حديث أبي المراديس.. بدكن رز وسكر وشاي وحرية؟

تاريخ النشر: 04.05.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:11 دمشق

قبل حوالي 10 سنوات، وكنا في سوريا، كتبتُ مقالة تحمل عنوان "صناعة الجماهير الكادحة"، ونشرتها في صحيفة "النور". كانت لغتي، في تلك الأيام، حذرة، مواربة، تعتمد التلميح والتلغيز والمداورة، ومع أنها تتضمن قدراً من النقد فقد كان الرقيب يمررها لي، باعتباري كاتباً ساخراً، والكاتب الساخر هامشُه عريض بعض الشيء. 

يمكنني، اليومَ، أن أتحدث عن "صناعة الجماهير الكادحة" بوضوح تام، وبلغة مباشرة، فأقول إن نظام حافظ الأسد يقوم على نهج استبدادي، عُرْفي، متخلف، يُصدر قوانينَ وأنظمةً وقرارات شاذة، تؤدي إلى تجميع الناس في زمان ما ومكان ما، على نحو عشوائي غالباً، وجَعْلِهم ينتظرون زمناً يصلُ، في بعض الأحيان، إلى عدة ساعات، دون أن يكون هنالك حاجة فعلية لتجميعهم. ولأنه نظام سادي، فهو يستمتعُ بتَشَكُّل الحشود البشرية، ورؤيتها وهي تتدافع، وتتألم، وتتململ، بينما إعلامُه يمتدح المتجمعين في خطاباته النارية، مطلقاً عليها اسم "جماهير شعبنا الكادحة"، وأحياناً يقول: الأبيَّة!

ذلكم النظام الفاشستي، المنحط، يجمع المعارضين في السجون والمعتقلات، ويسحق أرواحهم بالزجر، والتعذيب، وقلة التغذية والتهوية، بدءاً من لحظة الاعتقال وانتهاء بلحظة الخروج، هذا إذا كان ثمة خروج.. وحتى المواطنون الذين ماتوا ضمن المجازر وضعوا في مقابر جماعية، فانطبق عليهم مفهوم الجماهير وهم أموات.  

وأما (الأحياءُ الطلقاءُ) فكان يجمعهم عند مباني فروع الحزب في المحافظات، بمعدل عشر مناسبات في السنة، على الأقل، ثم يُطلقهم في الشوارع ضمن مسيرات تأييد (عفوية/ إجبارية) يصل تعداد السائرين فيها أحياناً إلى المليون، ويسمونها "المسيرة المليونية"، ويقوم عناصرُ الأمن والحزب والشبيبة والمنظمات الشعبية بتسليم المتظاهرين الرايات وأعلام الدولة والحزب الحاكم، وصور الديكتاتور، ليحملوها مُرْغَمين، ويراقبونهم أثناء المسير، ويسجلون أسماء الهاربين، أو المقصرين، في قائمة "المتخاذلين الساقطين على دروب النضال".

الكيفية التي تتشكلُ بموجبها "الجماهير" بسيطة للغاية، إذ يكفي أن تمر سيارة المركز الثقافي المزودة بميكروفون في أحد الشوارع، وفيها شخص يعلن أن إحدى صالات المؤسسات الاستهلاكية توزع الأرز والسكر والكبريت والشاي بموجب القسائم التموينية، أو يفتح الفرن الآلي كوة التوزيع، أو أن يضع موظفو المصرف التجاري السوري قليلاً من الأموال في حصالة الصراف الآلي، أو أن تعلن إحدى المديريات الحكومية عن حاجتها لتعيين بعض الموظفين، حتى ترى الناس يتوافدون إلى المكان، ويتجمعون عشوائياً، غير ملتزمين بالوقوف ضمن الطابور، لأن وقوفهم في طابور يعني أن يأتي عنصر الأمن، وسائق المعلم "رئيس فرع الأمن"، وعنصر التموين، وعنصر التفتيش، وبعض المُخبرين، ليدفشوا المواطن العادي ويأخذوا مكانه، فإن اعترض فلا بد أن تشاهد الجماهيرُ الكادحة المحتشدة حفلةَ تعجيق بالأرجل كتلك التي شاهدناها سنة 2011 في قرية "البيضا" التابعة لمدينة بانياس، والفرق الوحيد بين "التعجيقتين" أن البغال الذين عجقوا بأرجلهم على أجساد الشبان المتظاهرين في "البيضا" كانوا يسألونهم: بدكن حرية؟ وأما عند باب المؤسسة فيسألهم البغال: بدكن رز وشاي وسكر وحرية؟

استطاع نظام حافظ الأسد، من خلال الكذبة الشائعة القائلة بأنه نظام "اشتراكي" أن يُخضع الشعبَ السوري لسلسلة طويلة من عمليات الإذلال

استطاع نظام حافظ الأسد، من خلال الكذبة الشائعة القائلة بأنه نظام "اشتراكي"، أن يُخضع الشعبَ السوري لسلسلة طويلة من عمليات الإذلال من خلال ما عُرف بـ دعم المواد التموينية الأساسية كالخبز، والمازوت، والسكر والأرز.. ولأنه نظام كذاب فقد كان يزعم أن هذه التخفيضات قد وُجدت لحماية المستهلك، وهي لم تأتِ ضمن السياسة الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة، وإنما ضمن عطاءات القائد التاريخي الذي يهمه أن يوجد توازناً بين دخل المواطن وإنفاقه.. وكانت البلاد السورية تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم كلما أصدر الأسد مرسوماً يقضي بزيادة الراتب، لأن الزيادة ستتضمن تعويض زيادة الأسعار، يليه إخراج الموظفين من دوائرهم والطلاب من مدارسهم، والناس من بيوتهم، وإجبارهم على تعييش القائد وشكره على عطاءاته التي لا تنضب..

في حين أن دعم هذه المواد يحدث خللاً اقتصادياً كبيراً، وبسببه تشكلت طبقة طفيلية شرهة قوامها تجار كبار يتاجرون بالقسائم التموينية، ويشترون كميات كبيرة من المازوت والبنزين بالسعر المخفض ويهربونها إلى تركيا ولبنان ويبيعونها بأسعار خيالية، ويحققون من خلال ذلك أرباحاً كبيرة كانت توزع على المسؤولين الأمنيين في محافظة إدلب، باعتبارها متاخمة لتركيا، ومحافظتي طرطوس وحماه، لمرور خط التهريب إلى لبنان في أراضيهما، وأهالي ريف حماه الغربي يعرفون أن ثمة مهربين كباراً يتركزون في قرية قريبة من مدينة مصياف يهربون القسم الأكبر من البنزين السوري والمازوت السوري إلى لبنان، بينما عمليات التهريب إلى تركيا كانت تتركز في بلدة سرمدا.


* شاهد: 
قال الشاعر الكبير معروف الرصافي:
لا يَخْدَعَنْكَ هتافُ القومِ في الوطـــنِ
فالقوم في السر غيرُ القوم في العلنِ