كيف استخدم النظام رجال الدين لإعادة توكيد سلطته في ريف دمشق؟

تلفزيون سوريا - مركز كارنيغي للشرق الأوسط

مقدّمة

خلال النزاع السوري، أصبحت اتفاقات المصالحات وسيلة لإعادة المناطق المعارضة إلى سيطرة الدولة. وهذه العملية كانت واضحة للعيان في محافظة ريف دمشق، حيث لعب رجال الدين المحليون دوراَ نافذاً في الدفع لإبرام حلول مع الدولة.

كانت "المصالحة" تعبيراً غامضاً يشير إلى الجهود المبذولة من داخل مناطق المعارضة- أو مناطق سيطرة الحكومة - للتفاوض مع الدولة. وقد أثبت رجال الدين المحليون هؤلاء والذين تمتّعوا بشرعية محلية ودينية قوية أنهم مشاركون نشطون في هذه المفاوضات، على صعيد كلٍ من اللجان الرسمية التي تشكّلت في مناطق المعارضة وعبر الاتصالات غير الرسمية مع الدولة أو شبكات رجال الدين في مناطق النظام خارج أي إطار رسمي. هذه الاتصالات، جنباً إلى جنب مع موارد الدولة التي قُدّمت خلال المفاوضات، ساعدت رجال الدين على الحفاظ على نفوذهم بين المجتمعات المحلية ومع النظام في آن. استطاعت الدولة بهذه الطريقة إعادة الصلة مع هذه المناطق قد فقدتها مسبقا.

بيد أن الجهود الأخيرة التي بذلها النظام لإعادة توكيد السيطرة الحكومية على الحقل الديني السوري، خاصة من خلال إقرار القانون الرقم 31 في تشرين الأول/أكتوبر 2018، قد يهدّد موقع رجال الدين في المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة سابقا. فهذا التشريع يهدف إلى تمكين الدولة من استئصال التطرّف في المؤسسة الدينية، لكنه في الواقع قد يقوّض أكثر الشرعية المحلية للدولة إذا ما استخدمته لمعاقبة رجال الدين الذين يحظون بشعبية بسبب علاقاتهم السابقة مع المعارضة.

المؤسسة الدينية السورية والدولة قبل 2011

لطالما اعتبرت الدولة السورية الممارسة الدينية مسألة أمنية حيوية، وحافظت على درجة معينة من السيطرة على الحقل الديني من خلال تنظيم مداخل عناصره إلى موارد الدولة. وقد تبنّى النظام استراتيجية هجينة تستهدف استتباع بعض الأطراف وتزويدهم بمنابر في مؤسسات الدولة والإعلام، في مقابل دعمها له، في الوقت نفسه الذي كان يهمش فيه آخرينخلال فترات مختلفة من الاضطرابات السياسية والاقتصادية. وعبر إقامة شراكات مع أفراد أو مؤسسات تتعاطف تاريخياً مع حزب البعث الحاكم، أو أنها متجذرة بقوة في شبكات من التجار والمساجد والمريدين والتي تسبق النظام ظهوراً، حصد النظام شرعية إجتماعية عبر السمة العضوية الفريدة والشرعية الدينية التي تمتعت بها تلك الشخصيات الدينية في مجتمعاتها المحلية.

بعد تسنّمه مقاليد الحكم في العام 2000، دشّن بشار الأسد عملية لبرلة (من ليبرالية) للسياسة الدينية السورية. ونتيجة لذلك، سُمِحَ لمروحة واسعة من الأطراف داخل المشهد الإسلامي في البلاد بتأسيس مؤسسات وجمعيات خيرية دينية. هذه العملية تواصلت طيلة عقد كامل، فيما كان النظام يسعى إلى تعزيز شرعيته الدينية مع مجتمع متزايد التقوى، وفي خضم اضطرابات إقليمية (بما في ذلك العنف الطائفي في العراق واللااستقرار في لبنان). وهكذا، كان في وسع رجال الدين السوريين، الذين أفادوا من ازدياد الموارد ووسائل التوسّع، أن يرقّوا نفوذهم في المجتمع ككل وبين مكوّنات المجتمعات المحلية على وجه الخصوص.

