إلى القنصل "حاكم" سوريا: السوري إنسان وليس عبداً

2022.08.28 | 06:14 دمشق

إلى القنصل "حاكم" سوريا: السوري إنسان وليس عبد
+A
حجم الخط
-A

كتب على شعوب الشرق التي تطلب الحرية أن تنال بدلا عنها الخراب والتشتت والتهجير والمجازر، فشعوب الشرق بنظر القوى الدولية الحاكمة المتحكمة، ليست شعوبا تستحق الحرية، لأنها بنظر هؤلاء، شعوب عبيد لا ترقى إلى مستوى الشعوب الغربية.. هذه نظرة استشراقية طالما استنبطتها كتابات وخطابات المستكشفين والقناصل والمبشرين الأوروبيين، أو صرحت بها دون خجل..

في لقائه الصحفي التلفزيوني الأخير- شهر أيار المنصرم- يظهر بشار الأسد كما لو أنه أحد القناصل الأوروبيين الذين يدبجون رسائل ومذكرات شهرية إلى وزارات خارجياتهم، فيصفون شعوب الشرق التي يعيشون وسطها ويعملون لاستغلالها وتدمير حياتها وثقافاتها، كشعوب ناقصة الإنسانية أو ناقصة الأهلية، بينها وبين الحضارة الغربية سنين ضوئية، لذا لا مفر من بقائها تحت الهيمنة والاستعباد..

يستنكر بشار الأسد في لقائه الصحفي الأخير بقاء الثورة السورية طوال أحد عشر عاماً.. ومعه حق فكيف تستمر ثورة أحد عشر عاماً دون أن تُسقط النظام أو الشخص الذي أرادت إسقاطه؟ وكيف لا تسقط الثورة من قامت بسببه، وهي دفعت في سبيل ذلك مئات آلاف الضحايا؟

كأنما لسان حال بشار يقول إن ثورة تبقى أحد عشر عاما لا يمكن أن تكون ثورة، بل مؤامرة دولية عليه هو شخصيا، فالثورة تستمر لشهر أو شهرين أو سنة، لا أكثر من ذلك.

ربما كان بشار يقارن بين ثورة السوريين وبين "ثورة"-انقلاب 8 آذار 1963 وفي ذهنه أن الثورة هي تلك التي تحدث في يوم واحد، وتنتصر بكل سهولة، على شاكلة "ثورة الثامن من آذار"!!

يتناسى بشار الأسد أنه حاول مغادرة سوريا أكثر من مرة، وأنه أعيد في كل مرة بالقوة، ليجبر على البقاء حاكما شكليا اسميا للبلاد؟

بالطبع لن يخطر في بال بشار الأسد وفي بال أحد من مواليه أن يتساءل عن السبب الذي يجعل ثورة شعب -صمَت لنصف قرن- تستمر أحد عشر عاماً، بالطبع لن يخطر في باله هو أو في بال أحد من مواليه السؤال عما يجعله متشبثا في الحكم أحد عشر عاما رغم يقينه بأن الشعب السوري بمجمله يكن له مشاعر الرفض والكراهية، أو لا يرغب بوجوده، سواء عبّر هذا الشعب عن أفكاره هذه بالنزول إلى الشوارع، أو اكتفى بالصمت..

بالفعل كيف يستطيع رئيس دولة الصمود فوق كرسيه أحد عشر عاما وفي بلاده ثورة شعبية تحاول إسقاطه، ثورة تحولت إلى حرب هجرت نصف الشعب وقتلت مليونا منه..؟ إلا إذا كان هناك من يدعمه ضد شعبه..

يتناسى بشار الأسد أنه حاول مغادرة سوريا أكثر من مرة، وأنه أعيد في كل مرة بالقوة، ليجبر على البقاء حاكما شكليا اسميا للبلاد؟ ومن ثم ليعينوه موظفا برتبة رئيس يضع توقيعه على صكوك بيع وتأجير سوريا بالجملة والمفرق..

بالفعل لقد طالت هذه الثورة كثيرا لسبب وحيد هو أن إيران أصرّت على بقاء بشار ومجموعته في الحكم بحجة الملف النووي الإيراني..

عبارة أخرى في لقاء بشار الأخير لا تقل حماقة عن العبارة الأولى، ينفي بها وجود معتقلين سياسيين في سوريا.. ومعه حق طبعا فـ "سوريا الأسد" لا مكان فيها للسياسة ولا يمكن أن تسمح دولة الأسد أو مملكة الأسد لأي شخص يعيش فيها أن يتكلم بالسياسة أو يمارس السياسة، فكيف بالتالي يمكن أن يوجد في هذه المملكة معتقل سياسي؟؟

نعم، إن الرئيس-القنصل، الرئيس-المستشرق لن يصدق أن شعبه ناقص الأهلية، شعبه الذي بالكاد أن يكون شعباً بشرياً، يمكن أن يكون شعبا مسيسا أو يميل للتحدث بالسياسة، فكيف به وهو يمارس أفعالا سياسية.. فينتقد أو يتظاهر أو يوزع مناشير أو يكتب مثقفوه مقالات سياسية أو يؤسسوا أحزبا أو يتجرأ طلابه الجامعيون على تنفيذ إضرابات والقيام باعتصامات.

