بين الاستبداد والوصاية

تاريخ النشر: 28.10.2021 | 06:07 دمشق

آخر تحديث: 28.10.2021 | 06:10 دمشق

من الناحية النظرية، كان يهدف جوهر الثورة السورية إلى إحداث تحول سياسي جذري، في هذا البلد الذي عاش تحت وطأة الاستبداد حوالي خمسة عقود، حُرم خلالها من تشكيل الأحزاب السياسية الجادة، وتشكيل التيارات السياسية الحقيقية، كما مُنع من تشكيل منظمات المجتمع المدني من مختلف الأشكال والألوان، وكذلك الصحف والإعلام الحر، والحراك الاجتماعي والمجتمعي والثقافي، وغاص في مستنقعات الفساد والمحسوبيات والتمييز.

بالخلاصة، كان يهدف جوهر الثورة السورية إلى إزالة كابوس الاستبداد وإطلاق العنان للمجتمع بما قد يؤهله للاقتراب من وضعه الطبيعي، وإقامة منظماته السياسية والاجتماعية والثقافية التي تحتاجها الدولة الحديثة، وصولاً إلى نظام شبه ديموقراطي أو على الأقل غير استبدادي.

التضحيات الكبيرة اللاحقة التي قدّمها السوريون، أكّدت أن جذوة الحياة والحراك كامنة في المجتمع السوري، وأن الكابح الرئيس لها هو نظام الاستبداد الذي حيّد المجتمع وركنه جانباً، وحوّله إلى ما يشبه الأتباع أو الرعايا، وأن العلة لا تكمن في تقاليد السوريين ولا في قيمهم الثقافية أو الدينية ولا في تراثهم - حتى لو كان مليئاً بالشوائب - وإنما في الاستبداد الذي سحقهم ومنعهم من أي حراك أو من تولي حقهم في تقرير مصيرهم.

كان أمل السوريون أن تصبح تجربتهم أنموذجاً للمنطقة بكاملها، وأن يصلوا إلى دولة ديموقراطية حرة حديثة ومتطورة، دولة بعيدة عن الطائفية والإثنيات والعشائر ومثيلاتها، وأن يتأصل رابط المواطنة باعتباره الرابط الأساس الذي يربط الدولة بمواطنيها، والقادر على تكوين نسيج اجتماعي موحّد منسجم يعرف فيه الجميع حقوقه وواجباته التي يضمنها القانون، دولة حامية للفرد وملجأه الأول والأخير، دولة تعددية في المواقف السياسية والاقتصادية وليس الانتماء الطائفي والعشائري وغيره.

تؤكد الثورة السورية، ونتائج عشر سنوات، استحالة التحرر والتطوير والتحديث والإصلاح وما في حكمها، مادام النظام الاستبدادي يستولي على الدولة والمجتمع

كل ما سبق لم يتحقق، حتى الآن على الأقل، بسبب العنف وعسف النظام وتمسكه بالسلطة، ورفضه أي تغيير سياسي أو إصلاح مهما كان صغيراً، وما تلى ذلك من تدخلات إقليمية ودولية زادت من صعوبة ليس فقط وصول الثورة السورية إلى تحقيق جوهرها، بل حتى من الوصول إلى أطراف أهدافها؟

تؤكد الثورة السورية، ونتائج عشر سنوات، استحالة التحرر والتطوير والتحديث والإصلاح وما في حكمها، مادام النظام الاستبدادي يستولي على الدولة والمجتمع، ومادام يُجوّف المجتمع ويبعثره ويُفقده فاعليته وحيويته، ولا يرى أي مشكلة حتى في مئات آلاف الضحايا، أو في تحويل حاضنته إلى دهماء وهتّافين، وأنه من المتعذر تطوير هذه الأنظمة ومقاومة الفساد وتحديث الدولة وتحقيق التنمية في ظلّها.

ولما كان المجتمع ومنظماته وأحزابه غير قادر على تغيير النظام نتيجة التردي الذي وصلت إليه، يبدو أن الحل المتبقي هو أن يسعى السوريون إلى فرض الوصاية عليها، لا وصاية الأجنبي طبعاً، الذي يعمل لمصالحه فقط، بل وصاية دولية أممية، وصاية تتعهد بمساعدة السوريين على تعميم قيم الديموقراطية وتقاليدها، وتساعدهم على بناء دولتهم الحديثة.

صحيح أن السوريين سيوضعون أمام خيارين، أحلاهما مر، إما الاستبداد وإما الوصاية، لكن يبدو أن قدرهم أن يذهبوا إلى أحدهما، وحتى لا تبقى المأساة قائمة إلى الأبد، وحتى لا يبقى السوريون تحت العسف والتحييد عن تقرير مصيرهم رغم الذي جرى ويجري وسوف يجري.