كانت المؤسسة الدينية السنّية إجمالاً تُعد رجال الدين من خلال مدارس دينية تديرها الدولة، أو عبر مؤسسات غير رسمية (جماعات)، يستند فيها التدريس إلى علاقة التبعية بين الشيخ المُرشد والطالب المٌريد. هذه الهيئات كانت اسمياً تحت إشراف وزارة الأوقاف الدينية، لكنها حازت على درجات متباينة من الاستقلال الذاتي استناداً إلى سمعتها التاريخية وروابطها مع النظام. وعلى رغم أن معظم مؤسسات التعليم الدينية موجودة في مراكز مدينية، إلا أنها اجتذبت العديد من الطلاب من الأرياف. على سبيل المثال، مجمّع الفتح الإسلامي، وهي مؤسسة سنّية يدعمها النظام تأسست في دمشق العام 1965، حصدت نفوذاً في محافظة ريف دمشق من خلال تدريب رجال دين محليين، خاصة بعد افتتاح قسم متخصص بدراسات التعليم العالي العام 1991.

تمتعّت الشخصيات الدينية في ريف دمشق المرتبطة بوزارة الأوقاف، بغض النظر عن المكان الذي حصلت فيه على تعليمها، على مكانة خاصة في مجتمعاتها المحلية. هؤلاء تحدّروا غالباً من عائلات غنيّة مرموقة منخرطة في المجال الديني ، ولها محتّد محترم، ووارثة للسلطة الدينية. علاوة على ذلك، كان هناك رجال دين تدربوا في العقد الماضي وكسبوا عدداً كبيراً من الأتباع في ريف دمشق بين الجيل الأصغر، من خلال تقديم الإرشاد الديني حول قضايا الحياة اليومية.

مع تشظي سورية إلى مناطق تسيطر عليها المعارضة وأخرى تحت هيمنة الحكومة بعد انتفاضة 2011، عانى الحقل الديني من انقسامات حادة. فانتقلت معظم الشخصيات الدينية الراسخة والمكرّسة إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام، ما خلّف فراغاً ملأته إيديولوجيات أكثر راديكالية. بيد أن بعض رجال الدين التقليديين بقوا في مناطقهم واعلنوا أنهم مع المعارضة. وبرز من بين هؤلاء رجال دين عديدون أبدوا استعدادهم لتغيير مواقفهم بهدف التناغم مع التيار الشعبي إبان النزاع.

طيلة الاتصالات الرسمية وغير الرسمية المتعلقة بالمصالحات خلال الصراع، كانت الدولة قادرة على الحفاظ على روابط غير مباشرة مع المجتمعات المحلية. في غالب الأحيان، كان الوجهاء أو الشخصيات الدينية التي انتقلت إلى مناطق النظام هي التي تدشّن الاتصالات، عبر الاتصال بالشخصيات الدينية ذات الشعبية داخل مناطق المعارضة المحاصرة، ناقلة شروط النظام ومطالبه. وقد خدمت هذه الاتصالات في إعادة ربط رجال الدين المتمردين بالمؤسسات الرسمية في دمشق، التي أفادت من رغبتهم في الحفاظ على صلتهم بمجتمعاتهم المحلية، واستخدمتها للدفع قدماً بالتدريج لعودة موارد الدولة وسيطرتها على مناطق المعارضة.

سياسة النفوذ خلال عمليات الحصار

في محافظة ريف دمشق، أصبح العديد من الشخصيات الدينية المحترمة جهات فاعلة مؤثّرة في المواقع الخاضعة إلى سيطرة المعارضة خلال الصراع. وإذ كان رجال الدين في بادئ الأمر يقدّمون المساعدة في عملية الحوكمة في مناطق المعارضة، برز رجال الدين هؤلاء من خلال التفاوض بشأن رفع الحصارات التي يفرضها النظام وتوفير المؤونة وغيرها من الموارد. كان ذلك جلياً في الضواحي جنوبي دمشق وفي مدينة التل، شمال شرق العاصمة. في هذه الأثناء، شكّلت بلدة كفربطنا في الغوطة الشرقية التابعة لريف دمشق، خير دليل على كيف سمحت الانقسامات داخل المعارضة للدولة بإعادة الروابط مع المجتمع المحلي خارج أي إطار رسمي للمصالحة، من خلال اتصالات مع أحد رجال الدين المحليين الموقّرين.

ومن خلال توفير الموارد والضمانات للمجتمعات المحلية عبر شخصيات دينية تحظى بشعبية، حاولت الدولة ترسيخ درجة من الاستمرارية مع قواعد الأنظمة القائمة منذ ما قبل الصراع، وتحفيز المواطنين على العودة إلى كنف الدولة. وقد ساهم هذا الأمر في تمكين رجال الدين المحليين على حساب الجماعات المسلحة، حيث عمد بعض رجال الدين إلى الانفصال عن المتمردين ودعم التقارب مع النظام.

