الكارثة السورية في غياب مؤسسات الدولة

2023.02.12 | 05:57 دمشق

الكارثة السورية في غياب مؤسسات الدولة
+A
حجم الخط
-A

ضرب زلزال فجر يوم الإثنين السادس من شباط الحالي أجزاءً واسعة من تركيا وسوريا، ما إن مرت ساعات على استيعاب الكارثة، حتى تبين حجم الدمار الذي استخدم الرئيس التركي ومنظمة آفاد التركية العديد من التوصيفات له، ككارثة القرن، أو الأشد فتكاً بين الزلازل التي ضربت منطقة الأناضول منذ ألفي عام.

تنقلنا هذه التوصيفات من قبل الدولة التركية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي ظهر في المناطق المنكوبة، مثل كهرمان مرعش مركز الزلزال، وأيضاً في ولاية غازي عنتاب المنكوبة، وهو يتفقد الناجين، ويعدهم بالتعويض المادي، والإيواء السريع ضمن خطة إعادة إعمار، وأيضاً ظهرَ وهو يتفقد أعمال الإنقاذ ومخيمات الناجين، بعد أن رفعت الدولة التركية مستوى الإنذار للرابع حيث استدعت مساعدات الدول، فتوافدت فرق الإنقاذ والإغاثة الدولية إلى تركيا.

هنا برزت أهمية الدولة كمفهوم مكتمل من احتكار العنف المشروع، واحتكار التشريع، وأيضاً السيادة الكاملة عبر مؤسسات الدولة، التي تشكل مكونات رئيسية للدولة في الأوضاع الطبيعية والكارثية، فأصدر البرلمان التركي قانون الطوارئ من أجل تفادي استغلال الأزمة من قبل تجار الأزمات، والمرابين، ومستغلي الفوضى.

فاقم من الأزمة الإنسانية في المناطق المتضررة في الشمال السوري، والتي تقع تحت سيطرة المعارضة، بطء التجاوب الأممي مع الكارثة

بينما برزت على الجانب السوري مشكلات عديدة ناجمة عن غياب مؤسسات الدولة في إدارة مثل هكذا أزمات وكوارث، واتضح بعد حضور بشار الأسد أولى اجتماعات مجلسه الوزاري، وقد بدا ضاحكاً مستبشراً بالضغط من أجل إيقاف قانون قيصر الذي فرض العقوبات على النظام، والتي لا تشمل الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية والإغاثية للسوريين المنكوبين، فالعقوبات مفروضة على الأسد ونظامه من أجل منعه من الحصول على مزيد من الأسلحة لقتل السوريين.

فاقم من الأزمة الإنسانية في المناطق المتضررة في الشمال السوري، والتي تقع تحت سيطرة المعارضة، بطء التجاوب الأممي مع الكارثة، بشكل بدا فيه كأنه لم تتطرق عشرات المؤتمرات التي ناقشت الأوضاع في المناطق السورية المحررة من سطوة النظام لمثل هكذا موقف، فقد ظهر أنطونيو غوتيرش الأمين العام للأمم المتحدة بعد مضي ٨٠ ساعة على الزلزال ليقول: "حان الوقت لاستكشاف جميع السبل الممكنة لإيصال المساعدات لجميع المناطق".

الاستجابة البطيئة التي عبرت عنها الأمم المتحدة في مساعدة السوريين في الشمال السوري، بالإضافة لعدم تضمين المساعدات لأي معدات ثقيلة تساعد السوريين على انتشال ضحايا الزلزال أحياء كانوا أم أموات، بعد قضائهم أياماً هي الأبرد ضمن موجة برد وثلوج تضرب المنطقة، لا يمكن أن يتم فهمه خارج التورط الأممي والتقصير الأممي تجاه الشعب السوري، الذي أرهقته وأرهقت مبانيه آلاف الأطنان من البراميل المتفجرة التي أسقطها النظام السوري على رؤوس مواطنيه، ومبانيهم خلال سنوات، لكن ذلك لم يرسل ببشار الأسد لأيٍّ من المحاكم الدولية بل على العكس يتم طرح خطط إعادة تأهيله دولياً من قبل حلفائه.

