الدولة الوطنية والأقليات الخائنة

تاريخ النشر: 24.08.2021 | 06:15 دمشق

في العديد من المحطات، تتهم المصادر التاريخية الأقليات بالخيانة. وتورد العديد من المواقف التي اتخذتها بعض المجموعات البشرية بالتنسيق مع جهات خارجية، لأجل تحقيق بعض مصالحها، التي تعتبرها مخطوفة بقوّة الغلبة للسلطات الحاكمة. ولم ينجُ تاريخنا المعاصر من مثل هذه الاتهامات. ولهذه النظرة ما يدعمها فعموماً الأقليات القومية أو الدينية والطائفية تعدّ هامشية بالمعنى الاجتماعي والسياسي مقابل الأكثرية السائدة. وهي تبحث عن كينونتها في محيط لا يريد الاعتراف بتلك الكينونة التي تشكل رابطاً فيما بينها.

في التعريف الصلب للدولة الوطنية الحديثة، فإن أي استنجاد بقوى دولية للتدخل، حتى لو كان للخلاص من ديكتاتورية ما أو أيٍّ من أنواع قوى التسلط، هو نوع من خدش لتلك الوطنية

سينتهي تقريباً، كل أثر لهذه النظرية في راهننا المعاصر، فلم تعد هناك أكثرية سائدة، وفي بعض الحالات، فقد تحولت الأكثرية إلى الباطنية، السياسية بالخصوص، في ظل الديكتاتوريات خصوصاً في منطقتنا، حيث احتاجت فيها تلك الأقليات للباطنية لعهود طويلة، حتى أصبحت من صلب بعض العقائد.

في التعريف الصلب للدولة الوطنية الحديثة، فإن أي استنجاد بقوى دولية للتدخل، حتى لو كان للخلاص من ديكتاتورية ما أو أيٍّ من أنواع قوى التسلط، هو نوع من خدش لتلك الوطنية. فالسلطة هي الممثل الأهم للوطن، حتى لو افتقدت تلك السلطة إلى أية مشروعية. نلحظ كيف أصبح السوريون المؤيدون لنظام بشار الأسد يعيّرون أعداءه ومعارضيه بوطنيتهم، معتبرين وقوفهم إلى جانبه بمثابة الوقوف مع الوطن والدفاع عنه. ولطالما كانت السلطات في هذه المنطقة هي الوطن. فالسلطة هي الوحيدة المخولة ببناء علاقات مع الدول الأخرى، حتى لو كان في تلك العلاقات بيع للوطن. لاحظوا أن أي لقاء مع سفير دولة أخرى، أو حتى موظف ما في خارجيتها، هو فعل خيانة فيما لو قام به مواطن معارض. أما حين يقوم به مؤيد فتلك مبادرة شخصية تستحق الثناء.

سوريا ليست استثناء، ففي معظم دول العالم توجد المزدوجات التي تستدعي العصبيات، ما يشكل رافعة للانقسام المجتمعي، منها الديني والطائفي والعرقي والمناطقي، وصولاً حتى إلى الانتماء القبلي وغيرها. ولن تكون أكثر الدول تقدماً استثناءً عند مناقشة هذه الإشكاليات. لكن على عكس ما فعل الأسد الأب ومن بعده وريثه، فتلك الدول تعمل غالباً على خلق الآليات التي تساهم في صهر وتوحيد المجتمع، عبر خلخلة العصبيات التقليدية، لتتراجع إلى مراتب تاليةٍ على الانتماء الوطني الذي تتطلبه الدولة المعاصرة، من أجل المضي في تطور يستمد عناصر قوته من نسيج اجتماعي ينضوي على مقومات صلبة تؤسس للدولة، طبعاً دون أي قفزٍ على التنوع العام، الذي يغتني بتنوع ثقافات أفراده ووحداته الاجتماعية.

