحثية، من التشكيك في نواياه والتقليل من أهمية محتواه وانتقاد علم من أنتجه. وفي أحسن الحالات، تم اعتباره نصاً نظرياً غير قابل للتطبيق.

لم يكن هذا المشروع إلا مثالاً على طريقة بعضنا في الحكم على ما ينتجه البعض الآخر. وأكثر المنتقدين نشاطا وعنفاً، هم في غالب الأحيان ممن لا ينتجون إلا النقد. وهم يمتشقون لوحة المفاتيح لخط الملاحظات القاتلة أو العبارات الجارحة بحق كل من حاول وسعى.

في تلك الفترة نفسها، حملت بحثاً اقتصادياً لأعرضه على من كنت اعتبره ضالعاً في علم الاقتصاد طالباً رأيه النقدي دون أية مواربة. نظر المعني إلى النص بعجالة زينتها ابتسامات صفراء غير مريحة، ومن ثم رماه أرضاً وهو يقول: "نصٌ عن الاقتصاد السوري لم أكتبه أنا أو حتى أشارك في صياغته، لا قيمة له". ومنذ ذاك اليوم، صرت عندما أنظر إلى هذا الشخص، لا أراه.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار