icon
التغطية الحية

الجنسية التركية وتعديل الشهادات حجرتا عثرة أمام مؤهلين سوريين لمزاولة مهنهم

2022.09.11 | 06:11 دمشق

طبيب سوري
عيادة طبيب أسنان سوري في تركيا - إسطنبول
+A
حجم الخط
-A

على مدار أحد عشر عاماً خلّفت الحرب الدائرة في سوريا 13 مليون مهجّر بين لاجئ ونازح داخلي - وفقاً لموقع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين- وسعياً لكسب العيش اضطر المهجرون إلى العمل ضمن ظروف وأحكام غير مألوفة أجبروا على مواءمتها والخضوع لها.

وفي تركيا التي حظيت بالنصيب الأكبر من أعداد اللاجئين السوريين حول العالم -ما يقارب 3.65 مليون لاجئ بحسب بيانات إدارة الهجرة التركية- تواجه فئة من السوريين المؤهلين علمياً قوانين تمنعهم من ممارسة مهنهم من خلال فرض شروط بعضها قابل للتحقيق كتعديل شهادتهم وبعضها الآخر خارج عن نطاق سيطرتهم وإرادتهم كشرط امتلاكهم للجنسية التركية لممارسة مهنهم، ما وضع العديد منهم في حالة التجميد المهني ودفع آخرين للتلاعب على القوانين التي لا تتلاءم مع حالتهم الاستثنائية وهجرتم القسرية.

عامر (اسم مستعار) هو طبيب أسنان سوري في عقده الخامس، رفض الكشف عن اسمه الحقيقي خوفاً من الملاحقات القانونية على حد قوله، يعمل عامر ضمن عيادته الخاصة في غازي عنتاب من دون الإفصاح عن ذلك بشكل رسمي، فرغم تخرّجه في كلية طب الأسنان بجامعة حلب وخبرته التي تتجاوز العشرين عاماً لا يحق له مزاولة مهنته في تركيا لسببين: أولهما جنسيته السورية والثاني حاجته لتعديل شهادته.

تحت عنوان "المهن المحصورة بالمواطنين الأتراك"، تشير وزارة العمل والضمان الاجتماعي على موقعها الإلكتروني إلى المهن التي يسمح لحاملي الجنسية التركية فقط بمزاولتها مع الإشارة إلى القوانين المستند عليها لحصر كل من تلك المهن بالأتراك فقط.

وتتضمن القائمة عشرة أقسام تشمل مهناً متعددة هي: طب الأسنان ورعاية المرضى، الصيدلة، الطب البيطري، إدارة المستشفيات الخاصة، المحاماة، كاتب العدل، ضابط الأمن الخاص، تصدير الأسماك وبعض المنتجات البحرية، قيادة السفن ومهن أخرى متعلقة بالملاحة البحرية، بالإضافة إلى الاستشارات الجمركية والإرشاد السياحي.

 المهن المحصورة بالمواطنين الأتراك -  موقع  وزارة العمل والضمان الاجتماعي

طبيب أسنان متخف

يقول عامر إنه كشخص تعدّى عقده الرابع ولا يتقن العمل في مهنة أخرى غير طب الأسنان، قرّر افتتاح عيادته الخاصة واستعان بطبيب أسنان شاب خريج حديثاً من إحدى الجامعات التركية وحامل للجنسية للقيام بإجراءات الترخيص على اسمه مقابل مبلغ مالي شهري، فيما يمارس عامر مهنته في العيادة نفسها دون تصاريح وأذونات رسمية.

وعن أسباب عدم إقدامه على تعديل شهادته يقول عامر: إن التعديل يحتاج لتفرّغ طويل لن يستطيع أن يحققه خاصة أنه المعيل الوحيد والأساسي لأسرته، كما أنه لن يستطيع مزاولة مهنته كطبيب أسنان دون الحصول على الجنسية التركية بكل الأحوال.

مجازفة حقيقية

تتفق نور الصيدلانية السورية المقيمة في مدينة إسكي شهير مع عامر على صعوبة امتحان التعديل، خاصة أنه يعتمد على معلومات نظرية ضخمة ويحتاج إلى التحضير والتفرّغ لفترة طويلة ولكنها اختلفت معه بالتعامل مع هذه المسألة.

