رسالة إلى قريب من سوريا الأخرى

2024.03.21 | 03:54 دمشق

آخر تحديث: 21.03.2024 | 03:54 دمشق

رسالة إلى قريب من سوريا الأخرى
+A
حجم الخط
-A

خلال العام الأول من الثورة، وبعد اعتقال ابنتي وظهور موقفي العلني المناهض للنظام، واعتباره المسؤول الوحيد عن العنف الذي كان قد بدأ يغرق سوريا، ومطالبته بالرحيل سواء عبر بيانات شاركت بالتوقيع عليها، أو عبر كتابة مقالات صحفية، أو عبر منشوراتي على الفيسبوك، خلال تلك الفترة قاطعني كثر جدا من معارف وأصدقاء وأقارب لم أتخيل يوما أن موقفا سياسيا لي أو لهم يمكنه أن ينهي سنوات طويلة من الصداقة والمشاريع المشتركة وتفاصيل حياة متداخلة، لكن اتضح أنه منذ البداية كان الانقسام واضحا وحاسما ولا يوجد فيه أي مجال للمواربة، وهذا، للأمانة، كان متبادلا بيننا، أقصد أنا ومعارفي وأصدقائي وأقاربي المؤيدين للنظام. وفي نفس الوقت احتفظ بعضهم بشعرة معاوية بيني وبينهم، لم أرد أنا أيضا قطعها خشية أن يكون فهمي لموقفهم الصامت خاطئا فربما كانت شعرة معاوية معي هي محاولة لإفهامي موقفهم الصامت بسبب الخوف من الاعتقال أو القتل خصوصا في المحافظة التي أنتمي لها التي كانت منبعا للشبيحة وقتها.

مرت السنوات وحدث ما حدث في سوريا وانهزمت الثورة للأسف وانهزمت معها سوريا التي احتفظت بالأسد وعائلته واجهة لها بعد أن تم الاحتلال العسكري والاقتصادي والسياسي لسوريا من قبل دول عديدة ساهمت في تدمير البنية التحتية السورية، وتهجير السوريين فضلا عن قتلهم واحتلال أماكنهم وإجراء أكبر عملية تغيير ديموغرافي ممنهج في القرن الحادي والعشرين.

مع هذه المتغيرات بدأ سوريو الداخل يشعرون أن الانتصار الذي يتم التحدث عنه ضد المؤامرة الكونية انقلب وبالا عليهم، إذ رافقه شح في كل شيء، وانهيار اقتصادي كامل

في الوقت الذي تغيرت فيه المعادلة الاقتصادية السورية لصالح أسماء الأسد زوجة الرئيس وسيطرتها على كل المفاصل الاقتصادية في سوريا، بعد أن استطاعت سحب البساط بالكامل من تحت أقدام رامي مخلوف، المتحكم الوحيد بالاقتصاد السوري منذ استلام بشار الأسد للحكم. ومع هذه المتغيرات بدأ سوريو الداخل يشعرون أن الانتصار الذي يتم التحدث عنه ضد المؤامرة الكونية انقلب وبالا عليهم، إذ رافقه شح في كل شيء، وانهيار اقتصادي كامل وسيطرة للعصابات المحمية من قبل النظام والتي تأخذ الإتاوات من المواطنين لصالح زعيمة الاقتصاد السوري، وتسيد الفقر والفاقة والعوز والحاجة وسوء المعيشة وانهيار الطبقات الاجتماعية وظهور طبقة جديدة من أثرياء الحرب تدين بالولاء للعنف وسادته، ولا تحمل أية قيمة لا وطنية ولا أخلاقية، طبقة فاجرة في غناها وفاجرة في استعلائها على باقي السوريين وفاجرة في استعراضها لما تملكه أمام ملايين السوريين ممن لا يجدون لقمة عيشهم أو ممن يموتون من البرد والجوع حرفيا لا مجازا.

وكان كل ذلك سيبدو مقبولا للسوريين لو أن هذا (الانتصار) تكلل بحل سياسي ينهي مأساة المعتقلين وملف اللاجئين والمبعدين قسريا عن سوريا، لكن لا شيء من هذا حدث، (الانتصار) زاد في الخراب الداخلي السوري بحيث بقي حلما وحيدا لغالبية السوريين لاسيما من هم في سن الشباب: مغادرة سوريا بأية طريقة ونحو أية وجهة كانت.

