في انتظار العملية التركية البرية

2022.11.29 | 06:17 دمشق

العملية العسكرية التركية
+A
حجم الخط
-A

في انتظار العملية العسكرية التركية البرية، لا يبدو النظام السوري مستنفراً لا على المستوى العسكري ولا السياسي ولا حتى الإعلامي، بل لا يبدو معنياً أو منشغلاً بها إلا بمقدار انشغاله الروتيني بفعاليات طلائع البعث، أو بمونديال كرة القدم، أو آخر أخبار النجوم.

فما يحدث على الأراضي السورية سواء ما يتعلق بالقصف الإسرائيلي المستمر على مواقع للميليشيات الإيرانية، أو القصف التركي على مواقع قوات سوريا الديمقراطية، كل ذلك يعده النظام أحداثاً لا علاقة له بها طالما أنها لا تستهدف مواقع العصابة الحاكمة في دمشق أو شخصيات منها، وبالتحديد شخصية الرئيس، وكل ما لا يشكل خطراً على الرئيس ليس من أولويات النظام السوري ولا يقع ضمن دائرة اهتمامه، ولهذا فهو يتعامل مع العملية البرية المرتقبة على أنها مجرد خبر يتعلق بدولة أخرى وليس بسوريا.

يكتفي النظام بعد أي قصف يطول الأراضي السورية، أياً كان مصدره، ببعض التنديدات التي تنتمي إلى لغة الشتيمة -في أحسن الأحوال- أكثر من كونها لغة سياسية، ويشتكي من قسوة الضربات وهمجيتها، ثم يحول الأمر إلى المجتمع الدولي الذي لا يؤمن بعدالته ولا ينفك يحاربه في إعلامه ويتهمه بالتآمر على سوريا، وكأنه يطالب من يقود المؤامرة عليه بالدفاع عنه.

يتناسى النظام الضربة على سوريا بعد أيام على حدوثها ويضعها في سلة المهملات، إلى أن تأتي الضربة التالية فيقوم بتشغيل أسطوانة التنديدات ذاتها أثناء سخونة الحدث ويطفئها مع برودته.

اللافت أيضاً هو قدرة النظام على تحويل عجزه عن التعامل مع ما يعتبرها اعتداءات على "السيادة السورية" إلى فعل بطولي، ويستند على ذلك العجز في امتداح القيادة الحكيمة.

إلا أن متغيراً لافتاً وعميقاً طرأ على لغة النظام بعد التصريحات الأخيرة التي صدرت عن الرئيس التركي فيما يتعلق بإمكانية لقائه ببشار الأسد، حيث تلقفت وسائل إعلام النظام تلك التصريحات المرنة بطريقة تكشف عن تلهف النظام وارتقابه لأي إشارة من هذا النوع ليستقبلها بترحاب غير مشوب بالحذر، ويبدو وكأنه ينتظر تلك الإشارات بفارغ الصبر، فإعادة العلاقات مع الجانب التركي تزيح عن كاهله ما تبقى من كابوس السقوط وتزيد من أمله في إعادة تأهيله وشرعنته من خلال لاعب إقليمي شديد الأهمية، لاعب يعده العائق الوحيد المتبقي بينه وبين حلمه في الاستفراد بالسوريين من جديد وبشكل مطلق دون الخوف من قوة داعمة لهم، حتى وإن كان ذلك الدعم مرتكزاً على مصالح تركيا المتقاطعة مع تطلعات الشعب السوري.

بمجرد بعض الإشارات من الرئيس التركي والتي تضمنت إمكانية لقائه بالأسد تحوّلت لغة النظام من العداء المطلق إلى لهجة معتدلة بل هي في العمق لغة متوسلة، لغة تبحث عن إمكانية التعامل والتعاون مع تركيا حتى حدود الشراكة، ولا مانع لدى النظام في هذا السياق أن ينشئ علاقة تبعية جديدة كتلك التي تربطه بإيران وروسيا

بمجرد بعض الإشارات من الرئيس التركي والتي تضمنت إمكانية لقائه بالأسد تحوّلت لغة النظام من العداء المطلق إلى لهجة معتدلة بل هي في العمق لغة متوسلة، لغة تبحث عن إمكانية التعامل والتعاون مع تركيا حتى حدود الشراكة، ولا مانع لدى النظام في هذا السياق أن ينشئ علاقة تبعية جديدة كتلك التي تربطه بإيران وروسيا، فقد كان سقف طموحاته أن يحيّد تركيا، فما بالك إن كسبها كحليف.