تعالت الأصوات المطالبة برفع العقوبات عن النظام السوري، تلك الأصوات نفسها التي لم تعل في فضح البراميل المتفجرة، والمقابر الجماعية، والمجازر والمعتقلات الأسدية في سوريا، والتي أضعفها النظام السوري عبر التحالف مع احتلالات الأرض التي استجلبها على أراضيه من أجل ضمان استمراريته، حتى ولو بشكل منزوع السيادة، فقد كان الأهم لدى نظام الديكتاتور عدم الامتثال للإرادة السورية الشعبية برحيله.

أمام كل الخسائر في الأرواح والوضع الكارثي الإنساني في الشمال السوري، أصدر النظام قوانين تقيد دخول أي مساعدات من المناطق الأقل تضرراً، والتي تقع تحت سيطرته إلى المناطق المنكوبة، وسط حالة غضب من السوريين الذين استهجنوا عملية خضوع مساعدتهم لأهلهم في تلك المناطق لقنوات النظام الأمنية واللوجستية التي فقدوا ثقتهم بها، عبر تجاربهم معها في أعقاب الثورة السورية، وما قامت به من عمليات تعفيش للبيوت والممتلكات التي كانت تقع تحت سيطرتهم، وتم فضح كثير من عمليات السطو على المساعدات التي سُمِحَ بإدخالها.

السوري المنكوب اليوم سواء في مناطق النظام أو المعارضة أو على الجانب التركي أو في المهجر، أمام ممارسات النظام التي لم تكن صادمة لَه، فالنظام الذي قتل نصف مليون من شعبه، وهجر الملايين، يبدو في حالة انتفاع سياسي ومادي من الزلزال، ففساد الأسد والمنظمات التابعة لزوجته أسماء الأسد، وفي أحيان كثيرة بالتعاون المفضوح مع عاملين في منظمات دولية أكبر الموانع لوصول المساعدات لمستحقيها.

هذا النظام لن يكف عن كونه خصم السوريين، ومعيقاً أمام نهضتهم، وبنائهم مؤسسات دولة تنتشلهم من ويلات الأزمات، كذلك لن يتوقف عن كونه عبئاً وضرراً مستمراً على الشعب السوري

تحت واقع الممارسات الانتفاعية لنظام الأسد، وفي ظل بطء معالجة الكارثة الإنسانية التي حلت بالسوريين، والتحذيرات التي يطلقها أطباء بلا حدود من تفشي الأمراض الفتاكة بين الناجين، كذلك التحذيرات من حدوث مجاعة بسبب بطء التجاوب مع  الاحتياجات الأساسية  للمناطق المنكوبة،  يبرز للعلن التساؤل حول جدوى المنظمات الدولية في المناطق الشبيهة بسوريا، والتي تعاني من مضاعفات الحرب والوباء وتسلّط تجار الحروب، وتسلُّط الدول ذات الطموح بالتمدد للمياه الدافئة، والسيطرة على مقدرات السوري، كذلك مدى الحاجة لتحسين النظام الدولي والعالمي، الذي تذكر مثل هذه الكوارث بمقدار ترهله، وتجاوبه المشروط بالقوة في كثير من الحالات الإنسانية التي يقع ضحيتها إحدى الشعوب الواقعة تحت سطوة دول الفيتو أو حلفائها مثل دولة الاحتلال الإسرائيلي.

كل ذلك أيضاً يحيلنا لتساؤل آخر حول غياب مؤسسات الدولة في الجانب السوري، ومعنى وجود نظام بلا سيادة تحركه الدول الحليفة له كحجر على رقعة ألاعيبها الدولية، فتساوم بهِ على ملفات النووي والطاقة وفلسطين وغيرها، في حين يقف منتفعاً في غياب المؤسسات من فتات المساعدات الإنسانية،  ويمنع وصولها إلى المستحقين، هذا النظام لن يكف عن كونه خصم السوريين، ومعيقاً أمام نهضتهم، وبنائهم مؤسسات دولة تنتشلهم من ويلات الأزمات، كذلك لن يتوقف عن كونه عبئاً وضرراً مستمراً على الشعب السوري، في كل أماكن وجوده حيث تعمّق شعور السوري باليتم العالمي، حين يرى أن معبر باب الهوى فُتِح أمام قوافل جنازات السوريين ضحايا الزلزال الذين وجدوا في تركيا، قبل أن يكون جسراً ومعبر حياة يعيدهم لوطنهم بكرامة  أحياء.