أطوار الحيوية السورية: من الاستقلال حتى الثورة

أطوار الحيوية السورية: من الاستقلال حتى الثورة

الصورة
2019-30-10-syria-turkey-maps-promo-1572396193782-threebytwomediumat2x.jpg
01 كانون الأول 2019

ترتبط موجات التغيير الكبرى في الكيان السوري، وفق الشكل الذي استقر عليه عند الاستقلال، بحوامل مناطقية وطائفية وطبقية عريضة، حملت إلى السلطة وإلى واجهة المجتمع، في تعريف الذات الوطنية والسياسات الخارجية للدولة والإعلام والتعليم وسواها، بنى فكرية وآيديولوجية تنسجم مع تطلعات هذه الحواضن الاجتماعية، والتي تباينت، بطرق جذرية تقريباً، وفق موجات ثلاث:

المدن وأعيانها

منذ بزوغ ما يسمى بحركة النهضة العربية، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، تشكّلت هذه النزعة الإصلاحية في أوساط النخب، كما هو معروف. فهم من أتيحت لهم فرص التعليم، في الأستانة أو أوروبا أو في المؤسسات السورية الوليدة، مما فتح أمامهم فرص الترقي الوظيفي والاجتماعي والسياسي والعسكري، وجعلهم الحامل الطبيعي والوحيد للتطلعات المحلية والوطنية والعربية في مواجهة العثمانيين ثم التركية الاتحادية ثم الانتداب الفرنسي.

ومن المعروف أيضاً أن هذه الشريحة/الطبقة لم تنس، أثناء سعيها للاستقلال و«جهادها الوطني»، التعبير عن رؤاها ومصالحها التي تمثلت في مزيج من الليبرالية المحافظة والعناية بمشروع التحديث وبناء الدولة وفق علاقة «سمحة» بين القطاعين العام والخاص، فضلاً عن التطلعات القومية الوردية ومركزية قضية فلسطين التي تزامنت ولادتها مع تحرر سوريا من الاستعمار وإنشاء جيشها الوطني.

ستزاحم المؤسسة العسكرية نخب أعيان المدن، من مرتدي البدلات البيضاء، في ما يعدّ العصر الذهبي للأخيرين أثناء عقد الخمسينات. وحالما قررت الطبقة الشائخة من الديمقراطيين تسليم البلاد لعسكر مجاور، بالوحدة مع مصر، حتى أخذ ضباط «الإقليم الشمالي» بالتململ، متأهبين للانتفاض ضد الوحدة ثم للانقضاض على تركة العهد الليبرالي الذي كان قد احتل المشهد العام لعقود، سياسيين ورواداً في الرواية والشعر والفنون... إلخ.

لم تكن الستينات فاتحة استيلاء حزب البعث على السلطة فحسب، في ما عرف بثورة آذار، بل كان أيضاً العقد الذي شهد وفيات طبيعية لعدد لافت من رجالات العهد الذي أطيح به ورموزه

لم تكن الستينات فاتحة استيلاء حزب البعث على السلطة فحسب، في ما عرف بثورة آذار، بل كان أيضاً العقد الذي شهد وفيات طبيعية لعدد لافت من رجالات العهد الذي أطيح به ورموزه. وكأن ذلك علامة على اهتراء مشروع واندلاع آخر.

الأقليات الإسلامية

طول عقود ماضية كان الريف بالمرصاد. لم يكتفِ، وما كان له أن يكتفي، بنموذج فلاح الغوطة الذي يقدّم لأعيان «الشام» ما يلزمهم من ثمار للمربيات وأنواع المنتجات الحيوانية لتزين مائدة فطورهم العامرة. كان قد ورث أشكالاً مزمنة متعددة من المظالم لم يكن من المتوقع أن يحلها وجود بعض كبار ملاك الأراضي في نخبة الحكم، فهم أساساً جزء من المشكلة بوصفهم إقطاعيين. ومن جهة أخرى كان التعليم بدأ يصل إلى الأرياف التي أخذت تفيض كذلك هجرة إلى المدن وإقامة فيها وتردداً إليها، وخاصة إلى كلياتها العسكرية التي ستحمل أبناء الفئة/الطبقة الجديدة إلى السلطة، مدعومين ببناء سياسي حزبي أمّنه البعث الاشتراكي.