أثناء هذا كان بعض أصدقائي القدماء وأقاربي يحاولون العودة للتواصل معي، بعد أن شعروا بزوال الخطر عنهم ربما، أو بعد أن اكتشفوا أن موقفهم كان لحماية النظام لا حماية سوريا كما كانوا يدعون. وأنا في المقابل عدت للتواصل مع بعضهم ممن لم أسمع عنهم موقفا متطرفا في الولاء للنظام أو في المساهمة في أذية أحد ما، وظلت مواقع التواصل هي الطريقة الوحيدة للتواصل بيننا محتفظين كل للآخر بقليل من الود أو بشعرة معاوية جديدة يمكنها أن تكون هي الصلة الوحيدة بيني وبين سوريا خلال الست سنوات الأخيرة.

قبل أيام تلقيت رسالة على البريد العشوائي من صديق قديم وقريب كنا قد قطعنا معا كل الصلات التي كانت بيننا، وكان قد حظرني سابقا على الفيسبوك، لكنه على ما يبدو قد أزال الحظر وأنشأ حسابا جديدا وأرسل لي منه رسالة تهئنة بمناسبة شهر رمضان (إيمانه هذا يبدو جديدا علي)، وسائلا عن أحوالي بقصد الاطمئنان عني، وخاتما رسالته بأن "الخلاف بيننا لا يجب أن يفسد للود قضية". احترت حقيقة الأمر هل أجيبه أم أتجاهل الرسالة، قررت أولا الدخول إلى صفحته لأعرف آخر أخباره فطالعتني في بداية الصفحة رسالة تهنئة منه لسيد وسيدة الياسمين بمناسبة الشهر الفضيل مرفقة بصورة لهما مع أولادهما وهم مبتسمون.

استفزتني الصورة حقيقة وقررت أن أحذف الرسالة وأحظره ثانية لكنني بعد قليل فكرت أنه من الأفضل أن أرسل له رأيي برسالته وبالود الذي تحدث عنه وكتبت له التالي: "السيد فلان، شكرا لك على رسالتك التي تأخرت عشرة أعوام على الأقل فأنا على حد علمي لم أرتكب في حقك أي خطأ يجعلك تهاجمني سابقا وتتهمني في أخلاقي، وتسيء إلى سمعتي واسمي وتاريخي كله ثم تحظرني كي لا أتمكن من الرد عليك، ثم أسمع أنك تطلق التهديدات بالقتل لو فكرت بالعودة إلي سوريا، وعلى حد علمي أيضا أنا لم أفعل الآن أو أقول ما يجعلك تتراجع عن كل شتائمك وتهديداتك ضدي وتعود للتواصل معي! لابأس يا سيد فلان، البشر تتغير وتتغير معها قناعاتها وخياراتها، ولكن يبدو أن ذلك لم يحدث بيننا، أنا مازلت محافظة على موقفي من النظام السوري، مازلت أطالب برحيله مازلت أراه سبب الخراب الأكبر في سوريا، مازلت أعتبره هو وعائلته وحاشيته مجرمين بحق السوريين وبحق البلد واقتصاده وحاضره وماضيه ومستقبله، لا شيء عندي تغير في رأيي هذا منذ أول لحظة وحتى الآن، وكما أرى من صفحتك أنك مازلت محتفظا برأيك ذاته، مازلت تراه وزوجته أسياد الوطن (أنا شخصيا لا أرى للوطن سيد سوى الشعب)، ومازلت تراه قدوة تصلح لحكم سوريا إلى الأبد، ومازلت لم تر فيه سببا واحدا لهذا الخراب الذي تعيش فيه سوريا والسوريون، وأنت منهم، إذا يا عزيزي عن أي ود نتحدث هنا وعن أي خلاف لن يفسد الود؟ هذا الود الذي لا يفسده خلاف يمكن الحفاظ عليه لو أننا كنا نعيش معا في سوريا، نتناقش حول الرؤية السياسية لنظام الحكم، نتناقش حول مسؤوليات النظام في إدارة البلد، نتناقش وربما نتعارك حول من الأجدر بحكم سوريا، خلاف يحدث في الدول الطبيعية ولن أقول: الديموقراطية فأنا أعرف كم تستفزك هذه الكلمة الجميلة.

