إعادة الإعمار الرياضي

2023.02.07 | 05:56 دمشق

سوريا
+A
حجم الخط
-A

نجح الحكم السوري، وبامتياز، في تعميق الانقسام المجتمعي في البلاد على كل الأصعدة. وسعى بكل السبل إلى تطبيق سياسة "فرّقْ تَسُدْ" بين مختلف مكوناته، والتي فشل حتى الاستعمار الفرنسي في فرضها على السوريين طوال ربع قرن من الانتداب على سوريا، إذ ثار السوريون سنة 1925 على تقسيم بلدهم إلى عدة دول وأعادوا لحمتها الجغرافية. ومنذ اشتداد الطبيعة الاستبدادية مع انقلاب 1970 وتعزيز الأمنوقراطية الراسخة في البلاد، اعتمد الحاكم على تشجيع الرعايا على تحجيم انتماءاتهم وحصرها بالطائفة، وبالمذهب، وبالمنطقة، وبالعشيرة. وبالتالي، فقد غاب المواطن السوري في غياهب البحث عن التكيّف في حدوده الدنيا مع حالةٍ تقسيميةٍ عزّزت من سطوة المستبد على مختلف تعابير الحياة.

في "التجربة" السورية للحكم الممتدة منذ عقود، والتي صار لزاماً تدريسها في كليات العلوم السياسية كنمط تسلطي أمني نجح في تعزيز الشرخ المدني وإفشال أي سعيٍ إلى تحويل رعايا الحاكم وسلطته إلى مواطنين ينتمون إلى وطن مشترك لا يعبره التمييز فيما بينهم على أي أساس كان، من اللافت، إن جاز التعبير سلباً، بأن هذا التعزيز شمل مختلف جوانب الحياة السياسية بداية كالاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأيضاً، الرياضية.

ومن المتعارف عليه أن أعتى الديكتاتوريات في أميركا اللاتينية أو في إفريقيا السوداء أو في آسيا، بحثت دائماً عن فتح نوافذ رياضية صغيرة في جدار الهيمنة الاستبدادية، وذلك سعياً إلى استخدام شمّاعة التفوق الرياضي في الدعاية للحكم وللحاكم. فحكم العسكر في الأرجنتين مثلا الممتد بين عامي 1976 و 1983، أفسح في المجال للأندية الرياضية، وخصوصاً في حقل كرة القدم، بالتطوّر بناءً على معايير "فنية ورياضية" بعيداً عن التحزّبات السياسية، مما أوصل فريقهم الوطني لربح كأس العالم سنة 1978، كما نجح النظام التسلطي في كل من الاتحاد السوفييتي وفي ألمانيا الديمقراطية، مع استخدام مكثّف للمنشطات القاتلة، في فتح نوافذ ضيّقة للرياضة وللرياضيين، مع إضافة نوعية تميّزه عن ديكتاتوريات العالم الثالث، بأنه منح أيضاً الرياضيين المتميّزين معاملة تمييزية ضمن المجتمع "التقدمي والاشتراكي"، جعلت منهم طبقة تحظى بامتيازات "رأسمالية" تهاونت السلطة أمامها مقابل التمكن من الخضوع ومن الولاء.

أما في سوريا، فقد شملت قواعد الحكم التسلطي الرياضة أيضاً في مسعى إجمالي، كان قاعدة أساسية من قواعد ترسيخ الحكم، ويتمثّل في تأميم المجال العام ومصادرة كل أوجه التعبير المدني

أما في سوريا، فقد شملت قواعد الحكم التسلطي الرياضة أيضاً في مسعى إجمالي، كان قاعدة أساسية من قواعد ترسيخ الحكم، ويتمثّل في تأميم المجال العام ومصادرة كل أوجه التعبير المدني والذي تُعتبر الرياضة من مظاهره. وأول خطوة قامت بها السلطة هي في وضع وتنفيذ سياسة دمج الأندية مع تغيير أسمائها من دون أي قاعدة منطقية. ومن طرائف الاستبداد في الحقل الرياضي ما تم من تغيير أسماء فرق أرمنية الطابع والانتماء إلى "العروبة واليرموك". وقد عرف السوريون الصدامات الدينية عندما كان يلعب فريق الاتحاد (الأهلي) مع فريق الجلاء (الشبيبة الكاثوليكية) في كرة السلة، وحيث تميّزت مبارياتهم بالشحن الديني المؤطر أمنياً. كما شهدت مباريات حطين وتشرين بكرة القدم في اللاذقية صدامات على قاعدة مذهبية واضحة. ومن جهتها، عرفت العاصمة دمشق مواجهات مؤطرة أيضاً بين فريقي الجيش والوحدة في كرتي القدم والسلة تبادلت فيها البرجوازية الطفيلية أو المُلحقة بالسلطة والمتمثلة بفريق الوحدة، البروز مع فريق القوات المسلحة المسيطرة على البلاد بحسب طبيعة العلاقة القائمة فعلياً بين الطرفين وتقلباتها.

يعرف السوريون كيف امتعض رئيس أحد الأندية الساحلية المنتمي إلى العائلة الحاكمة، من قرارات حكم مباراة جمعت فريقه مع فريقٍ من حلب. وقد عبّر عن ذلك بالنزول إلى أرض الملعب بسيارته ليصفع الحكم وليجبره على تغيير قراراته. وقد انصاع الحكم صاغراً للغة القوة الصادرة عن المستبد.

مؤخّراً، شهدت ملاعب سوريا لكرة القدم صدامات بين الفرق وبين الجماهير، كما عرفت اعتداءات وحشية ضد حكام المباريات بسبب الانزعاج من قراراتهم. وكان من اللافت تعليق المذيعين الذين ينقلون الحدث على التلفزة الوطنية أمام هذه الفوضى العارمة حيث اختلط الحابل بالنابل وتطايرت الراحات تضرب رؤوس حكام ولاعبين. فأحدهم اعتبر أن ما يحصل من اعتداءات مصورة هو ضمن المنافسة "الشريفة"، ومشيراً بالتالي إلى إمكانية وقوع مثل هذه الأحداث في مباريات دولية لدى الدول المتقدمة (...). وبمعزلٍ عن هذه الإشارة المشوهة، فقد "استمتع" السوريون باعتداء وحشي من كابتن منتخب "الوطن" وعضو فريق الجيش مؤخراً على حكم مباراة رفع له البطاقة الحمراء.

يكاد أن يكون من المؤكد بأن الحاكم في أمره وفي أمر العباد، والذي يراقب عن كثب، بأدواته المتعددة والمتشابكة، هذه المشاهد الشائنة، يبتسم راضياً ومنتشياً وسعيداً بأن سياسته الأمنوقراطية نجحت في تعزيز التفريق بين رعاياه، وهو الأمر الذي يعمل عليه بلا كلل أو ملل منذ وصوله إلى حكم البلاد والعباد.

من يتشدّق بإطلاق عمليات إعادة الإعمار المادي وغير المادي، يعجز عن وضع تصوّر فعّال يُعيد إلى الرياضة استقلالها عن الحاكم ومنطق سطوته وجلاوزته، فكيف له أن يرسم لإعادة الإعمار المجتمعي والأخلاقي؟

الرياضة ورشة ثقيلة التركات تحمل دماءً تسلطية متخثرة، إذ لا يمكن لمجتمع لا يمتلك أدوات حريته أن ينهض بها.