الجوع كتجربة تاريخية

"نظام الأسد" استخدم سلاح التجويع في جميع المناطق التي حاصرها (أرشيف - إنترنت)

مع قدوم رمضان، شهر الصوم المبارك لدى المسلمين، في ظروف تاريخية عصيبة تمر بها منطقتنا العربية، لا بد من الوقوف عند ظاهرة الجوع التي ترافق الأزمات الكبيرة والكوارث والتجارب التاريخية المفصلية في حياة الشعوب.

مورس التجويع على الشعب السوري خلال سنوات الحصار في الحرب التي طالت ولم تُجمع سلالها بعد، فمن الواضح أن أطراف الصراع الذين يتنافسون على الكروم السورية لم تنتهِ مباراة كسر العظم فيما بينهم، فعظامهم لا تؤلمهم لأن المكسور والمطحون هو الشعب السوري، بيدقهم في حروبهم الخسيسة.

لا أحيل الأمر إلى أفعال مبنية للمجهول، فالمجهول صار معلومًا للجميع، النظام، روسيا، إيران، تركيا، دول الخليج، الولايات المتحدة، أوروبا. كلهم ضالعون في مأساة هذا الشعب، بل وشعوب المنطقة التي اسمُها وحده صار لعنة عليها، المنطقة العربية، وزيادة في التنكيل اخترعوا أعداء للإنسانية شكلوا منظمات وجماعات إسلاموية فاقت مهاراتُها المرجو منها في تأليب الضمير العالمي، شعوبًا وأنظمة، ضد الشعوب الإسلامية مهما كانت بريئة من ممارساتها وعنفها ووحشيتها ونهجها الدموي المعادي للإنسانية وحقوق الشعوب التي أقرتها المنظمات الدولية.

لكن الشعب السوري يجوع اليوم، يأتي رمضان كل عام وظروف الحياة أقسى، في وقت صار للصوم وإقامة الشعائر مكانة أكبر في حياة السوريين، أو ربما اكتسب مدلولاً إضافيًا، الذين هم في الواقع شعب متدين في مجمله، خاصة بعد سنوات عصيبة من القتل والتشريد والتهجير والتجويع وبث السموم والأفكار الثأرية والشحن الطائفي، مما أدى إلى تضخم الهوية الدينية والطائفية، وصارت فئات الشعب تتسابق في إظهار تطرفها الديني وتبالغ في إقامة شعائرها وممارسة طقوسها الدينية.

كان رمضان تجربة روحية تبث السعادة في النفوس ويأتي العيد بعدها ليتوج هذه السعادة ويقرب القلوب من بعضها البعض

لم نكن مترفين فيما مضى، لكن كان في خزائن مطابخنا التي تُدعى "نمليّة" وغرف المونة، قبل تمكّن الحداثة من حياتنا المجتمعية وشيوع البرادات والجمادات، ما يكفينا من طعام في أيام البرد والقلّة، تصرف أمهاتنا وجدّاتنا الكثير من أوقاتهنّ لتحضير مونة الشتاء. يوم كان للزيتون موسم، وللمكدوس موسم، وللحبوب مواسمها، والمربيات واللحوم المقددة والخضار الميبسّة والفاكهة المجففة، والعصائر المحلاّة والمخللات، والزعتر والكشك، ودبس البندورة والفليفلة الحمراء، ودبس العنب، وحتى عصائر الكرمة المخمّرة. وأشياء أخرى ممّا تجود بها أرض سورية، وكانت سورية تجود، وأمهاتنا يجُدن بفيض محبة، وجدّاتنا بنبع الحكايات. وكان رمضان تجربة روحية تبث السعادة في النفوس ويأتي العيد بعدها ليتوج هذه السعادة ويقرب القلوب من بعضها البعض.

قيل بأن الصين هي زعيمة البطون الخاوية بلا منازع، فماضيها سلسلة متصلة من الكوارث الغذائية أسفرت عن أعداد لا تحصى من الموتى، حتى إن أول ما يبادر به صينيٌ صينياً آخر سؤاله: هل أكلت؟ كان عليهم أن يعتادوا أكل ما لا يُؤكل، ويُقال: لهذا لديهم هذا القدر من رهافة الذوق في فن الطبخ. وسوريا أيضًا تاريخها سلسلة من الكوارث الإنسانية بقدر ما مرّ عليها من حروب وما انتهكها من جيوش وبقدر ما جثم الاستعمار على صدرها عبر التاريخ فأفقر أهلها وصادر أرزاقهم وصادر مبدعيها وحرفييها وأيدي أبنائها الماهرة، فمرت سنوات الجوع في تاريخها، ولا زال جوع سفربرلك بعد مائة عام على تلك الفترة العصيبة من تاريخ المنطقة والعالم ماثلاً في الوجدان الجمعي والذاكرة الجمعية، وما كانت تحكيه الجدات أو الكبار في العمر لأبنائهم الذين يشكلون جيلاً ما زالت غالبيته على قيد الحياة. 

