مئوية الليرة السورية

2020.01.07 | 16:48 دمشق

157528317281631300.jpg
+A
حجم الخط
-A

في مثل هذا اليوم من العام المنصرم، 1/1/2019، كان سعر الليرة السورية بالنسبة إلى الدولار ما يقارب 460 ليرة لكل دولار، وكان المواطن السوري يعاني من شظف العيش والقلّة حدّ الحرمان من أولويات الحياة إلاّ ما سدّ الرمق، وحتى هذا صار مصحوبًا بالمرارة ومكابدة المخاطر والجهد المضني من أجل تأمينه فيبتلعه الناس مع القهر لقمة فلقمة.

وكان متوسط الرواتب والأجور يعادل تقريبًا ستين دولارًا شهريًا في تلك الفترة، وهذا ليس متوسط دخل الفرد، بل متوسط دخل رب الأسرة لأن من الطبيعي أن الفرد لا يبقى طوال عمره مفردًا، بل سوف يصبح اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة، وما أدرانا، فلكل زوجين رؤيتهما ومشروعهما بالنسبة للأسرة علمًا بأن الحالة الراهنة تفرض على الجميع، إلاّ قلة قليلة ممن يمرون فوق الأزمات كلها باعتبارهم مسببيها بالدرجة الأولى، وباعتبارهم مليئين حدّ التخمة، منهم قبل الحرب ومنهم بفضل الحرب ومنهم المخضرم بالنسبة للثراء الفاحش الذي لا يأتي من التجارة الشريفة في بلداننا، بل من موارد أخرى كلنا يعرفها، وهي لا تتطلب مهارات خاصة أو تحصيل علمي فائق، تتطلب بالدرجة الأولى معرفة الشراكة مع السلطة وأصحاب النفوذ، وكيف تصبح القوانين والضمائر طوع البنان وتتحول الليرة الفقيرة المنتهكة التي يكاد الدولار يبتلعها بعد أن يعلكها كما يحلو له، إلى دولار بقدرة قادر، هذه القلّة فقط لا تنشغل بهموم الحياة وتدبير أمورها وليسوا

بعد الزيادة الأخيرة في الرواتب والأجور بقي متوسط دخل الفرد متدنيًا، بل صار أقل من العام الماضي أمام حمى وجنون الدولار الذي شارف على أن يساوي من الليرات السورية الألف

مهددين بالجوع والمرض والتشرد والبرد، فلديهم ما يضمن لهم ولذريتهم المتعاقبة ما يدفئهم حتى لو صار الكون صقيعًا، فلا تفرض عليهم الحالة الراهنة التفكير بمشروع غير مشروع الثروة وكيف يكثرونها ويبددونها.

اليوم، وبعد عام كامل، حفل بالكثير من الأحداث في سوريا وفي جوارها وفي المنطقة العربية خاصة المنطقة التي اصطلح على تسمية انتفاضات شعبها بالربيع العربي، ولا أدري لماذا تتلاشى التسمية بعد انطلاق الموجة الثانية من الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية، وحفل بكثير من الأحداث الإقليمية والدولية، بعد هذا العام والمقتلة السورية مازالت قائمة وتشريد الشعب وتهجيره إلى البراري تحت المطر والثلج والعواصف، وبعد الزيادة الأخيرة في الرواتب والأجور بقي متوسط دخل الفرد متدنيًا، بل صار أقل من العام الماضي أمام حمى وجنون الدولار الذي شارف على أن يساوي من الليرات السورية الألف.

ليست جردة حسابات، لكنها الذاكرة اللعينة التي لا ترحم صاحبها فتستدرجه إلى مطارح ملغومة بالحنين العدمي الذي لا يسمن ولا يغني، الذاكرة المشاغبة التي لا تكف عن محاصرة السوري بألاعيبها البهلوانية فترميه إلى قيعان اليأس والقنوط.