ضواحي دمشق الجنوبية

في بلدات ببيلا ويلدا وبيت سحم المحاصرة الواقعة في ضواحي دمشق الجنوبية، اضطلع ثلاثة رجال دين مصطفّين مع المعارضة بدور قيادي في التفاوض بشأن استعادة الدولة سيطرتها على المنطقة.

الأول هو أنس الطويل، الذي يتحدّر من عائلة نافذة شكّلت تاريخياً جزءاً من المؤسسة الدينية في ببيلا. حظي الطويل، وهو واعظ في مسجد الكريم فصيح وله شخصية جذابة، بشعبية واسعة النطاق ضمن مجتمعه حيث كانت تستقطب خطب الجمعة التي يدلي بها المصلين من أرجاء جنوب دمشق كافة. أما الثاني، فهو صالح الخطيب، الذي يتحدّر من عائلة مشهورة وتتلمذ على يد الشيخ أبو النور خورشيد، أحد مؤسسي مجمّع الفتح الإسلامي في دمشق. كان صالح الخطيب يخطب في مسجد الصالحين في يلدا. والثالث هو محمد نور الدين الهندي الذي جاء من عائلة نافذة من التجار وكان يدير مسجدين في بيت سحم مع والده وشقيقه. خلال السنتين الأوليتين من الانتفاضة، لعب رجال الدين المذكورين دوراً بارزاً في الحوكمة المدنية والعسكرية في المنطقة. فقد تولوا إنشاء وحدات عسكرية ومجالس محلية ومحاكم شرعية، كما ساعدوا في حصول النازحين على إمدادات إغاثة من خلال شبكاتهم الخيرية.

في تموز/يوليو 2013، حاصرت قوات النظام ضواحي دمشق الجنوبية. وحينها، عانت المنطقة الكثير من المشقات بسبب القصف الجوي والحصار الحكومي، ما تسبّب بتوقّف تسليم المواد الغذائية والمستلزمات الطبية. بعدها، باشر رجال دينآخرين كانوا غادروا هذه البلدات عند اندلاع شرارة الانتفاضة اتصالاتهم مع بلدات ببيلا ويلدا وبيت سحم. وقد تواصل هؤلاء مع الطويل والخطيب والهندي نظراً إلى الشعبية التي يتمتعون بها محليا، لمناقشة شروط رفع الحصار. وعلى رغم إعلان جبهة النصرة، إحدى أبرز الجماعات المسلحة في المنطقة، في بداية الأمر اعتبار أي شخص على تواصل مع النظام خائناً، ازدادت الضغوط لإجراء المفاوضات بعدما قضى أكثر من 200 شخص من السكان جوعًا.1 نتيجةً لذلك، اضطرت الفصائل المسلحة، في نهاية المطاف، إلى قبول تشكيل لجان مصالحة.

تمّ اختيار الطويل والخطيب والهندي ككبار الممثلين للجان المصالحة كلاً في بلدته. وفي شباط/فبراير 2014، تفاوض رجال الدين بشأن وقف إطلاق النار في المنطقة. وعلى رغم أن ارتباطهم مع النظام قوّض علاقاتهم بالفصائل المسلحة، إلا أنه عزز شعبيتهم في أوساط السكان بفضل قدرتهم على توفير السلع والخدمات. خلال المفاوضات، رعى رجال الدين عمليات تسليم المساعدات وإطلاق المعتقلين ونقل المرضى وحتى نفاذ السكان إلى المستندات الحكومية الرسمية. وساهمت هذه الامتيازات في تعزيز اعتماد المجتمعات المحلية على رجال الدين، وبالتالي على النظام، من أجل الصمود والبقاء في خضم الحصار.

بدأ رجال الدين، على رغم ارتباطهم بالمعارضة، استخدام منابرهم الدينية لدعم أسس المفاوضات. كانوا يلجأون في خطب أيام الجمعة إلى الاستشهاد بالسنّة -تقاليد وممارسات النبي محمد للترويج للمصالحة. كما زعموا أن التأقلم مع النظام ضروري للحفاظ على الطابع السنّي للمنطقة، في مواجهة شبح التوسّع الشيعي من ضاحية السيدة زينب المجاورة، وهي قاعدة رئيسة للميليشيات الشيعية.2 كما شدّد رجال الدين على أن القرار النهائي بشأن المصالحة مع الدولة، يجب أن يتخذه السكان فقط وليس الفصائل المسلحة التي تضمّ عناصر غير محلية. وأبلغ رجال الدين أتباعهم بالضمانات التي يقدّمها النظام، بما في ذلك وعود بعدم فرض تدابير عقابية أو تجنيد السكان في الجيش لفترة من الزمن، في حال عادت البلدات إلى سيطرة الدولة.