بدأ إعلام النظام وأبواقه في الأيام القليلة الماضية، وبالتزامن مع العملية العسكرية التركية البرية المرتقبة، وبالتوازي مع القصف الجوي والمدفعي على مناطق سيطرة قسد، العمل على قلب محتوى خطابه تمهيداً لما يعتقده عهداً جديداً يطوي من خلاله صفحة العداء مع تركيا بعد أن أعلنها على مدار سنوات رأس حربة في المؤامرة على سوريا، ولهذا بدأ بتحوير المصطلحات السياسية لتتناسب مع المرحلة الجديدة التي يعتقد أنها قادمة لا محالة، فغيّر مفهوم "الاعتداء" الذي اعتمده كتوصيف وحيد للضربات التركية على الفصائل الكردية، إلى مسألة فيها نظر، وراح يداور ليشرعن تلك الضربات دون أن يحسب حساباً لخط العودة فيما لو حدث تغير مفاجئ يفسد عليه يقينه.

تحليلات أبواق النظام في هذا السياق لا تنتمي إلى السياسة كالعادة، ولكنها تحول لغة الشتيمة إلى حالة ودّ تحاول من خلالها التقرب من الأتراك، بل ولم يتوانَ بسام أبو عبد الله -أحد أشهر أبواق النظام- بمهاجمة المعارضة التركية التي كان يتغنّى بها ويبني عليها الآمال في تغيير الموقف التركي إن أتيح لها الوصول إلى السلطة، اتهم أبو عبد الله المعارضة التركية بانحيازها إلى المعسكر الغربي، ونقل عن إحدى المعارضات تصريحها بأنها لن تتعامل مع الدول القمعية مثل روسيا وإيران والصين، وعبّر عن قناعته بأنها ستتعامل مع سوريا أيضاً -فيما وصلت إلى السلطة- على أنها دولة قمعية، وبالتالي فإن التعامل مع أردوغان يبقى الخيار الأفضل، على حد تعبير البوق المشهور.

لا يستطيع أبواق النظام إخفاء شماتتهم بالشعب السوري بمجرّد بعض الإشارات الصادرة عن الجانب التركي والتي تحمل في طياتها احتمالات ضعيفة جداً بتقارب تركي مع النظام، فأهداف النظام العليا تتجسد في التخلّص من المعارضة وإنهاء الثورة بصرف النظر عن أشكال التحالف والعداء التي قد تلعب دوراً في مستقبل سوريا الذي لا يهتم النظام به قدر اهتمامه بفكرة أبدية الحكم الاستبدادي العائلي الوراثي، ولهذا فإن التغير المحتمل في العلاقة سينعكس إيجابياً على الأسد وليس على سوريا.

وفي هذا السياق، يؤكّد إعلام النظام من جديد ومن حيث لا يدري، أن العدو الوحيد الذي يريد الانتصار عليه هو الشعب المتمرد على سلطته والمطالب بتحرره من حكم العائلة الوراثي، ومن أجل ذلك لا يجد حرجاً في التعامل مع ذات خصومه الذين كان يعدهم قادة المؤامرة على سوريا وسبب دمارها، وتطبيع العلاقات معهم وكأن شيئاً لم يكن.

لا يبدو التحوّل في الموقف التركي حقيقياً في المدى المنظور، فهو ليس أكثر من مناورة سياسية من اللاعب التركي، وربما ورقة انتخابية لا تنتظر رد فعل نظام دمشق المتهالك ولا تتوجه إليه أصلاً، غير أنّ إعلام الأسد ما يزال مصرّاً على خطابه البيني الضيق، إعلام للاستهلاك المحلي ليس إلاّ، وخطاب يعلن من حيث لا يقصد أن "القيادة السورية" لا تسهم بصناعة القرارات المصيرية في بلدها، وأن دورها يقتصر على قرارات الاعتقال والقتل والإبادة وكذلك  السرقات وتصنيع المخدرات وتهريبها، فضلاً عن المساحة الأساسية الممنوحة لها وهي التصديق على عقود الاحتلال وشرعنة وجوده على الأرض السورية، وهي المهمة الوحيدة التي كانت السبب في إنقاذ النظام وحمايته حتى الآن.

في انتظار العملية التركية البرية، وأثنائها، وبعدها، سيبقى النظام مجرّد متفرج غير فاعل ليس بإمكانه سوى التصفيق والشتيمة، ولن يصل حتى إلى مستوى إدراك الفعل السياسي الدولي بسبب تركيزه على الاستمرار في السلطة كمشروع وحيد ليس له صلة لا بالحالة الوطنية ولا بالسياسة أيضاً.