ففي حديثها لموقع تلفزيون سوريا تقول نور إنها وعلى الرغم من جنسيتها السورية قرّرت خوض رحلة التعديل والقضاء على العثرة الأولى في طريق مزاولتها لمهنتها، أما العثرة الثانية وهي الجنسية التركية فقد تركتها للحظ على حد قولها آملة بأن تتسنى لها فرصة الحصول عليها لاحقاً خاصة مع غياب قوانين واضحة للتجنيس الاستثنائي، الذي وضع نور في مجازفة حقيقية فإما أن تكسب الرهان وتحصل على الجنسية أو لا تحظى بها فتضيع السنوات التي ستقضيها في التعديل هباء.

في منتصف عام 2016، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطابه ضمن برنامج إفطار في مدينة كلّس جنوبي تركيا، بدء العمل على منح الجنسية للمهاجرين السوريين في تركيا وعن تخصيص مكاتب أنشأتها وزارة الداخلية لمتابعة الإجراءات، وغابت عن التصريحات الرسمية حتى اليوم أية معايير واضحة للأشخاص الذين يستحقون هذه الجنسية أو آلية التقدّم لها، فيما يتلقى الأشخاص المستحقون لها دعوة من إدارة الهجرة عبر رسائل نصية للتقدم بالأوراق المطلوبة لدراسة ملفاتهم التي يمكن أن ترفض أو تقبل تبعاً لنتائج التقييم كما قد تستمر عملية التقييم عدة سنوات.

وعن عدد السوريين المجنسين صرّح وزير الداخلية سليمان صويلو في لقائه مع قناة NTV التركية، الشهر الماضي، بأن عددهم بلغ 210 آلاف مجنس.

نور كسبت الرهان وحصلت على الجنسية التركية الاستثنائية فور تخطيها مرحلة التعديل وأصبحت قادرة على مزاولة مهنتها بشكل قانوني بعد اجتيازها لمرحلة بالغة الصعوبة على حد قولها، خاصة وأنها أم لثلاثة أطفال، فيما لم يحالف الحظ صديقتها التي اجتازت امتحان تعديل الشهادة ولكن لم تحصل على الجنسية التركية ما ضرب هذا النجاح عرض الحائط وجعلها مؤهلة مع وقف التنفيذ.

تعديل الشهادات في تركيا

توضيحاً لعملية التعديل يقول المستشار التعليمي في تركيا علي نبهان لـ موقع تلفزيون سوريا، إن عملية معادلة الشهادة في تركيا أو كما تسمى باللغة التركية "Denklik" تتم في مؤسسة التعليم العالي التركية في أنقرة.

ويضيف أن الهدف منها هو التأكّد من صحة الشهادة الجامعية من البلد المصدر، حيث تقوم مؤسسة التعليم العالي بالتواصل مع الجامعة المعنية، والتأكد من صحة الشهادة والمعدّل المسجل عليها، وبعد ثبوت صحتها يخضع المتقدم للتعديل لامتحان شامل باختصاصه، وعلى موجبه يُعطى ورقة المعادلة المسماة بـ"دينكليك".

اقرأ أيضاً.. بحجة تعديل شهادتهم الطبية.. محتال يتقاضى أموالاً من أطباء سوريين في تركيا

وبحسب نبهان فإنّ امتحان التعديل يُقام مرتين في السنة بالعاصمة أنقرة لكل الأقسام والفروع الجامعية تقريباً، ويشير إلى أن مجلس التعليم العالي في أنقرة لا يقبل تعديل شهادات المعاهد التي مدة دراستها سنتان.

الجنسية والشهادة التركيتان معاً.. ميزة تنافسية للسوريين في سوق العمل

في ظل غياب الجنسية التركية والشهادة المعدلة وما يرافقهما من محدودية في فرص العمل وانعدامها أحياناً، يعتبر السوريون المجنسون في تركيا وخريجو جامعاتها أكثر طلباً في سوق العمل، فمع شهاداتهم المعترف بها في تركيا لم يواجه السوريون من خريجي الجامعات التركية مشكلة التعديل بل إن دراستهم في الجامعات التركية كانت سبباً لحصول الكثيرين منهم على الجنسية التركية فاكتسبوا تكوينة خاصة تجمع النطق بالعربية والجنسية التركية والشهادة المعترف بها، ما فتح لهم آفاقاً ومنحهم ميزة تنافسية عن غيرهم.

