ما تطلبه الثورة من مقاتليها في إدلب

مع إعلان النظام وحلفائه انطلاق المعركة عادت إلى الأذهان سيناريوهات تكررت خلال السنوات الماضية، وأدت إلى تراجع كبير في مساحة الأراضي المحررة وخسارة مناطق ذات أهمية بشرية ورمزية عالية، كحلب والغوطة ودرعا.

ومع النتائج الأولى لهذه المعركة في ريف حماة الشمالي، بسقوط كفرنبودة وقلعة المضيق وقرى أخرى، انطلقت ردات الفعل التي انتشرت مع كل معركة مما سبق ذكره، وتتسم بالتلاطم والتلاوم والصياح في كل اتجاه، كما يليق بمهجّرين مذعورين قلقين على نجاة أنفسهم وأمان عائلاتهم من وطأة ضربات ثقيلة. وكما يحدث في كل مرة: لم يعد لشتم الأسد والإيرانيين والروس معنى يروي الغليل ولكن لا بأس، لا بد من شتمهم من باب الواجب والتذكير بالحقيقة، لنصل إلى اللعنات التي تنطلق ملء الفم و«تبرّد القلب». نكيل السباب للعالم الذي «تخلى عنا»، نسخر من «أصدقاء سوريا»، نشك في الضامن التركي لمناطق خفض التصعيد، نتلقف «تحليلات» أو نؤلفها عن اتفاقات تحت الطاولة لتبادل السيطرة على المدن. غير أن أشد ما نملكه من لوم، متضمناً أقسى السباب والتخوين، يتوجّه إلى أعضاء فريقنا نفسه؛ هيئة التفاوض... الائتلاف... فصائل الجيش الحر من قادات ومقاتلين... قوات درع الفرات.... هيئة تحرير الشام/جبهة النصرة...

بالمقابل، يملك العسكريون حججهم، وهي متكررة كذلك؛ فسياسة الأرض المحروقة لا تقاوَم، مع الخلل الكبير في ميزان القوى بوجود الطيران والصواريخ والفصائل الأجنبية المدربة جيداً والمستندة إلى وفرة في التسليح والذخيرة. ويضيف قادة معاركنا المنسحبون، في الغالب، لوماً على فصائل أخرى لم تشارك أو تنسّق كما ينبغي، مما جعل فصيل المتحدث وحيداً أو مكشوف الظهر... وهكذا كل مرة!!

لم يعد هذا الكلام كافياً في حقيقة الأمر. صحيح أن أهل الثورة مكلومون ومنفعلون تحت الأشجار بعد أن غصت بهم مراكز الإيواء والمخيمات، لكنهم يعرفون هذه الفروق وقد ذاقوها بأنفسهم وخربت بيوتهم. ومع ذلك فإن لديهم ما يقولونه للفصائل، وهو كثير جداً.

لم يعد هذا الكلام كافياً في حقيقة الأمر. صحيح أن أهل الثورة مكلومون ومنفعلون تحت الأشجار بعد أن غصت بهم مراكز الإيواء والمخيمات، لكنهم يعرفون هذه الفروق وقد ذاقوها بأنفسهم وخربت بيوتهم. ومع ذلك فإن لديهم ما يقولونه للفصائل، وهو كثير جداً.

يصعب ترتيب سجل اللوم، لكنه قد يبدأ من شعور الطمأنينة الذي دأبت القوى في المناطق المحررة على بثه بين السكان، سواء أكانت من بقايا الجيش الحر أو من الفصائل الإسلامية أو الوسطية. لم تحصل معركة بعد مقدمات مجهولة، ففرق التسليح النوعي معروف وواضح، ورغم ذلك اعتدنا على سماع تطمينات القادة، سواء أكانوا ضباطاً منشقين أم «أبوات» جهاديين، قبيل المعركة، بأنهم أعدّوا العدة وجهزوا التحصينات وخبّأوا المفاجآت واستنفروا الصفوف. وربما صوحب ذلك باستعراض عسكري مقنع نسبياً أو أنه، على الأقل، يتيح مجالاً لمن شاء أن يصدّق، وهم كثيرون: أولئك الذين لا يرغبون أن يُشرّدوا من بيوتهم أو من «المنتزحات» بعد أن شُرّدوا سابقاً، ونحن، جمهور الثورة في الخارج، البعيد عن الأرض بحساسيتها ومعطياتها، ليتعلق بقشة أمل لا يريد أن يراها واهية.