وافقت الفصائل المسلحة أخيراً على المشاركة في المفاوضات العام 2017، وانضمّت إلى أفراد من مجالس المصالحة لتشكيل لجنة سياسية للبلدات الثلاث. غير أنه تمّ استبعاد الخطيب من منصب ممثل يلدا بعد خلافات مع الفصائل المسلحة واستُبدل بالشيخ أبو ربيع البقاعي، وهو رجل دين شاب من مجمّع الفتح الإسلامي يتحدّر من عائلة مرموقة. وفي أيار/مايو 2018، سلّمت الفصائل المسلحة بشكل أحادي المنطقة إلى النظام بعد مساعي وساطة روسية.

غير أن سنوات التفاوض وممارسة الاستمالة التي أمضاها رجال الدين في المجتمع المحلي، لعبت بدورها دوراً محورياً في إرساء أسس استسلام المنطقة. ونتيجة ضمانات النظام التي أكّدها رجال الدين، اختار 300 شخص من السكان فقط إخلاء المنطقة إلى جانب الفصائل المسلحة.3 وبعد عودة سيطرة الدولة، احتفظ الطويل والخطيب والهندي بمراكزهم النافذة في بلداتهم، وأعادوا ربط مساجدهم بوزارة الأوقاف الدينية. كما واصل رجال الدين الاضطلاع بدور الوسيط بين النظام ومجتمعاتهم المحلية، حيث ساعدوا السكان على اكتساب موافقة النظام إما على البقاء أو العودة إلى المنطقة، في إطار عملية رسمية عُرفت باسم "تسوية أوضاع".

الوضع في التل

في منطقة التل الجبلية، شمال شرق دمشق، كان رجال الدين الشباب يحظون بشعبية قبل الانتفاضة، واستمر هذا الوضع خلال سيطرة المعارضة والمصالحة مع النظام. وخلال العقد الفائت، تمّ إنشاء العديد من المساجد الجديدة هناك، بقيادة واعظين شباب. استقطبت هذه المساجد، برعاية عائلات ثرية محلية وتحت إشراف وزارة الأوقاف الدينية، العديد من المصلين الذين أتوا لسماع رجال الدين وهم يناقشون مسائل الحياة اليومية، على غرار الزواج والإسكان والأسعار والإرث؛ وذلك بالمقارنة مع عظات رجال الدين المُسنّين الذين ركّزوا بشكل ضيّق على حياة النبي محمد. ومن بين رجال الدين الشباب هؤلاء كان الشيخ ربيع شمو، كان يكتسب أتباعاً خُلّص في أعقاب خطب الجمعة التي حظيت بشعبية في مسجد الإخلاص.

خلال الأيام الأولى من الانتفاضة، اتخذ رجال الدين الشباب في التل، بمن فيهم شمو، موقفاً موالياً للمعارضة وشاركوا في المظاهرات ضد النظام. ومجددًا، ميّز هذا الجيل الشاب من رجال الدين عن المؤسسة الدينية التي تضمّ أفراداً أكبر سنّاً كانوا يطالبون بالحوار مع النظام. وفي ظل انجرار البلاد إلى حمأة الصراع، شهدت التل موجة عارمة من النازحين، ناهز عددهم نصف المليون وفق بعض الحسابات، نتيجة الحملات العسكرية في المناطق المجاورة.4 وفي وقت لاحق مطلع العام 2015، حاصرت قوات النظام البلدة. وردّاً على هذه الخطوة، تواصل ممثلون عن العائلات المرموقة، الذين توسّطوا سابقاً مع النظام في 2014، للتفاوض بشأن إطلاق سراح الجنود المعتقلين، مع دمشق من أجل مناقشة شروط إنهاء الحصار.