قيل الكثير عن صراعات أجنحة الجيش التي اتسمت بتطبّق المنابت المناطقية على نزوعات آيديولوجية ضمن تكتل، وشرح عديدون ظروف غلبة الضباط المتحدرين من أقليات إسلامية (علويين ودروزاً وإسماعيليين) على حكم البعث في الستينات، وصولاً إلى ما يُنظر إليه على أنه «التصفيات النهائية» بين العلويين، التي قادت حافظ الأسد إلى السلطة في ما عُرف بالحركة التصحيحية عام 1970.

بالمعنى الذي نقصده هنا لتصدّر الموجة لا نقتصر على الأبطال السلبيين أو الإيجابيين للمرحلة، ولا على ممثليها الرئيسيين، بل نشمل كثيراً من الفاعلين الثانويين وقطاعاً كبيراً من حشد الكومبارس. ولهذا نضم حتى المهزومين في الصراعات الداخلية، طالما حُفظت لهم أدوار شراكة جزئية في السلطات العسكرية والأمنية والإدارية، والأهم من ذلك ما دام النظام يعبّر عن مصالحهم الجماعية والطبقية، ويسير بالبلاد في الفضاء الثقافي العام الذي يؤمنون به.

هاجر كثير من الكتّاب المؤمنين بالحريات ليحتل مكاتبهم في المؤسسات والصحف الرسمية شعراء يساريون غاضبون يتحدرون من القرية نفسها التي أتى منها الضابط الذي قد يحقق معهم

فقد دفعت سلطة البعث إلى الأمام بالنزوع اليساري الذي صار هوية سوريا السياسية والعامة. ورغم تقادم هذه التوجهات اليسارية والابتعاد عنها بالتدريج عبر العقود، إلا أنها ما زالت الخزانة الآيديولوجية الأساسية التي يمكن السحب منها والاستناد إليها عند الحاجة، حتى وإن حلت روسيا محل الاتحاد السوفييتي، و«المؤامرة الغربية» مكان الإمبريالية، وإسرائيل موضع «الكيان الصهيوني»، واستبدلت المقاومة والممانعة بالكفاح المسلح.

في الهوية العامة أخلى اليسار الحازم مكانه لتقدمية مطاطة. وبالمعنى المخصّص للثقافة هاجر كثير من الكتّاب المؤمنين بالحريات ليحتل مكاتبهم في المؤسسات والصحف الرسمية شعراء يساريون غاضبون يتحدرون من القرية نفسها التي أتى منها الضابط الذي قد يحقق معهم. ومع شيوع عصر الدراما تحوّل نجوم المرحلة للكتابة فيها. وفي بلاد تغلب عليها النزعة المحافظة لم يكن من المألوف رؤية امرأة محجبة في أحد المسلسلات المعاصرة ما لم تكن أماً مكتهلة «درويشة»، تنهض عن السجادة وهي تدعو لابنها الخارج لملاقاة أصحابه في باب توما.

غير أن هذا الحي المختلط، العتيق المحدّث، لم يكن يتسع إلا لعدة آلاف من الشبان السوريين فقط!

أرياف العرب السنّة... والكرد

أخذت بوادر الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي تدخل من جديد في مطلع التسعينات، مع صدور حزمة قوانين استثمارية والإفراج عن عدد معقول من السجناء السياسيين وتخفيف القبضة الحديدية. غير أن الانفراج لم يبدُ قابلاً للتنفس إلا مع وفاة حافظ الأسد عام 2000 واستلام ابنه مصحوباً بوعود وآمال إصلاحية.

في عهد بشار وجدت بقايا الموجتين السابقتين طريقيهما للتشارك. كان أبناء أصحاب المعامل المؤممة والأراضي المستملكة قد رمموا قسطاً كبيراً من أعمال العائلة وبدؤوا يتقدمون فيه بحذر، وبالمقابل كان أولاد كبار مسؤولي البعث قد بلغوا سن الشباب، مدعومين بثروات كبيرة تراكمت من نهب القطاع العام، ومتمتعين بشبكة علاقات عليا تتيح استصدار القوانين والتراخيص والاستثناءات. ولم يكن عقد الزواج المؤقت بحاجة إلا إلى شيخ وشاهدين موثوقين، وتبرع الكثيرون للقيام بذلك.

نهضت المدن الرئيسية بعد ركود الثمانينات الكالح؛ وُقّعت العقود المجزية في دمشق وعمّت الورشات أحياء حلب ونشأت المعامل في ضواحيهما. مر العقد الرخيّ بسرعة؛ أمانةً سوريةً للتنمية وغرفةً لرجال الأعمال الشباب وأخرى لسيدات الأعمال من زوجات أو بنات هؤلاء. قنعت القاعدة العلوية بالحصة الممكنة من مخالفات البناء والتمييز الوظيفي. تأقلمت الأقليات الإسلامية الأخرى مع موقعها في منزلة بين المنزلتين وصبّت جهدها في سيرة عصامية من التعليم لحيازة مراكز وسطى. لكن الاحتقان أخذ يتجمّع في بيئات أخرى، حيث توفز النابض.