 

لكن الجوع في الحكايات والسرديات الشعبية غير الجوع الواقعي، فالأجيال التي لم تختبر تلك الفترة لم تعرف معنى الجوع الحقيقي، خاصة بعد سيطرة عصر الاستهلاك على الحياة، ومع هذا بقي في زاوية عميقة من النفوس شيء يزرع الخوف من هذا الغول المتربص الجاهز للانقضاض في كل لحظة، شعور غامض كان يشكل دافعًا أساسيًا لسلوك الأفراد، الخوف من الغد. منذ عقود تمكن الخوف من نفوس السوريين وصار راسم خطاهم في حياتهم العفوية، لذلك عند أول اضطراب لاستقرارهم الخَمول الذي لا يمكن اعتباره استقرارًا صحيًا بل استنقاع ينتهك الحياة، كانوا يهرعون إلى تكديس المواد التموينية والطعام، ومنه ما كان يُلقى في الحاويات أو يتحول إلى طعام للدواب بعد أن تفوت صلاحيته للاستهلاك البشري، ومن يراقب سلوك السوريين في البلدان التي قدمت مساعدات وفرص عمل لهم في رحلة لجوئهم سوف يرى أن هذا السلوك متجذر في أعماقهم، ففي ألمانيا مثلا، حيث تتوفر السلع والمواد الاستهلاكية لكل الناس وبأسعار مناسبة، ترى غالبية السوريين ومعهم الذين ينحدرون من بلدان تعيش بنفس الظروف والتجارب التاريخية، يمارسون الشراء كما لو أن الموسم لن يمهلهم وأنهم سيجوعون إذا لم يأخذوا كميات يخزنونها في مطابخهم وخزنهم، حتى إن التغليف بأوزان كبيرة وأحجام كبيرة للسلع لا تراها إلاّ في المحلات العربية أو حي "نويكولن" الذي يُسمى حي العرب، تراهم يصرفون الجزء الأكبر من دخلهم على الطعام، بينما الألماني الذي عانى من ويلات الحرب وتدمير بلاده والجوع والفقر والقلة في كل شيء، تراه استفاد في حياته من تجربته المريرة، فلا يأخذ أكثر من حاجته، ولا يستهلك إلاّ ما يسد جوعه، حتى في المطاعم الألمانية هناك نهج ينحو باتجاه عدم الهدر، فبعض مطاعم الـ"بوفيه المفتوح" مثلاً تحسب سعر الوجبة التي يتناولها الشخص بحسب وزن الصحن، لذلك لا أحد يأخذ أكثر من حاجته لأن الميزان سيحاسب. نبذ التبذير والإسراف وتخزين ما ليس الفرد بحاجة إليه صارت كلها ثقافة جمعية تنظم سلوك الأفراد بدوافع عديدة أهمها حماية البيئة وترشيد استهلاك الموارد، وأيضًا احترام الجهد البشري وقيمة العمل لأنه شعب يشتغل ويتعب ويكدح لتأمين عيشه.

صار الإسراف والتبذير وعرض ما يفوق الحاجة دليل كرم واقتدار ومكانة اجتماعية فوقية

بتحول المجتمع السوري إلى الاستهلاك في السنوات الماضية على اندلاع الحراك الشعب، تمكنت عادات طعامية اجتماعية من الناس، وحدث تحول رهيب نحو الفوضى والهدر بالرغم من أن الشعب بغالبيته لم يكن يعيش في بحبوحة، لكن الوفرة في المواد خاصة الزراعية وعرضها السخي في الأسواق كان يشجع المستهلكين على شراء كميات كبيرة، وفي الغالب كان يرمى قسط كبير منها قبل أن يُستهلك. ثم صار موضوع التفاخر في إظهار السخاء في الموائد خاصة في العزائم إلى البيوت أو إلى المطاعم ملمحًا اجتماعيًا بارزًا على سلوك يدلّ على الابتعاد شيئًا فشيئًا عن المعنى الحقيقي للمفاهيم، التي بالغت منظومة القيم أيضًا في إظهارها وجعلها سمة أساسية للهوية الداعية إلى الفخر والاعتزاز، فصار الإسراف والتبذير وعرض ما يفوق الحاجة دليل كرم واقتدار ومكانة اجتماعية فوقية. ليأتي دور الإعلام وعصر الوسائط واللهاث الحامي نحو التسويق والإشهار ليطرح نماذج إضافية تتدخل في صياغة حياة الناس وسلوكهم، وصار رمضان شهر الصوم فترة أشبه ما تكون بسوق كبير تعرض فيه الميديا منتجات الشركات المتنوعة وتتدخل في تحويل حياة البشر إلى مستهلك لمنتجاتها، فغادر رمضان فضاءه الروحي الجميل لينزلق فيه الناس إلى البازارات المادية المتطلبة الخانقة لفضاء الأرواح.

بعد هذه الحرب الشرسة على سوريا، وبعد تجويع الشعب بالحصار المحلي والحصار الخارجي، وبعد أن تردت الحالة الاقتصادية ومستوى الدخل وقيمة الليرة وقدرتها الشرائية، هل سيتغير سلوك السوريين تجاه الاستهلاك؟ وهل سيكون للعمل والجهد البشري قيمة يسعى إلى حمايتها كما حماية بيئته والحفاظ على مواردها؟ هل ستعلّم التجربة المريرة السوريين عادات أخرى بعد أن تصمت المدافع ويأتي وقت العمل على إعادة بناء ما تهدم والنهوض بالوطن من جديد؟ خاصة أن من المعروف بعد حروب على شاكلة الحرب السورية التي جرّت وراءها دمارًا لا يوصف تحتاج بعدها إلى مئات المليارات من الدولارات لإعادة إعمارها من جديد، فإن الغلاء وارتفاع الأسعار سيكونان النتيجة الأكيدة، لأن الشركات المتربصة للانقضاض على هذا الطبق لن تتنازل عن ربحها الورمي وسيدفع الشعب السوري الثمن.

أظن أن من الطبيعي أن يتعلم الشعب السوري من تجربته الكثير، ومن هذا الكثير تعلّم إدارة الحياة الفردية واحترام قيمة الجهد البشري وحماية البيئة وترشيد استهلاك مواردها، وقبل كل شيء استرجاع رمضان إلى فضائه الروحي، وكل عام والسوريين بخير.   

شارك برأيك

أشهر الوسوم