في سوريا تحديداً عمل البعث بدايةً، على إرجاع الهوية الوطنية السورية للدرجة الثانية، بهدف إعلاء الانتماء القومي العربي. توصيف الجنسية لدينا بعربي سوري ليست مصادفة. وأسبقية عربي على سوري، ليست بدون دلالة. هكذا بقي السوريون أسرى الحس القومي المُستهدف، بحسب البعث، من كل قوى الشر في العالم، وبالنسبة للبعث، كان العالم بكامله يتشكل من قوى الشر التي تسعى لتدمير نقطتنا القومية المضيئة. ثم جاء نظام الأسد، ليعمل خلال نصف قرن على تقوية عناصر الهشاشة تلك وتفعيلها، بوصفها عامل تحطيم مجتمعي مُستدام، مع ضبطها كي لا تتسبب بأية إشكالات قد تحدث قلاقل، يمكن أن تؤثر أمنياً على السلطة القابضة على تفاصيل حياة مواطنيها. قناعة زرعها الأسد الأب بدأب في روح كل مواطن سوري، وهي أنه ليس له دولة تهتم به أو ترعاه أو تحفظ مصالحه ليشعر بهذا الانتماء إليها، فاضطر السوريون للهبوط إلى الوحدات الأدنى من الدولة - الوطن ليشعروا بالانتماء، فتعززت الطائفة والعرق والقبيلة والعشيرة وصولاً إلى الانتماء العائلي. وعبر هذه الوحدات الدنيا بات يتم تيسير المصالح المتبادلة، خارج ما يقتضيه الأمر في الدولة الحديثة التي لا تعترف سوى بالمواطنة.

واقع الحال بعد عشر سنوات، بالتأكيد لا يدعو لتعزيز الهوية السورية، الهوية المهلهلة وغير المتأصّلة أساساً، بل إلى خلخلتها أكثر، حتى ضمن الوجدان الشعبي

بعد عام 2011 والحرب التي شنها النظام على معظم السوريين، وما آلت إليه الأحوال من انقسامات حادّة، وسيطرة عدة جهات على عدة مناطق، إلى أن آلت الحال أخيراً إلى توزع السوريين ضمن أربع مناطق أساسية هي مناطق النظام ومناطق سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي، إضافة إلى منطقتي شمال غربي سوريا. إحداها تحت سيطرة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة)، والثانية تحت سيطرة (الجيش الوطني) بالتنسيق مع تركيا. فإن واقع الحال بعد عشر سنوات، بالتأكيد لا يدعو لتعزيز الهوية السورية، الهوية المهلهلة وغير المتأصّلة أساساً، بل إلى خلخلتها أكثر، حتى ضمن الوجدان الشعبي. وجميعنا سمع وقرأ بالتأكيد عن العديد من النزوعات الانفصالية حتى ضمن المنطقة الواحدة.

اليوم، لا يبدو أنه من المفيد التغني بأننا سوريون، وإن كان لا بد من بعض الرومانسية، فيجب العمل والتأسيس لهذا الانتماء على أساس التركيز على وحدة الجغرافيا والقوة القانونية لاعترافات المحافل الدولية، مع وحدة المأساة والخسرانات التي طالت الجميع، وعلى أساس المواطنة دون غيرها، وعدم الاستسلام للدعوات على أسس تتجاوز الحيز الجغرافي، إن كانت قومية أو دينية أو طائفية. ومؤسف أننا نرى بدلاً من ذلك وبدافع مصلحة سلطات الأمر الواقع، العديد من الإجراءات التي تعزز في المستقبل لانفصال نهائي. وإلا فما معنى أن تؤكد حكومة الإنقاذ قبل فترة مثلاً، أنها بصدد التجهيز لبطاقات هوية شخصية في منطقة إدلب. قبلها طرحت الإدارة الذاتية ما يشبه هذا الأمر في عفرين عام 2017. هذا مجرد مثال بسيط من ضمن إجراءات تشي وتؤشر لعمل يجري بطريقة ليست بريئة، وليست (ضرورية أو مؤقتة) كما يدّعي أصحابها.

لا مصلحة لهؤلاء، وبالتأكيد لا مصلحة للأسد بوحدة سوريا إن لم تكن خاضعة بمجملها لنظامه. بل حتى لو تشكلت يوماً ما إرادة دولية (لا يبدو لها اليوم أي وجود) تمنع التقسيم استجابة لرغبة غالبية السوريين (العاطفية) في وحدة وطنهم، فإن القوى المسيطرة اليوم ستقاوم بالسلاح كل قرارٍ من هذا النوع، ما لم يحافظ لها على امتيازاتها. بالعودة إلى تهمة الخيانة الوطنية، ومع تحوّل الجميع إلى أطراف هامشية مسلوبة القرار، وبلا أية كينونة، في ساحة يقرّر الآخرون كل ما يجري فيها. من يستطيع اليوم أن يدّعي البراءة؟