منذ التسعينات، ومع الألفية الجديدة بشكل أوضح، بدأت علامات التأهب تظهر في بيئتين متشابهتين متناقضتين، هما الأرياف العربية السنّية من جهة، وعموم الأكراد في أرجاء البلاد المختلفة من جهة أخرى.

لم يشارك الأكراد في مواسم المسلسل السابقة إلا كأفراد كان الكثير منهم يرجع إلى أصول كردية اسمية، مما لا يُشبع النزوع القومي الناهض والمحشو بمظلومية جلية الأركان. أما الأرياف العربية السنّية، وعلى الرغم من أنها أكثرية عددية، فكانت قد عادت من تجربة المشاركة في تركيبة الحكم بخيبة عميقة

في الحقيقة، لم يشارك الأكراد في مواسم المسلسل السابقة إلا كأفراد كان الكثير منهم يرجع إلى أصول كردية اسمية، مما لا يُشبع النزوع القومي الناهض والمحشو بمظلومية جلية الأركان. أما الأرياف العربية السنّية، وعلى الرغم من أنها أكثرية عددية، فكانت قد عادت من تجربة المشاركة في تركيبة الحكم بخيبة عميقة، نتيجة ضعف الوارد المتحصّل بهامشية المراكز الحكومية المحازة والعين المكسورة.

ومنذ سنوات بعيدة يمكن أن تلحظ، في الحياة السورية العامة، ضابطاً سنّياً يشكو قلة قيمته، طالباً ريفياً يحرص على تأمين بعثة دراسية لنيل الدكتوراه، تذمراً من الجفاف وسوء المحاصيل وأسعار البيع الإلزامي للقطاع العام، وأعداداً لا تكاد تنتهي من الرسامين والشعراء الأكراد، بحراك غني من النقاشات والحياة الحزبية. مظلوميات تتراكم يومياً ولا تقتصر على الحسكة ودير الزور والرقة وإدلب وأرياف حلب وحماة ودمشق.

كان ثمة ما يتجمع في الأفق، ولم يكن من المنطقي لهاتين الفئتين الشابتين إلا أن تدخلا المشهد. هذا ما يجب أن نلحظه، إلى جانب عوامل كثيرة، بينما نقرأ ما أتاحته لهما الثورة من قلب الطاولة المترهلة على الجميع، كلٌّ بطريقته.

فما يريده الأكراد يبدأ من نيل الحقوق الثقافية وحرية العمل الحزبي وينتهي بإنشاء دولة مستقلة، مروراً بحلول وسط لامركزية. أما ريفيو المناطق السنّية العربية فيركّزون، فضلاً عن مظالم محلية ووطنية معروفة، على قضايا الهوية ببعديها العربي والإسلامي، مما ينتج نزعة محافظة على الأقل، وربما يدفع إلى سبل متطرفة تتولد عن تفاعل نموذجَي صدام حسين وأسامة بن لادن، وهو ما شهدنا خلطته الانفجارية الأعلى تخصيباً؛ داعش.

أما ريفيو المناطق السنّية العربية فيركّزون، فضلاً عن مظالم محلية ووطنية معروفة، على قضايا الهوية ببعديها العربي والإسلامي، مما ينتج نزعة محافظة على الأقل، وربما يدفع إلى سبل متطرفة تتولد عن تفاعل نموذجَي صدام حسين وأسامة بن لادن

وإن كانت إشراطات الثورة، التي تُعلي بوضوح قيماً ديمقراطية حرة، تحدّ من ذلك.

 

احترازات

هذا المقال ليس دقيقاً، ولا يمكن له أن يكون، طالما أنه أناط بنفسه وضع ترسيمة موجاتٍ كبرى تشكلت من عشرات آلاف الأشخاص وذات حواضن مليونية. ومن البديهي أن هذه التيارات الواسعة ليست سبائك صافية من العناصر البشرية والتوجهات الأيديولوجية، لكن القصد هو الطابع الغالب. وتظل الصورة المقدّمة هنا سريعة وانطباعية وغير مكتملة، علّ الفرصة تتاح للعناية بها بشكل أفضل في المستقبل.

شارك برأيك