أصبح شمو شخصية مؤثّرة ضمن لجنة المصالحة في التل. ومن خلال المحادثات مع النظام، أبرم صفقات للسماح بدخول الإمدادات بشكل مؤقت إلى البلدة ومساعدة السكان المحليين في الحصول على مستندات رسمية. وهذا كرّس إعادة تواصل غير رسمية للمنطقة مع الدولة وساهم في تعزيز مكانة شمو ضمن المجتمع. وواجهت محادثات المصالحة مقاومة من مجموعات المتمردين، وقوّضت اقتراحات السماح بتسليم السلع وإخلاء المقاتلين، ما أسفر عن عودة القصف والحصار. من جهته، واصل شمو السعي إلى المصالحة والتقى الفصائل المسلحة في مساجد محلية لإقناعها بمغادرة البلدة. وفي العام 2016، وافقت مجموعات المتمردين على القيام بذلك، مقابل إقدام النظام على رفع الحصار. وسُمح لرجال الدين الذين بقوا في البلدة والذين غادروا في وقت سابق على السواء باستئناف أنشطتهم في مساجدهم بعد تسوية أوضاعهم.

الشيخ بسام ضفدع وكفربطنا

في منطقة الغوطة الشرقية خارج دمشق، رفضت المؤسسة الدينية والجماعات المسلحة عموماً إجراء أي مفاوضات مع الدولة. مع ذلك، تولّى الشيخ بسام ضفدع، في بلدة كفربطنا، مهمة توجيه دعوات مبكرة إلى تشكيل لجنة مصالحة، على الرغم من أن الجماعات المسلحة كانت له بالمرصاد ووقفت في وجه مساعيه هذه. في وقت لاحق، وبعد ظهور انقسامات كبيرة بين فصائل المعارضة، تمكّن ضفدع من الظهور من جديد وترأس حركة محلية تدعو إلى عودة سيطرة الدولة.

بقي ضفدع، وهو خطيب ذو شعبية في المسجد العمري كان يدرّس في مجمّع الفتح الإسلامي، في كفربطنا بعد سيطرة الجماعات المسلحة عليها في العام 2012. وعندما حاصرت قوات النظام الغوطة الشرقية في نيسان/أبريل 2013، اتّهمت فصائل المتمردين ضفدع بالبقاء على تواصل مع الدولة من خلال رجال الدين في دمشق. ونتيجة لذلك، مُنع من إلقاء خطب الجمعة أو الانضمام إلى المجلس المحلي أو العمل في الشؤون الإنسانية.5

في نيسان/أبريل 2016، اندلعت اشتباكات بين جماعات مسلحة في الغوطة الشرقية، فوقف فيلق الرحمن في وجه جيش الإسلام، الفصيل المسيطر في المنطقة. الجدير ذكره هنا أن الاقتتال الداخلي يُعزى بشكل جزئي إلى استياء الفصائل المتمردة من الهيمنة السياسية والعسكرية التي كان فرضها جيش الإسلام على الغوطة الشرقية من خلال اتّباعه تكتيكات قاسية. كما تمّ تقسيم المؤسسات الدينية التي أنشأتها المعارضة في المنطقة إثر الاقتتال الداخلي بين المتمردين، ولاسيماالهيئة الشرعية لدمشق وريفها.

أسس هذه الهيئة ستة وثلاثون رجل دين محلي في تشرين الثاني/نوفمبر 2012. في أوج عهدها، كانت الهيئة تدير أربعين قرية وبلدة – فتشرف على المساجد، وتصدر الفتاوى، وتعلّم الشريعة الإسلامية في المدارس المحلية، وتصادق على تعيين الأئمة والخطباء – تماماً كما كانت تفعل وزارة الأوقاف.6 في بادئ الأمر، كانت الهيئة، باعتبارها سلطة إدارية مستقلة، مقرّبة من فيلق الرحمن بعد أن حاول جيش الإسلام التمتّع بتأثير مباشر عليها. وحشدت الهيئة رجال الدين لإلقاء الخطب المناهضة لمحاولة الاستيلاء، بما في ذلك ضفدع، الذي كان قد سُمح له بالانضمام إلى الهيئة الشرعية واستئناف الوعظ.

على الرغم من تنامي الغضب الشعبي العارم على الاشتباكات، باءت محاولات التوسّط بين الفصائل المسلحة بالفشل. وحاول المجلس الإسلامي السوري (SIC)، الذي تأسّس في المنفى في إسطنبول العام 2014 ليكون بمثابة السلطة الدينية الرئيسة للمعارضة، إقناع الجماعات المسلحة في الغوطة الشرقية بتشكيل جبهة موحّدة. بيد أن المجلس كان ضعيفاً ومنقسماً، ولم يكن قادراً على الاضطلاع بدور قيادي مهم بعد انسحاب العديد من الجماعات المسلحة منه في العام نفسه. مع ذلك، حاول المجلسالتوسّط في الغوطة الشرقية، على رغم انهيار هدنة قصيرة الأمد في أيلول/سبتمبر 2017.

