حركة 10 آب صرخة سوريين في وادي الموت

2023.08.16 | 07:14 دمشق

حركة 10 آب صرخة سوريين في وادي الموت
+A
حجم الخط
-A

من الطبيعي أن تتباين المواقف وردود الأفعال تجاه البيانين الصادرين عن حركة 10 آب "في 5 آب وفي 9 آب" بسبب حالة الإحباط والإغلاق التي خيمت على المشهد السوري في السنوات الأخيرة، والتي كان السوريون خلالها خارج دائرة الفعل والاهتمام الدولي والإقليمي، وزاد الطين بلة ذلك السعي العربي لمحاولة التطبيع مع النظام السوري المتعنت، الذي لم يقابل ذلك إلا بمزيد من الازدراء والاستهتار.

هل كان مبعث هذا الموقف من النظام السوري إحساسه بالقوة، أو بالهشاشة الدولية والإقليمية التي تعجز عن فرض إملاءاتها عليه، أم لعجزه البنيوي عن التقدم ولو بنصف خطوة في الاتجاه الإصلاحي، "وهذا ما هو مرجح"، فأي قبول من النظام الدموي الذي يحكم بالرعب وبالبراميل المتفجرة، وإن لخطوة إصلاحية صغيرة، أو لتنازل أو استجابة لصوت الشارع السوري، ستكون بداية السقوط المتسارع الذي ينتظره السوريون، حتى الصامتون الذين أرهقتهم ممارسات النظام التشبيحية خلال 12 سنة، وأصبحوا اليوم أسرى الجوع والفقر والحياة البائسة، إضافة للاستعباد القروسطي الذي تمارسه أجهزة الأمن.

عادة الكهرباء بمعدل ٢٠ ساعة يومياً إلى كافة الأراضي السورية. هذا لن يكون إلا بعد اتفاق دولي على إعادة الأعمار، وهذا محال بوجود النظام السوري الذي لا يضمن للشركات الوافدة أية حقوق

حتى لو أراد النظام التقدم بخطوات رمزية نظرياً، ستكون أمامه جملة من العقبات التي لا يستطيع تجاوزها، في طليعتها الوجود الإيراني وتغلغله في أركان النظام، الأمر الذي لن يدع له فرصة لاتخاذ قرارات تتعارض مع مصالح الإيرانيين، كذلك الوجود الروسي المهيمن، علاوة على فقده القدرة الاقتصادية لإدارة البلاد وتلبية احتياجاتها الأساسية، الأمر الذي من شأنه أن يكون بادرة حسن نوايا لإعادة الاستقرار لبلد فقد استقراره وأمنه وشرطه الإنساني في الحياة.

حوى البيانان جملة من المطالب التعجيزية، التي لا يمكن للنظام السوري بحال من الأحوال تلبية أي منها، ولو بالحدود الدنيا.

  • إعادة الكهرباء بمعدل ٢٠ ساعة يومياً إلى كافة الأراضي السورية. هذا لن يكون إلا بعد اتفاق دولي على إعادة الأعمار، وهذا محال بوجود النظام السوري الذي لا يضمن للشركات الوافدة أية حقوق.
  • إعلان خطة لمحاربة مصانع الكبتاغون وإغلاقها في كافة الأراضي السورية (هذا مطلب مثير للسخرية، من يمكنه أن يتخيل لمجرد التخيل أن يفكر النظام في إلغاء ركن أساسي من أركان إمداده، وأن يعترف بضلوعه علنا بهكذا جريمة).
  • إخراج كافة المعتقلين السياسيين (إن فعل هذا ولو مجازاً فسيكون أمام كارثة إنسانية تتكشف عن فقد مئات الآلاف من المختفين قسرياً، والاعتراف بقتلهم).

من المهم أن نلاحظ أن البيانين تضمنا مجموعة من المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طالبت بها الحركة، حيث إن البيانين جاءا في وقت بات فيه النظام السوري يعاني من أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة، مما جعله أكثر عرضة للمطالبة بالتغيير.

إن البيانين كانا واضحين في مطالبهما ومحددين في الأهداف وبمطالبة صريحة بجدول زمني للقضايا التي أعلنت الحركة أنها تسعى إلى تحقيقها.

