الثورة والمعارضة.. فوضى المصطلحات

2022.04.20 | 02:45 دمشق

hqayq-n-alskrt-walaslmt-fy-althwrt-alswryt.jpg
+A
حجم الخط
-A

تستمر جدلية المصطلحات خلال مرحلة التغيير التي تشهدها الثورة السورية، منذ بداية الانتفاضة الشعبية ضد النظام السوري (2011)، حيث ارتفعت حدّتها خلال السنوات الأخيرة الماضية، تلك التي عاش بها السوريون تناقضات مختلفة من جراء حالة الخذلان والخلافات التي عاصروها، أهمها؛ إطلاق الأحكام العامة على المكونات التي أفرزتها الثورة، على رأسها خلاف التفريق والانتماء بين المعارضة والثورة.

إذ بدأ التفريق العلني بينهما مع فشل المعارضة السياسية، في توحيد صفوفها والتوافق على مشروع وطني جامع ومن ثم بناء علاقات من قبل بعض شخصياتها مع دول مختلفة لأهداف شخصية على حساب المصلحة العامة، ما سبب حالة من عدم الرضا والسخط العام.

وربما أدى ارتباط مصطلح المعارضة، بمظاهر الترف التي كانت تعيشها بعض الشخصيات خلال مرحلة المفاوضات الدولية لإطلاق حكم "العمالة" في أحسن الأحول عليها، و"معارضة الفنادق" تارةً أخرى ولا سيما في الوقت الذي يعاني فيه السوريون من عدم الاستقرار والتهجير واللجوء والنزوح.

ثمّة اعتقادٌ في فوضى المصطلحات، أنّ التفريق بين هذه المصطلحات هو من يُحدد شكل الانتماء للثورة، وربما هذا من الناحية العاطفية والعملية صحيح إلى حد بعيد، لكن أكاديمياً ليس كذلك

وعلى هذا الأساس، انتشرت خلال الأعوام الأولى من الثورة السورية، جملة "نحن ثوار ولسنا معارضة" للدلالة على النقاء، والانتماء، والوطنية على حساب مفاهيم مضادة كانت تطلق على المعارضة السورية.

بالتالي، ثمّة اعتقادٌ في فوضى المصطلحات، أنّ التفريق بين هذه المصطلحات هو من يُحدد شكل الانتماء للثورة، وربما هذا من الناحية العاطفية والعملية صحيح إلى حد بعيد، لكنْ أكاديمياً ليس كذلك. فبالنظر إلى تعريفهما الأكاديمي -بعيداً عن السياق السوري- هو غير دقيق إلى حد كبير.

مصطلح المعارضة، في الأصل يعبّر عن توجه مضاد للنظام الحاكم عبر تبني مشروع سياسي معارض للسلطة وفق الأصول القانونية والدستورية وبما لا يخلّ بذلك. في المقابل، نرى أنّ المعارضة السياسية في سوريا، تُمارس نشاطاً خارجاً عن إطار الدولة السيادية بالمعنى القانوني للدولة وهذا يعود لواقع الاستبداد الذي فرضه النظام وعدم قبوله بأي مشروعٍ للمعارضة. لذلك، من الصعب إطلاق وصف المعارضة بالمعنى المُجرّد له في الوضع السوري الراهن.

مع ذلك وإن كانت هناك حالة استثناء اصطلاحية للمعنى المُراد فرضها الواقع والسياق السوري أو الملفات المشابهة أي حالة "المعارضة الصفرية" التي تنتقل من معارضة النظام سياسياً إلى المواجهة المسلحة "الثورة" مع اللجوء إلى طرفٍ ثالث أو المجتمع الدولي، فمن المُجدي ولا بدّ في هذه الحالة، أن تمتلك المعارضة مشروعاً سياسياً بديلاً ومتمماً للثورة عن ذاك الذي يطرحه النظام الحاكم.

لكن، مع الأسف هذا غير متوفر لدى المعارضة السورية. لذلك هي من الأساس، لا تنطبق عليها معايير "المعارضة" الأساسية ليتم تشويه المصطلح حتى لو قامت هي بنعت ذاتها بذلك. فالمعارضة، حتمًا يجب أن يكون لديها مشروعٌ سياسيٌ لينطبق عليها المصطلح. بالتالي، لا يمكن اعتبار المعارضة السورية "السياسية" معارضة كونها لا تملك هذا المشروع.

في الحالة السورية، من الصعب فصل هذه المصلحات بعضها عن بعض؛ لأنها تعبّر عن مراحل متراكمة ومتوازية ضمن مشروع واحد أي الانتقال السياسي والتحوّل الديمقراطي الذي من المفترض أن يؤدي في نهاية المطاف بعد إتمام مشروع الثورة التي تقوم على "المعادلة الصفرية" في مواجهة النظام الحاكم إلى بناء نظام جديد.

ولعلّ هذا الانتقال يحتاج إلى مشروع "عقلاني" يقوم على الأسس السياسية والدستورية والقانونية الذي من المفترض أن تساهم به "المعارضة الحالية" قبل الانتقال إلى حالة "الدولة" ففي الوقت الذي يقع فيه على عاتق الثورة إسقاط النظام بكل الأدوات المتوفرة، تتحمل المعارضة مسؤولية البناء في مرحلة ما بعد الأسد، أي الانتقال من حالة الفوضى إلى حالة الدولة والنظام.

نحن ثوار لأننا مع إنهاء النظام، ومعارضة لأننا نتحمل مسؤولية التأسيس لمشروع سياسي عبر تشكيل معارضة سورية نموذجية تتبنى قيم ومبادئ الثورة السورية في إطار الدولة

ومن هنا بتقديري، لا يمكن أن ينجح مشروع الثورة من دون وجود معارضة وطنية كما من الصعب أن تُمارس المعارضة أي عملٍ سياسي في إطار الدولة السورية إن لم يسقط النظام الذي يقوم على الاستبداد عبر الثورة. وهذا يُشير في النهاية إلى تلازم هذه المصلحات المرحلية وصعوبة فصلها بعضها عن بعض. مع التأكيد أنَّ المعارضة السورية الحالية لا يمكن اعتبارها كذلك.

على أيّة حال، إنّ انتشار جملة "نحن ثوار ولسنا معارضة" فيها لبسٌ بعض الشيء، فنحن ثوار لأننا مع إنهاء النظام، ومعارضة لأننا نتحمل مسؤولية التأسيس لمشروع سياسي عبر تشكيل معارضة سورية نموذجية تتبنى قيم ومبادئ الثورة السورية في إطار الدولة.

في النهاية، إن التأسيس لهذه الحالة الصحية دون إطلاق الأحكام المتسرعة وتشويه مصطلح الثورة والمعارضة قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تجاوز العقبات واختصار الوقت في المستقبل عند بناء الدولة السورية الحديثة، فوجود المعارضة الوطنية في الدولة الديمقراطية هو أمر طبيعي للغاية ويُمهد للاستقرار والحريات والرفاه.