وسط الاستياء المتنامي من أعمال العنف المندلعة بين المتمردين، والتقدّم العسكري للنظام في الغوطة الشرقية، بدأ المدنيون الدعوة بشكل متزايد إلى المصالحة مع الدولة، حتى أن بعضهم عمد إلى الالتفاف حول ضفدع، بسبب مكانته كأحد علماء مجمّع الفتح الإسلامي وعلاقته بالنظام من خلال رجال الدين في دمشق. في أوائل العام 2018، بدأ ضفدع نقل ضمانات الدولة إلى السكان المحليين، والدعوة إلى تنظيم تظاهرات دعماً للمصالحة. وفي آذار/مارس، سقطت كفربطنا في يد القوات الحكومية من دون التوصل إلى اتفاق استسلام رسمي. هذا ويُزعم أن ضفدع، إلى جانب منشقين من فيلق الرحمن، سهّلوا دخول الجيش السوري إلى المنطقة. وفي حديث له مع التلفزيون الرسمي السوري في وقت لاحق، قال ضفدع بأن الشعب أدرك أن الحل لمشاكل المنطقة يكمن في العودة إلى كنف الدولة وإجراء المصالحة.

على عكس الوضع في ضواحي دمشق الجنوبية والتل، لم يستطع رجال الدين المحليين الحفاظ على نفوذهم في كفربطنا من خلال تسهيل حصول البلدة على الموارد في الفترة التي سبقت استعادة سيطرة الدولة عليها. غير أن الدولة استفادت من علاقاتها مع رجال الدين الشعبيين في المناطق الثلاث، الذين أدركوا أن أفضل سبيل يمكّنهم من الحفاظ على صلتهم بمجتمعاتهم يتمثّل في التواصل مع الحكومة والدعوة في نهاية المطاف إلى عودة الدولة.

عهد جديد من ديانة تسيطر عليها الدولة في سورية

أصدر النظام القانون 31 في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، في خطوة تُعتبر جزئياً ردّاً على تشرذم المؤسسة الدينية السورية في مناطق المعارضة. ويمنح هذا القانون وزارة الأوقاف صلاحيات واسعة النطاق، كما يشرح في فصل جديد كيفية سيطرة الدولة على الحياة الدينية. ويحاجج مؤيدو هذا القانون أن هذه التدابير ضرورية لتمكين الوزارة من مكافحة التطرّف الديني.
في التفاصيل، يفرض القانون الجديد معايير صارمة على تعيين أئمة المساجد تحت سلطة الوزارة. كما يمنح الوزارة إشرافاً أكبر على المدارس الدينية، بينما يرأس وزير الأوقاف الآن مجلس الفقه الإسلامي بدلاً من مفتي سورية، وسيضطلع حتى بدور في تسمية خليفة المفتي. من الممكن أن يؤدي القانون إلى وجود مجموعة ضغط دينية قوية في الدولة تسعى إلى إضفاء الطابع المركزي على جميع جوانب الدين في المجتمع تقريباً.

خلاصة

تثير مركزية السلطة الدينية في سورية الشكوك حيال العلاقة التي تربط رجال الدين بمجتمعاتهم المحلية في المستقبل. وكما كان الحال قبل العام 2011، تمثّلت قيمة المؤسسة الدينية في أنها تمنح النظام شرعية دينية واجتماعية. وبموجب القانون 31، بدأت وزارة الأوقاف الدينية باستبدال بعض رجال الدين في المناطق التي كان يسيطر عليها المتمردون في ريف دمشق بآخرين موالين للنظام.7 مع ذلك، من شأن إعفاء رجال دين يتمتعون بدعم محلي من مهماتهم أن يقوّض هدف الدولة المتمثّل في تعزيز شرعيتها.

يُضاف إلى ما سبق حقيقة أن دور رجال الدين في استعادة سيطرة الدولة الدينية على مناطق المعارضة، أثّر سلباً على مصداقية المؤسسة الدينية في البلاد لدى العديد من السوريين. وبالتالي، لم يتضح بعد ما إذا كان باستطاعة النظام استعادة شرعيته والنجاح في إعادة بسط سيطرته على حقل ديني متصدّع، وكذلك على المجتمعات التي شهدت تحولاً خلال الحرب.

 

للاطلاع على المقال من المصدر اضغط هنا

شارك برأيك

أشهر الوسوم