هيئة تحرير الشام بين الأمنيين والعسكريين والشرعيين

2024.02.05 | 05:47 دمشق

هيئة تحرير الشام بين الأمنيين والعسكريين والشرعيين
+A
حجم الخط
-A

خلال الأسبوع الماضي اشتعلت سماء إدلب وريفها بآلاف الرصاصات التي أطلقها المحتفلون بخروج بعض قادة هيئة تحرير الشام من سجونها نفسها. وصل هؤلاء ببيجامات adidas جديدة وزعها عليهم من أفرج عنهم، وبعد أن أمضوا وقتاً انتقالياً قصيراً للتعافي من آثار التعذيب الذي تعرضوا له وما يزال ملحوظاً في صعوبة وقوف بعضهم على أقدامهم.

كان اعتقال جهاز الأمن العام في الجماعة لأبي مارية القحطاني (العراقي ميسر علي الجبوري)، وهو واحد من يصح فيهم وصف «الرجل الثاني» فيها، في آب من العام الفائت، بداية زلزال ضرب مفاصل الهيئة وتحاول قيادتها لملمة آثاره الآن بأي ثمن.

فقد فتحت اعترافات القحطاني، المتهم بالعمالة، الباب لاعتقالات أخذت تمتد بشكل غريب حتى طالت قادة عسكريين وأمنيين من الصف الثاني، وبعض مرافقي كبار متزعمي الهيئة. حتى استقرت، مع توسعها، على العسكريين، وكادت أن تطول قائدهم أبا حسن 600 (مرهف أبو قصرة). في حين برز، على الطرف المقابل، أبو أحمد حدود (أنس خطاب)، وهو «رجل ثان» آخر، في واجهة حملة ملاحقة العملاء بحكم رئاسته للجهاز الأمني، فضلاً عن أنه النائب الرسمي لقائد الهيئة أبي محمد الجولاني (أحمد الشرع).

من غير المألوف في أعمال الاختراق أن يخدم الجواسيس المفترضون جهات متشاكسة إلى هذا الحد

مع مرور الوقت وازدياد الاعتقالات أخذت الأمور تدخل في سياق غير معقول. فمن جهة أولى تعددت الإشارات عن تبعية العملاء، من التحالف الدولي الذي يرى كثيرون أن أبا مارية فتح خطاً معه لمحاربة داعش والخصوم المتشددين، إلى روسيا والنظام السوري. ومن غير المألوف في أعمال الاختراق أن يخدم الجواسيس المفترضون جهات متشاكسة إلى هذا الحد. ومن جهة ثانية، ومع بلوغ عدد المعتقلين المئات، فإن أي جهاز مخابرات لن يرغب في تجنيد كل هذا الرقم، ويزيد، بالتالي، من احتمالات انكشافهم عبر التواصلات أو التسريبات أو أي سبب آخر.

وهنا ظهر الحديث عن «انقلابيين» كانوا يخططون للإطاحة بقائد الهيئة. وهو ما بدا منطقياً بالنظر إلى العدد وإلى تركز هؤلاء في الجناح العسكري الذي عانى من الإهمال النسبي لصالح الأمنيين. كما احتفظ بعض أبرز رجاله، ورغم أنهم ليسوا ضباطاً محترفين، بذكريات متذمرة مريرة عن الأوامر الخرقاء التي أصدرها الجولاني وتعليماته الميدانية غير المستندة إلى خبرة، وأدت إلى خسارة كثير من المناطق ووقوع مجازر عديدة للعناصر نتيجة سوء الإعداد والتحصين.

من جهته تزعم الجولاني لجنة تحقيق مع رفيق دربه القحطاني، وخلية أزمة لمتابعة نتائج استجواب الآخرين، وزار أماكن الاحتجاز بنفسه. وبرر، لكل من زاره متوسطاً أو سائلاً من كبار القوم، اعتقال من يراجعون بشأنه بوجود اعترافات ثابتة له أُخذت من دون إكراه. بل إن بعض المستغربين اطّلع على نصّ الاعتراف المكتوب، وصوّر آخرون محاضر التحقيقات بطريقة ما. وفي الحارة الضيقة لإدلب وريفها انتشرت هذه التأكيدات وسط دهشة المحيطين... حتى حين.