إن البيانين كانا يمثلان أصواتًا حقيقية للشعب في الداخل السوري أولاً، والذي كان يعاني من القمع والظلم من قبل النظام لسنوات طويلة.

أسئلة جوهرية عدة بانتظار الإيضاح، من هم ممثلو هذه الحركة وهل لهم وجود حقيقي على الأرض؟ وهل يفترض أن يستجيب السوريون لجهة سرية لم يعرفوا عنها سوى هذين البيانين؟ وهل سيكون للبيانين أو لحركة 10 آب تأثير ملحوظ على مستقبل الثورة السورية؟ وهل سيسهمان في تحفيز الشعب السوري على الاستمرار في الاحتجاجات والمطالبة بالتغيير. وهل سيكون لهما أي صدى لدى المجتمع الدولي، أسئلة كثيرة تنتظر الإجابة في مقبل الأيام.

لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن ينتج عن هذه الحركة وإن كانت الآمال شديدة التواضع، خاصة أن النظام السوري ومنذ الشرارة الأولى كان واضحاً ومحدداً، بأنه يخوض معركة وجود، وأن لا سبيل لديه لأي خطوة إصلاحية

هناك فريق من المتشككين، وربما يكون تشككهم مفهوماً أو مبرراً في ضوء ما شهدناه في السنوات العشر السابقة، ربما يجد هذا الفريق في حركة "10 آب" لعبة من ألعاب النظام "لا أفترض صحة هذا الاحتمال" يهدف من خلالها لامتصاص غضب جماهيره وحاضنته الشعبية، التي لم تعد تطيق صبراً على هذه الأوضاع المتردية، التي لم تعد تحتمل، فالدولار جاوز أربعة عشر ألف ليرة سورية، وأصبح دخل الموظف السوري الشهري لا يتجاوز 15 دولار في أحسن أحواله، ولا يكفيه للعيش إلا لبضعة أيام، مع هذا لو سلمنا بصحة هذا الافتراض فإننا سنلاحظ أن النظام وصل إلى قعر هاويته، لدرجة اللجوء لتشكيل حركة لها سقف من المطالب التي يعجز عن تحقيقها، كما أنه إن أطلق هكذا مبادرات فإنه بالتأكيد عاجز عن احتواء تداعياتها، سيما أن هذا النوع من المبادرات إن لم يقم النظام بقمعها بشكل ساحق، فستفتح الباب لعشرات المبادرات التي تحتدم في صدور أصحابها كاحتدام النار في جوف البركان.

لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن ينتج عن هذه الحركة وإن كانت الآمال شديدة التواضع، خاصة أن النظام السوري ومنذ الشرارة الأولى كان واضحاً ومحدداً، بأنه يخوض معركة وجود، وأن لا سبيل لديه لأي خطوة إصلاحية، يمكن أن تفسر على أنها استجابة لضغوط شعبه، وهو اليوم أشد عجزاً عن أي خطوة إيجابية، كما يمكن التأكيد أن حالة التردي الخانقة واللاإنسانية التي يعيشها المجتمع السوري، خاصة في المناطق التي ترزح تحت سيطرة النظام، أخرجت البعض عن صمتهم وإن كان الخروج عن الصمت في هذه الآونة، شكلاً من أشكال الانتحار، في مواجهة نظام لم ولن يتوقف عن قتل المزيد من السوريين، للبقاء ممسكاً بزمام السلطة.

يبقى أي تحرك لسوريين داخل البلاد أو خارجها، نذير شؤم لنظام يتغطرس وكأنه أحكم قبضة الموت على ضحيته، وبارقة أمل أن السوريين بالرغم من التواطؤ الدولي والإقليمي لقتل روحهم ودفن أحلامهم بالتحرر، فإن أصواتهم لا تني ترتفع مرة تلو أخرى، إن التصالح مع هذا النظام غير قابل للتحقق، وإن إعادة الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار لسوريا وللمنطقة برمتها مرهون بتغيير هذا النظام ومحاسبته عن جرائمه المحلية والدولية.