سوريو فلسطين.. لحمي على الحيطان لحمك

2024.01.08 | 06:19 دمشق

ءؤر
+A
حجم الخط
-A

نكأت حرب غزة جراح السوريين فالمتشابهات تحولت لمتطابقات في عدالة المطلب وعناد الحق أمام القوة وعدد المقابر الجماعية وصمت القريب وفجارة البعيد وضيق الزمكان.

وفي الجنازة قرر قليلون التسابق والتفاضل ونقلوا العيون إلى ساحة جدال صفرية، ثم انحدرت الجدالات إلى الناقص السالب فصارت دون المنطق، وعبث المصابون باضطراب ثنائي القطب السياسي في الجدالات فشعبوها أكثر حتى استحالت لاقتتالات على أفضلية الحق ونصوعه. ما سبق يمثل نسبة لا تذكر، تجد من سعة الوقت قدرة على "التأكيس"، في حين تتناثر الحروف من قلوب الملايين عاجزة عن تشكيل مفردة واحدة تصف الجريمة الإسرائيلية في غزة وفلسطين، فلكل جثمان فلسطيني نسخة سورية تماثلها في ملامح الوجه البارد وعمق الجراح وتمزقاتها وتسريحة الشعر ومصفوفة الجَدّولة. تماثلها في اللباس واللغة ونبرة صراخ المحيطين الممزوجة بالألم والتحدي.

ويتسمّر سوريو فلسطين أمام الشاشات منتظرين بشارة من شرائط العواجل المستعجلة الحمر بلون ساقية الدم في ممر المستشفى، ويتنهد سوريو فلسطين مع كل قذيفة أخطأت الميركافا، ويكبرون مع كل واحدة أصابت، ويستنشقون دفعة كبيرة من الهواء مع كل طفل أخرجه المنقذون من تحت الركام، ويكزون على أصابعهم مع كل خذلان أمام المذبحة.

هذه التوأمة في البدايات والمصائر والتعقيدات والسياقات المشابهة لنبض القلوب صعوداً ونزولاً، تمزج الشعبين مزجاً كاملاً يقسّيه ضغط الجريمة وهول المذبحة وطرقات الصواريخ.

وجزء كبير من هذا الانتماء السوري لفلسطين والترقب للنهاية، هو تخوف من انتكاسة أخرى للحق، وتلهّف لانتصار آخر يحفّز الثوار وينشد للحرية ويذكّر من غَلَبهم اليأس أن الأيادي المضرجة دقت الباب مجدداً، وأن قوانين الفيزياء ستهزم، وأن الألوان المزركشة غابت عن تاريخ عدونا الأسود. هذا الترقب والتخوف هو ما استفز السوريين لمتابعة الموجة الثانية من الربيع العربي قبل خمس سنوات.

منذ أن قاتل السوريون بالأظافر ومنذ أن حلّق أطفال الأمس الناجون من المذابح السابقة فوق الجدار وتفجرت ينابيع الطوفان؛ أعادوا تعريف الشجاعة لا بأنها تجاوز للخوف بل بأنها تلاعب واستهزاء به، فقللوا من هيبة الموت، ورسموا بالغضب الواثق خريطة جديدة لكل العالم.

الانتقام البهلواني الإسرائيلي والأسدي أمام التصفيق الغربي والشرقي، محاولة لإيصاد بوابات التاريخ الذي كتبوه، ومحاولة للحفاظ على قوانين الفيزياء التي ترسخ وجودهم، القوانين التي برهن المناضلون بطلانها وأثبتوا عكسها، بأن الحق أثقل من القوة وأن الشمعة أكثر استطاعة من الشمس وأن صاحب الأرض لا تزحزه العاصفة بل يفقأ عينها، وأن عينه تفقأ المخرز، وأن الجثامين لن تصبح نفطاً بل بذرة.

هذا الخرق للفيزياء يتجسد في الـ "سوبر موم" عندما تدرك الأم أنها بدافع القهر والفطرة قادرة على رفع سيارة عن طفلها.

وهنالك بين أزقة وملاعب الطفولة تنسل أنت من جوف البناء المهدم، ببندقية وقاذف، تمسك الدنيا ألا تقع بكتف الأخمص وإصبع الزناد، تنده للموت، ويتشوه وجهك بالشظايا فيردم جراحك العرق والدم والتراب ويكسو وجهك البارود بلون فولاذي.

بمخزن وحشوة تقاتل وأنت تعلم أن ثقل الحرب تحمله أجساد الأطفال الضعيفة بين الجدران الهشة، ويتشعب دماغك في صراعين، أولهما سهل وهو صراع عدوك، وثانيهما قاتل مختبئ في قعر وعيك يتلاعب بمفاهيم الضمير والمسؤولية عما حدث، وأن المدينة المسحوقة خلفك هي نتاج شجاعتك أمام عدو أقوى منك، وأن قوانين الفيزياء يكتبها القوي كما يفعل بالتاريخ، وأن عدوك القذر لن يعاقبك بنفسك بل بأهلك.

هنا تذكر أن الرواية تميل تجاه العدالة تحت وطأة عنادك وتصلب ثأرك، ويهرب عدوك من أروقة التاريخ يشتم الأقلام الجديدة التي تخط بالكفاح حقيقة الفيزياء، ويختم الشهداء الظرف بالدم كي لا يتلاعب به أحد.

تذكر أن أولئك الذين يجرؤون على المقاومة يرثون الأرض، وأن شرارة تلهب بحراً، وأن نفخة تدب النار في جمرة، وأن همسات الحق أكثر دوياً من انفجار الصاروخ.

هذه تذكرة من سوري مرّ بما تمر به، ومرّ هو بما مر به السابقون منك، وأن منكم الدم ومنا دمنا وأن لحمك على الحيطان لحمي، وأن الشهداء ما كانوا يوماً النهاية.. هم البداية الضرورية المتجددة لجولات الصراع بين الحق والقوة.