لا يقتصر الأمر على ما قبل المعركة، فالأخطر ما قد يحدث أثناءها من انقطاع التواصل وبقاء السكان في البيوت والملاجئ لا يعلمون شيئاً عما يجري في الخارج حتى حطّت قوات الأسد عليهم كما جرى في الغوطة، أو انفراط عقد الجبهات والتحالفات ودخول كل فصيل أو بلدة في اتفاق تسوية منفرد غامض البنود، مع النظام أو الروس، كما حصل في درعا.

لا يمتلك أهل الثورة «حقاً قانونياً» يقاضون به مقاتليهم، بالمعنى الذي يترتب فيه على الجيوش النظامية الدفاع عن مجتمعاتها مقابل القسَم الرسمي والراتب الحكومي، لكنهم يملكون عليهم حقوقاً أكبر بكثير، فهم أهلٌ وأولاد وعمومة، وقد تحمّل الناس كثيراً مراهقة الأبناء واعتدادهم وحواجزهم وفرض رؤاهم ونظمهم المتضاربة على المجتمع، بل حتى اقتتالهم ضمن القرى والبلدات. صحيح أن السكان لا يدفعون للمقاتلين من حصيلة أموال الضرائب، على ما جرى قول مستورد، لكنهم يدفعون لهم أكثر بكثير، إنهم يمنحونهم الثقة لحماية المركب الواحد وغالباً لقيادته. وذلك فضلاً عن أن هذه الفصائل استخدمت كل ما سيطرت عليه من الموارد العامة لتمويل نفسها، عيشاً وتسليحاً، من النفط وحتى الأشجار، مروراً بسكة القطار وتمديدات الكهرباء النحاسية وأبراج الاتصالات، بالإضافة إلى ما تحصل عليه من تمويلات، كبيرة أو صغيرة، باسم هؤلاء السكان أنفسهم وقضيتهم.

لا يمتلك أهل الثورة «حقاً قانونياً» يقاضون به مقاتليهم، بالمعنى الذي يترتب فيه على الجيوش النظامية الدفاع عن مجتمعاتها مقابل القسَم الرسمي والراتب الحكومي، لكنهم يملكون عليهم حقوقاً أكبر بكثير، فهم أهلٌ وأولاد وعمومة

ولذلك كله لا يغفر الناس أن يروا مدنهم وقراهم تتهاوى فجأة، وسط صمت القائد الذي وعدهم بالصمود أو اختفائه، ثم يشاهدوا تسجيلاً مسرّباً له من أحد مطاعم تركيا أو ملاهيها بعد أشهر!

وهنا قد يفيد أن نستذكر تجربة أحد المتعاطفين السوريين مع داعش. كان محامياً مهاجراً إلى أوروبا، سليطاً على الثورة وجمهورها، وحذراً من التبعات القانونية والافتراضية لانحيازه الذي لا يخفيه في منشورات لاقت رواجاً واسعاً أيام ذروة صعود داعش وجاذبيتها، فاجترح لذلك لقب «أبو طلحة» كناية عن التنظيم ولقب «أبو حمدو» ليشير به إلى المقاتلين الأهليين من الأرياف السورية المنضوين تحت عنوان «الجيش الحر». كان التنكيل بأبي حمدو وعشوائيته وفرديته وضعف خبرته وارتهانه بنداً أثيراً متكرراً لدى هذا المتدعشن، مقابل الإشادة بحسم أبي طلحة وصلابته وإيمانه. وفي الواقع كان الكثيرون في المناطق المحررة، ولا سيما في الشمال، يرون في هذه الكلام ملامح كثيرة من الحقيقة.

انهار أبو طلحة الآن، وحتى مبتدعه المحامي المهاجر تبرّأ منه وصار يدعو إلى «نظام سياسي منفتح». بل إن ستر «الدولة» نفسها انكشف، ليتبين أن خلف المشهدية الإعلامية كوارث في تخطيط المعارك وإدارتها. غير أن هذا كله لا يعني الكثيرين ممن راقبوا عسر وبطء تقدم القوات المدعومة من التحالف الدولي في الباغوز، ورأوا مقاتلي التنظيم يخرجون من هناك منكسرين ولكن دون مصالحات مذلة تؤدي إلى الدبكة في احتفالات فرع الحزب.

باختصار، رغم تخبطهم يفهم الناس معنى الخسارة التي لا بد منها بتأثير خلل التوازن، لكنهم يأملون في الصمود، أو يريدون معارك كر وفر قوية وطويلة، أو على الأقل «هزيمة مشرّفة» أو منظّمة إن اضطر الأمر... وإلا فإن داعش لم تمت!!

شارك برأيك

أشهر الوسوم