المعتقلون وحقوق الإنسان في سوريا بعد 70 عاما على الإعلان العالمي

يصادف يوم الإثنين المقبل، العاشر من كانون الأول، الذكرى السبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي نص في مادتيه الأولى والخامسة:

1-"يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وقد وُهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء".

5- لا يُعرّض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو التي تحط من كرامته.

لربما هي فترات قصيرة في سوريا التي لم تعرف الاعتقال السياسي أو الاعتقال بسبب الرأي المخالف، لكنه في عهد العصابة الأسدية فقد أصبح ذلك وسيلة لتركيع وتخويف البشر عموماً، بقصد الابتعاد عن العمل في الشأن العام، كما طال هذا التخويف جماعة الأحزاب الموالية وحتى حزب البعث ذاته، فسلطة المخابرات والعسكر لا تقبل أن يخالف أحدٌ أوامرها أيّاً كان.

في الثمانينيات، كان الدكتاتور الأب يرفض حتى مجرد الاعتراف بوجود آلاف المعتقلين في سجون وزنازين الفروع التي تملأ البلاد، وأكثرها بؤساً وبشاعة سجن تدمر الذي شهد أبشع جرائم القتل والتعذيب الفردي والجماعي، حيث استمرت فترة الاعتقال حتى نهاية التسعينيات عند البعض، وقد قضى كثير من المعتقلين فترات تجاوزت خمسة عشر عاماً، من خلال محاكمات لا شبيه لها أبداً، وليس لها من المحاكم سوى الاسم، فالحكم معدُّ مسبقاً في الفروع الأمنية، وتقتصر مهمة القاضي/ الجلاد على تلاوة الحكم وشتم المعتقلين.

مع بداية الثورة، صار للاعتقال بُعد آخر، لدرجة أنّ المعتقلين يتمنون الموت رغبة في الخلاص من وسائل التعذيب الوحشية

مع بداية الثورة، صار للاعتقال بُعد آخر، لدرجة أن المعتقلين يتمنون الموت رغبة في الخلاص من وسائل التعذيب الوحشية، في تجسيد للعبارة القذرة التي كثيراً ما نسمعها على ألسنة المحققين والمخبرين: "سندعك تتمنى الموت، ولا تلقاه"، فالتعذيب ليس بقصد الحصول على المعلومات، وإنما بقصد الإهانة والإذلال والانتقام والتشفي، وهو الأمر الذي ترفضه شرعة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بل تعاقب عليه، ومع ذلك ظل التعذيب نمطاً يومياً لسلوك الجلادين والمخبرين، تجاه من تجرأ وصرخ في وجه الطاغية الذي يعتقد مخبروه أنه إلهٌ خالد، على الجميع عبادته، وكثيراً ما سمعنا العبارة التي يرددها الشبيحة والمخبرون والسجانون وهم يعذبون المعتقل، ويطلبون منه أن يقول إن بشار هو "ربه".

صار بحكم المؤكد أن ما يجري في المعتقلات ومراكز الحجز لدى النظام يفوق كل التوصيفات التي يحظرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وجميع الدساتير في العالم تقريباً، لا بل إنه أسّس لجرائم غير موصوفة سوى بالعموم، ففضلاً عن الخطف واعتقال الأقرباء والأولاد، وتعريضهم لشتى صنوف التعذيب من شبح وكسر وحرق وغيره، لجأ النظام، منذ بداية الثورة، إلى ممارسة طرق تعذيب تخلق جروحاً لا تندمل، وتؤسس لأحقاد ومواقف عنيفة، ومنها تعرية أفراد العائلة أمام أعين بعضهم، واغتصابهم أيضاً، وهو الأمر الذي لا يمكن للمرء احتماله إلا بدخوله حالة الجنون واللاعقل.

تشكل كل هذه الجرائم التي يتباهى بها النظام، من خلال استعراضها على أشرطة الفيديو، ناهيك عن آلاف الصور التي سربها المصور المعروف باسم "قيصر"، وشهادة الناجين من الموت، ومؤخراً توزيعه على دوائر السجل المدني في المحافظات أسماء من ماتوا نتيجة للتعذيب تحت أسباب لا يقبلها عقل، أدلةً موثقة تدين هذا النظام وكبار مسؤوليه من أجهزة الأمن، وتدعو إلى تقديمهم إلى المحاكم الدولية ليس بتهم انتهاك حقوق الإنسان، وإنما بتهمة الإبادة الجماعية عمداً، ومع ذلك ما يشهده السوريون هو ليس الدعم من روسيا وإيران فقط، بل التراخي الدولي العام رغم امتلاك الكثير من الأدلة تجاه نقل قضية المعتقلين في سورية إلى محكمة العدل الدولية أو إنشاء محاكم خاصة لسورية.

في الذكرى السبعين لإعلان حقوق الإنسان، وبعد أن أصبحت قضية المعتقلين في سورية -في حال تم نقاشها- قضيةً هامشية على أطراف المباحثات، سواء التي جرت سابقاً في جنيف، أو التي تجري حالياً في أستانا

في الذكرى السبعين لإعلان حقوق الإنسان، وبعد أن أصبحت قضية المعتقلين في سورية -في حال تم نقاشها- قضيةً هامشية على أطراف المباحثات، سواء التي جرت سابقاً في جنيف، أو التي تجري حالياً في أستانا، لا بدّ من إعادة الاعتبار لها، والضغط باتجاه وضعها القضية الأولى أينما أمكن، فهي القضية التي يمكن أن تفتح الباب لتحقيق عملية الانتقال السياسي تتضمن الكشف عن مصير المفقودين والمختطفين وإطلاق سراح الجميع ممن بقوا أحياء، وتقديم المسؤولين عن عمليات التعذيب والقتل لمحاكم عادلة، خاصة وأن هناك لجنة تحقيق خاصة حول جرائم الحرب في سورية، والتي طالب رئيسها مؤخراً في 29 من تشرين الثاني الماضي بضرورة التحقيق الفوري الشفاف والمستقل في جميع الوفيات في الحجز أو الناجمة عن عمليات الإعدام بإجراءات موجزة أو خارج نطاق القضاء.

بعد ذلك يمكن العمل على المسارات المختلفة الدستورية وغيرها. كما أنها فرصة لقوى المعارضة لإعادة القليل من الالتزام بقضايا ثورة السوريين المتمحورة حول الكرامة والحرية، بدلاً من الاستمرار في مجاراة الدول وتقديم التنازلات. أما الحديث عن لجان دستورية، كما يجري الآن، في ظل استمرار القبضة الأمنية لهذا النظام، فليس أكثر من مضيعة للوقت وإطالة في تعذيب السوريين عامة، والمعتقلين خاصة الذين "يطلبون" الموت ولا يجدونه في زنازين النظام.

رغم كل الظروف السياسية التي تحيط وتضغط على السوريين من أجل الرضوخ وقبول الدكتاتور رئيساً من جديد. سيبقى السوريون مستمرين في كفاحهم من أجل الكرامة والحرية، الكرامة التي كرستها المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأولتها على الحقوق، والعيش بحرية ومساواة من دون كل أشكال التعذيب.

شارك برأيك

أشهر الوسوم