ومنذ مائة عام بالضبط، أي في العام 1919، طرحت أول ليرة سورية، كانت تستعمل في سوريا ولبنان، بعد إنشاء بنك سوريا في ذلك العام مع بداية الانتداب الفرنسي على المنطقة كنتيجة لنهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية العثمانية وتقاسم تركتها المنتهكة والمنهكة من قبل الرابحين في تلك الحرب. فكيف كانت رحلة الليرة السورية خلال الأعوام المائة الماضية، التي تغير فيها العالم ورسمت خرائطه عدة مرات وبادت خلاله إمبراطوريات ونهضت ممالك وانهارت غيرها، واتحدت دول وانقسمت أخرى وتناهب العالم أقطاب قوى تتصارع، وما زالت ووُضعت خلاله مواثيق دولية وأنشئت هيئات ومنظمات وتفجرت الثورة الرقمية وانفتح العالم على بعضه البعض، وما زالت الحروب تشتعل بين مكان وآخر في الكرة الأرضية، وما زال الموت يحصد الفقراء من شمال الأرض إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، وما زلنا نحن نراكم الهزائم تلو الأخرى ونبكي الأوطان ونبكي كل عام يمر، لكن ما استجد في مرثياتنا أنه أصبح لدينا مواقع تواصل ومنابر ذكية ننهمر عليها كل عام في أيامه الأخيرة ببكائياتنا وشتائمنا له وشتائمنا تجاه بعضنا البعض، وننهي معلقاتنا بتمنياتنا الطيبة لأخوتنا في الوطن وللإنسانية كلها بعام جديد مليء بالسعادة والأفراح، ثم نعود في اليوم الثاني إلى حياة الاستنقاع التي صارت منتهى الطموح للكثير الكثير منا؟

في الإصدار الأول، قبل مائة عام بالتمام والكمال كانت الليرة السورية تعادل عشرين فرنكًا فرنسيًا، واستمرت هكذا إلى العام 1924 عندما أصدر بنك سوريا ولبنان الكبير الليرة السورية اللبنانية، واستمر الوضع هكذا حتى العام 1937، انفصلت الليرة عن بعضها البعض وصارت ليرة سورية وأخرى لبنانية، لكنهما قابلتان للتداول في البلدين، لكن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وخروج فرنسا من سوريا وانهيار عملتها صارت الليرة السورية تعادل أكثر من خمسين فرنكًا فرنسيًا، إلى أن اعتمد الدولار في أواخر الأربعينات كوحدة نقدية معيارية تتم المعاملات التجارية والاستيراد والتصدير بموجبها، وكان الدولار يعادل 2,19 ليرة.

قام المصرف المركزي باعتماد سياسة سعر الصرف الثابت حيث قام بتسعير الدولار  3.65 مقابل الليرة في عام 1976، ومن بعد ذلك تم تعديل السعر حتى وصل إلى  11.25 ليرة للدولار الواحد في عام 1989 ثم أصبحت في التسعينات 48.5 ليرة للدولار الواحد، وبقي سعر الليرة بالنسبة إلى الدولار يتراوح في هذا الهامش، بين الخمس وأربعين والخمسين ليرة، ولم يكن الفارق كبيرًا بين سعر الصرف وسعر السوق السوداء كما تُدعى في سوريا حيث كانت محال الصرافة ممنوعة في العقود الماضية، إلى أن كان العام 2011 الذي انتفض فيه الشعب السوري في الكثير من مناطقه وتطورت الأحداث إلى ما آلت إليه اليوم، الأول من الشهر الأول من العام 2020، ليرى الشعب السوري بلاده مقطعة الأوصال ترفرف فوقها ألوان متعددة لرايات متنوعة، يُساق

اليوم سعر الدولار الحقيقي، كما هو في السوق السوداء وكما هي أسعار السلع كلها في الواقع، يقارب الألف ليرة، بينما سعر المصرف المركزي بقي راسخًا لم يتزحزح عن 438

شبابه إلى الحرب بدل أن يكونوا نواة الإنتاج والنهضة، ويرى حياته قد انحدرت في مستوياتها المعيشية والفكرية والقيمية والأخلاقية، وبيوته لم تعد عامرة بالأفراح، كما يدعون لبعضهم البعض، بل عامرة بالفقر والجوع، فيما لو بقيت ولم تطحنها آلة الحرب وتحيلها غبارًا.

اليوم سعر الدولار الحقيقي، كما هو في السوق السوداء وكما هي أسعار السلع كلها في الواقع، يقارب الألف ليرة، بينما سعر المصرف المركزي بقي راسخًا لم يتزحزح عن 438، كما أن الليرة اللبنانية التي انفصلت عن السورية منذ ذلك الحين مرت قبل توءمها السورية بهزات على مدى أكثر من خمسة عشر عامًا في حرب خسيسة كالتي تشهدها سوريا، وعادت اليوم بعد استقرار وهمي لتنزلق إلى مستويات خفيضة.

هذه حكاية الليرة خلال مائة عام. مرت الأعوام، وصارت أشكال كثيرة من النقد، الليرة السورية وأجزاؤها ومضاعفاتها، مثل ذكرى حارقة، منها ما يموت مع موت الأجيال التي تعاملت معه وماتت وهي تتحسر عليه، ودخلنا في السنة الجديدة التي تصنف بحسب العمليات الفلكية بأنها "كبيسة". أتمنى أن تكون رحيمة مع السوريين وكل الشعوب المقهورة.