هذا الأمر- أعني به استنكار السياسة واستنكار وجود معتقلين سياسيين- واضح لكل السوريين، يعرفونه وخبروه جيدا من خلال العقود الماضية، فمن اعتقل من قبل فروع الأمن لا شك هو سمع خطابَ ومفرداتِ المحققين والجلادين الطافحة بعبارات عنصرية وطائفية، المستنكرين والمستهجنين لأي مطالبة بالحرية، والذين يصنفون أي شخص يطالب بحرية التعبير عن موقفه السياسي كعميل لدولة أجنبية أو جاسوس..

وحتى السوريون المحظوظون الذين لم يُستدعوا إلى فروع الأمن، فهم بلا شك استمعوا مكرهين، مرارا وتكرارا، لخطاب مسؤولي النظام "في لقاءاتهم مع الشعب"، ولا بد أن مئات آلاف السوريين الذين صاروا أوتوماتيكيا منذ الصف السابع رفاقا حزبيين- بعثيين قد تعرضوا للجلد بخطابات أمناء الحلقات والفرق الحزبية وأمناء الشُعب الحزبية (البعثية)، هؤلاء الذين يشعروك أن كل الخدمات الطبيعية البدهية التي تقدمها مؤسسات الدولة للسوريين، هي منح وهبات وعطايا من 'السيد الرئيس" وقبله من "الأب القائد"، فتشعر بالخجل أول الأمر، ثم بعد سنوات تشعر أنك عبد تعيش في دولة السيد الرئيس، وليس مواطناً أو رفيقاً بعثياً، لذلك يتوجب عليك  أيها السوري المحظوظ أن تحمد الله على نٍعم الكهرباء والماء والنقل العام والطبابة، عليك أن "تضحك بعبك"، وتقابل هذه العطايا من الأب الرئيس القائد بسجود أو ركوع أو انحناء دائم للرأس ولتمتلئ نفسك بالغبطة والحبور فأنت محظوظ لأنك تعيش في سوريا الأسد..

وعلى الرغم من أن معظم السوريين يعلمون أن نفط بلادهم يسرق وأن هؤلاء المسؤولين والرفاق هم لصوص فاسدون دجالون، كان هؤلاء يستمرون بإشعار السوريين أنهم محظوظون لكونهم يعيشون في دولة البعث دولة القائد الفذ الخارق، لسان حال هؤلاء المسؤولين كان يقول: عليكم أن تشكرونا رغم أننا نسرق النفط ونهرب أمواله إلى بنوك أوروبا.. عليكم أن تشكرونا رغم أننا نمنعكم من الكلام والاحتجاج على سرقاتنا، ورغم أننا نعتقلكم لسنوات طويلة من أجل كلمة احتجاج أو شتيمة أو بسبب توزيع منشور..

لقد شعر النظام بالإهانة فلقد أثبت له السوريون أنهم بشر ينتمون إلى عالم الإنسانية وليسوا -كما ظن النظام ورعاته أنهم صاروا إليه- عبيدا منحطين وأشباه بشر..

نعم كان هؤلاء المسؤولون والقادة الحزبيون محقين في واجب الشكر وواجب الفرح لعطاءات السيد الرئيس.. فعندما تمرد الشعب على النظام والرئيس، فرفض النعمة التي كان يعيشها في كنف سيادته، قام النظام بمنع هذه النِعم عن الشعب ناكر الجميل.. لقد نفّذ النظام تهديده ووعيده المبطن.. فحينما رفض الشعب السوري الاستمرار في مهزلة شكر القيادة الناهبة للبلاد، بل تجرأ واحتج على نهبها وفسادها، قام النظام بإفراغ البنك المركزي فانهارت الليرة السورية وارتفعت الأسعار ومنع الاستيراد وراح يصدر معظم الغاز السوري إلى العراق فغابت الكهرباء وأظلمت البلاد وهرب العباد قاصدين النجاة بأرواحهم وكراماتهم..

قصد النظام معاقبة السوريين بأقصى طاقته، على خروجهم عن طاعته، من صمت العبودية واحتجاجهم على حالة الذل التي استمرت عقودا.. لقد شعر النظام بالإهانة فلقد أثبت له السوريون أنهم بشر ينتمون إلى عالم الإنسانية وليسوا -كما ظن النظام ورعاته أنهم صاروا إليه- عبيدا منحطين وأشباه بشر..

فلا تفسير لما حل بالسوريين من دمار هائل متعمد، ولا تفسير لما يعود رأس النظام لتذكيرنا به، من أننا لسنا سوى عبيد لا يحق لنا الحديث بالسياسة ولا يليق بنا العمل السياسي.. سوى أنه بالفعل مؤامرة كونية على الشعب السوري، أداتها هذا النظام المتوحش فاقد الضمير والإنسانية، مدعوما من دول هذه المؤامرة، القريبة والبعيدة، "الصديقة" والعدوة معاً..