ضحايا دون قبور: جروحٌ لا تلتئم

تاريخ النشر: 09.12.2021 | 06:24 دمشق

مثير جداً ما قالته الشابة البريطانية بيثاني هينز، عن أنها استطاعت تحديد مكان جثمان والدها عامل الإغاثة ديفيد الذي قتله تنظيم داعش عام 2014 في الرقة، ودفنه كما غيره في مكان مجهول!

والإثارة تتأتى في هذه القصة من جهتين، الأولى؛ وهي أن وزارة الخارجية البريطانية، أهملت طلبها من أجل الحصول على معلومات، رغم أنها كانت ومنذ البداية تمتلك تفاصيل عن مصير الرجل، لكنها لم تقدم لابنته أي شيء!

والثانية؛ أن هذه الحكاية تضع على الطاولة من جديد ملفاً مؤلماً، يجب أن يبقى مفتوحاً حتى النهاية، بسبب بقاء جثامين كثيرين ممن ذبحهم التنظيم الإرهابي مجهولة المستقر، وطالما لم تقم سلطات الأمر الواقع التي حلت في المناطق التي كان يسيطر عليها، بنشر نتائج تحقيقاتها مع عناصره الذين ألقي القبض عليهم، وباتوا فعلياً مصدراً ثرياً للمعلومات حول مصائر الضحايا!

صحيح أن عشرات من المقابر الجماعية قد نبشت، وكشفت عن فظاعات غير قابلة للتصديق، ارتكبها مجرمو التنظيم، في الليل البهيم، وتحت ضوء الشمس وأمام الكاميرات، ثم عملوا على جعلها مخفية، قبل اندحارهم، ولكن هل استطاع أهالي المفقودين الذين اختفوا في تلك الفترة التماس ما يفيدهم حيال مصائر أحبابهم؟

محاولة الفتاة البريطانية هي نموذج واقعي يصلح لتمثيل رغبات هؤلاء في التوصل إلى المعرفة، وإلى تكريم المغدورين من خلال التوصل إلى رفاتهم، وإعادة دفنهم بما يليق بهم كبشر أولاً، وكضحايا للإرهاب ثانياً!

هنا، وفي استعار نار الوقائع، وجعل "كوارث وفوضى زمن الحرب" صيغة تستخدم للتعمية عن التقاعس والإهمال، وعدم بذل الجهود في سبيل تحقيق هذا المسعى، تلتفت واحدة من النساء إلى الأرض المستوية لتبحث عن مكان دفن أبيها، والقصة في جزئها الأكبر تتعلق برمزية الحصول على القبر، والكتابة على شاهدته اسم الميت، وعدم جعله مجرد جسد وعظام لمجهول، ووراء هذه المرأة تقف جحافل من أمهات وأخوات وبنات المختفين في المجزرة السورية الكبرى، ويقف أيضاً كل أفراد عائلاتهن من الرجال والشباب، حيث تتحول القضية التي تبدو في ظاهرها شأناً عائلياً خاصاً، إلى قضية إنسانية وطنية، ومع وجود ضحايا أجانب، تتجاوز حدودها المحلية لتصبح شأناً دولياً!

تتحدث الأسطورة اليونانية عن أنتيجون، ابنة أوديب الملك التي رافقته في منفاه بعد أن فقأ عينيه، إثر اكتشافه أنه قتل أبيه وتزوج أمه، وحين عادت إلى وطنها ورأت أن عمها كريون انتصر لواحد من شقيقيها اللذين تحاربا ونحرا بعضهما، وقرر أن يدفن أحدهما (إتيوكليس) بتكريم، وترك الآخر (بولينيسس) دون قبر، بحجة أنه متمرد وخائن، تقرر الفتاة أن تكرّم شقيقها بما يليق به، فتُغضب عمها الذي يأمر بمعاقبتها!

لم تُشر الأسطورة إلى مصير أنتيجون، لكنها كرستها قيمة رمزية، كصوت يدافع عن ضحايا، لم يعد لديهم من ينافح عنهم، وتركتها أمامنا لنتذكرها في مسار حكاية واقعية تحدث في القرن الواحد والعشرين، نسعى لئلا تختفي وكأنها مجرد تفصيلٍ عابرٍ في تاريخ شعوبنا المتهالكة.

التراجيديات تتناسل في سياقها الأسطوري، وهي تستنسخ نوابضها في الواقع، وكما تتماثل القصص في الجغرافيا الإنسانية، بين شعوب خاضت حروبها، وعادت في زمن السلم لتضع الضحايا في قبور لائقة، نجد أننا معنيين بالأمر، فإذا كانت القصة أعلاه تجري في مناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية (قسد) حالياً، والتي كانت تسيطر عليها عناصر تنظيم الدولة سابقاً، فإن قصصاً مماثلة جرت وتجري حتى الآن في كل مناطق السيطرات المتباينة، لكن الملف الأشد وطأة على أصحابه هو ذلك المتعلق بأصل الكارثة، وأقصد ضحايا النظام، حيث اختفى عشرات الآلاف من المعتقلين والمفقودين في غياهب سجونه، وجرى الإعلان عن  مقتل عدد هائل منهم تحت التعذيب، وجرى إبلاغ السجلات المدنية (النفوس) بموتهم، دون أن يتمكن أهلهم من استرداد جثامينهم، بعد أن بات من المعلوم دفن النظام لهم في مقابر جماعية مجهولة!

وعلى هامش القصة، وفي كواليسها المظلمة، تتسرب بين حين وآخر أخبار عن جعل ضباط الأمن وعناصره قضية استعادة الجثامين مسألة تَكَسُب، وطريقة إضافية، لاستغلال الأهل، ومقايضة مبالغ مالية مقابل الحصول على المعلومات، أو استعادة الرفات.

وفي الجهة المقابلة، فاوضت الفصائل في المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد، على الأسرى من جيش النظام والميليشيات الطائفية المقاتلة معه، لكن ملف القتلى ومصائرهم، لم يُطرق بعد، وبالشكل الذي يجعله حاضراً.

فإذا كانت قضيتنا على مستواها الداخلي ما زالت ساخنة وستبقى حتى محاسبة كل المجرمين الذين أهلكوا مئات الآلاف من السوريين، فإن إطفاء جذوة الألم لدى أهالي الضحايا، واحد من أهم المداخل للحصول على العدالة المأمولة للجميع.