ويحدث في المجتمعات المعافاة التي لا يعاقب فيها بالاعتقال أو الموت مواطن على ما يقوله، أما في حالتنا معا، فأنت يا عزيزي، تعيش في سوريا التي طردت أنا منها وأحرم من دخولها وأحرم من أوراقي الرسمية فيها، وأحرم من أي حق من حقوقي كمواطنة فيها، بينما أنت تتمتع بحرية الحركة والسفر والأوراق الرسمية لأنك ترفع رايات الولاء لمن حرمني مع ملايين من هذه الحقوق البسيطة. هل أنت مكتف ماديا يا عزيزي ولا تشعر ما يشعر به باقي السوريين داخل سوريا بالقهر والعجز والعوز بعد أن فقدوا كل شيء بما فيه فلذات أكبادهم وأزواجهم وأخوتهم وآباؤهم في سبيل الحفاظ على صورة العائلة المبتسمة التي تضعها على صفحتك، هل سألت نفسك كيف لعائلة جعلت كل بيئتها حطبا لبقائها وساهمت في وضع أجيال من تلك البيئة تحت التراب، وحولت سوريا خلال خمس سنوات إلى مكان لا يصلح لعيش البشر، هل سألت نفسك كيف يمكن لعائلة كهذه أن تبتسم وأفرادها يرتدون أفخر الملابس ويتمتعون بالوفرة والصحة بينما يموت سوريون يوميا من الجوع والبرد والقهر؟ أجزم أنك لا تسأل سؤالا كهذا، هذا سؤال يحتاج إلى ضمير صاح، وللأسف ضميرك مات منذ أول تهديد أوصلته لي في منتصف 2011 إن لم أعتذر عن موقفي من الثورة وقتها.

هل تعرف يا عزيزي ماذا يحدث في غزة؟ وهل تعرف أن رئيسك المنتصر المقاوم اعتقل قبل شهرين شبابا فلسطينيين متضامنين مع غزة من قلب دمشق واختفوا من دون أن يعرف أحد عنهم شيئا؟

طبعا لم أعتذر ولن أعتذر وأنت تعرفني جيدا وتعرف أنني لن أفعل هذا، فعن أي خلاف تتحدث هنا وعن أي ود؟ كنت سأفكر بهذا الود لو أنني لمست منك تغيرا في موقفك قليلا، أو في فهمك لما حدث ويحدث، أو في تراجعك عن ربط الوطن بالنظام أو بالمذهب ورؤيته كوطن سيد يرتبط بشعبه كله لا بفئات منه تجتمع على شيء واحد هو الولاء الأعمى لحاكم  صوري مجرم ومختل ترونه منتصرا دون أن تسألوا عن ثمن هذا الانتصار الذي يجعل كلاً من روسيا وإيران وأميركا وتركيا تتقاسم سوريا، وتتصرف بمجتمعها وبتركيبتها الديموغرافية دون أن يتجرأ القائد المنتصر على الاعتراض، أو يجعل من إسرائيل تستبيح سماء وأرض سوريا يوميا وتقصف وتقتل مدنيين سوريين أبرياء دون أن يتجرأ القائد المنتصر البطل على الرد مرة واحدة عليها حفاظا على ماء وجهه وسمعته كنصير للمقاومة ضد العدو الصهيوني! هل تعرف يا عزيزي ماذا يحدث في غزة؟ وهل تعرف أن رئيسك المنتصر المقاوم اعتقل قبل شهرين شبابا فلسطينيين متضامنين مع غزة من قلب دمشق واختفوا دون أن يعرف أحد عنهم شيئا؟

نحن مختلفان جدا يا عزيزي، وخلافنا بات أكثر تجذرا وعمقا، لأنه تطور مع تطور الحدث السوري وتعمق معه، حبل الود مقطوع تماما وقضايا الود مرتبطة عندي بقضايا أخلاقية وإنسانية عميقة وليست مجرد خلاف سياسي كما تحاول الإشارة. شكرا لك على المحاولة لكن عندي لم يتغير شيء وكذلك عندك كما يبدو لي، ووطني مختلف كليا عن وطنك، أما ما جمعنا معا يوما فقد تدمر وتناثر مع الغبار حينما ألقى قائدك المنتصر برميلا متفجرا عليه".