وتؤكد على ذلك بديعة (27 عاماً) طبيبة الأسنان التي درست وتخرجت من جامعة غازي عنتاب، إذ تقول لموقع تلفزيون سوريا إنها تعتقد بأن  قيدها في الجامعة هو السبب الرئيسي لحصولها على الجنسية التركية الاستثنائية، خاصة أنها تلقت دعوة التقدم للتجنيس تزامناً مع دعوة زملائها في الجامعة.

وعن المزايا التنافسية لحملة الشهادات التركية والجنسية التركية من أطباء الأسنان السوريين توضح بديعة أن وجود أعداد كبيرة من السوريين في تركيا يخلق الطلب على الخدمات الصحية من قبل السوريين وغالباً ما يفضل المرضى أن يكون مقدم الرعاية الصحية من متحدثي اللغة العربية لسهولة التواصل، كما أن وجودها كطبيبة أسنان ناطقة باللغة العربية في عيادة مرخصة باسمها وعلنية، فضلاً عن فوائده التسويقية يزيد ثقة المرضى بها ويساعد في الإقبال عليها على حد قولها.

جاء في بيان صادر عن وزارة التربية الوطنية التركية، حزيران 2021، أن عدد الطلاب السوريين الذين يدرسون في الجامعات خلال العام الدراسي 2021-2022 بلغ 48192 طالباً، ورغم غياب تصريحات رسمية تؤكد ذلك يحظى طلاب الجامعات بفرص أعلى للتجنيس فغالباً ما يتلقون رسائل الدعوة لتقديم ملفاتهم بعد التسجيل في الجامعة.

مهن محصورة بالأتراك غير معلنة

حتى مع عموم الحالة لا يشترط أن يتلقى جميع الطلاب السوريين من رواد الجامعات التركية دعوة للتجنيس، فـ جود (20) عاماً ارتادت معهد الترميم المعماري التابع لجامعة سلجوق في قونيا وتخرجت منه دون الحصول على الجنسية.

وعلى الرغم من أن تخصصها لا يندرج ضمن قائمة التخصصات المحصورة بأصحاب الجنسية التركية إلا أنه ينحصر بالمجنسين فقط بشكل غير مباشر، فتقول جود في حديثها لموقع تلفزيون سوريا إن هذه المشكلة توضحت لها عندما كانت تسعى للتدريب العملي قبل التخرج فكانت ترفض مباشرة في بعض مؤسسات القطاع الخاص وترفض في بعضها الآخر بعد جوابها بالنفي على سؤال "هل تحملين الجنسية التركية"، وبعد فقد الأمل من مؤسسات القطاع الخاص حاولت جود التقدم في البلدية وباءت محاولتها في الفشل على الرغم من قبول حاملي الجنسية التركية مباشرة على حد قولها.

رغم عدم ذكرها ضمن قائمة المهن الممنوعة على الأجانب تنحصر الكثير من المهن بشكل أو بآخر في القطاع الحكومي الذي لا يسمح للأجانب التقدم إليه، فتقول جود إنها بعد التخرج لم تستطع الحصول على فرصة عمل، فهي كسورية غير مجنسة لا تملك الحق بالتقدم للوظائف الحكومية ما يفقدها فرصاً مهمة في العمل بتخصصها على اعتبار أن القطاع الحكومي هو الأنشط والأكبر في مجال الترميم المعماري.

في حوار له مع تلفزيون سوريا يوضح المحامي سليمان كورت نائب رئيس جمعية حقوق اللاجئين الدوليين بأن حصر بعض المهن بالمواطنين الأتراك هو إجراء مطبق، منذ عام 1970، وهو معنى بجميع الأجانب وليس السوريين فقط، ويتم تنظيم هذه المهن من خلال "القانون رقم 2007" بشأن المهن والخدمات المخصصة للمواطنين الأتراك في تركيا.

ويقول كورت إنه بينما يحصر هذا القانون مجموعات مهنية محدودة بالأتراك، تبقى المهن الأخرى حرة ولا تخضع لأية قيود.

حق العمل هو حق أساسي من حقوق الانسان تشير إليه المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ووفقاً لهذه المادة "لكل شخص الحق في العمل، وفي حرِّية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومُرضية، وفي الحماية من البطالة"، تقييد هذا الحق بأمور خارج سيطرة الراغبين في العمل تحرم الكفاءات وتجمدها وتجعل السوريين عرضة للبطالة الإلزامية.

 

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من "JHR" صحفيون من أجل حقوق الإنسان.