فقد أخذت علامات التململ تظهر بين بعض متزعمي الجناح العسكري، الذي بات مشتبهاً به بتهمة تسليم المناطق للنظام، ممن خافوا أن تطولهم الاعتقالات التي بدا أنها لا تقف عند حد. وهنا انقلب الجولاني على جهازه الأمني الأثير، معلناً رئاسته للجنة جديدة هالها تشعب التحقيقات بشكل مريب فقررت مراجعة كل الملفات. وتبيّن لها، بحسب التصريحات المحدّثة للتوّ، أن عدداً من القادة والمحققين الأمنيين تجاوز قوانين وأنظمة الجهاز واستخدم «وسائل الضغط الممنوعة» مما دفع الموقوفين إلى رمي التهم جزافاً في كل اتجاه، كما قال الجولاني في لقاء عقده مؤخراً لإيضاح القضية. وفيه صرّح أنه جرى توقيف بعض المسؤولين عن «هذه الجريمة النكراء»، وأنه بصدد تشكيل لجنة قضائية لسماع المظلومين من قادة الجناح العسكري الذين أفرج عن معظمهم، مخيّراً إياهم بين أن يعفوا أو يطالبوا بالقصاص أو يحصلوا على ديةٍ مالية. وهو ما بدأه بشكل غير رسمي بتوزيع تعويضات شخصية على المفرج عنهم، قُدِّرت بحسب مكانتهم، وزيارة بعض كبارهم في بلداتهم وتطييب خواطرهم وسط حاضنتهم الاجتماعية بعبارات من نوع «رايتكم بيضا».

وكأي جهاز أيديولوجي مروّض لم يخرج الجناح الشرعي في الهيئة عن تأييد قيادتها. فرافق عبد الرحيم عطون، رئيس المجلس الشرعي، زعيمه في الزيارة المشار إليها أعلاه إلى طعوم، بلدة الشيخ. أما زميله مظهر الويس فقد ظهر في اللقاء الرسمي المصوّر ليستهلّ حديث قائده ويشهد أنه «لم ينم الليل» مؤخراً وهو يراجع ملفات القضية.

لا يبدو أن زعيم الهيئة في وارد تقليص ذراعه الأمني، فهو الركيزة الأولى التي يعتمد عليها في مسيرته الطغيانية المتعاظمة

في حين وقّع عدد من الشرعيين على أطراف الهيئة، أو ممن تركوها، على بيان يطالب بإخراج «فاجعة العملاء الكبرى» من الظلمات إلى النور، ومن الأدراج إلى المجال العام؛ لأن «الشورى سبب لسداد الرأي وصوابه، وسبب لثقة عموم المسلمين فيه. وأما الانفراد بالرأي فسبب للزلل والحيدة عن الحق، وفتح لباب عظيم من الطعن والتشكيك في الأمر». مطالبين بتشكيل لجنة قضائية كاملة الصلاحيات تفصل في الإدانة والتبرئة، ورشّحوا لرئاستها شيخاً موثوقاً لدى الهيئة سبق أنْ قلّدته عدة مناصب، هو الدكتور إبراهيم شاشو. لكن هذا الوزير السابق للعدل ثم للأوقاف في «حكومة الإنقاذ» المرتبطة بالهيئة ألمح إلى رفضه هذه المهمة، متذرعاً بأنه عاهد نفسه ألا يخوض في «أحاديث السياسة وقضايا العامة»، مُفسحاً المجال أمام الجولاني ليعمل على إخماد الأمر.

الآن لا يبدو أن زعيم الهيئة في وارد تقليص ذراعه الأمني، فهو الركيزة الأولى التي يعتمد عليها في مسيرته الطغيانية المتعاظمة، وخاصة مع القيادة الموثوقة لأبي أحمد حدود. في حين تجري التضحية ببعض المحققين ورجال الصف الثاني في الجهاز الأمني وتحميلهم مسؤولية «التجاوزات» التي أخرجت إلى الضوء ما كان خصوم الهيئة يكررونه من شيوع أساليب التعذيب المريعة والتعرض للإهانة في سجونها الأمنية وكانت تنكره حتى ذاقه بعض قادتها الذين لا يتضح كيف سيعودون إلى مناصبهم؛ كعملاء أم كانقلابيين، أم أبرياء برعاية أديداس؟