مجلة أميركية: ما الذي يمكن أن يفعله بايدن لإخراج إيران من سوريا؟

تاريخ النشر: 15.12.2020 | 12:30 دمشق

فورين أفيرز- ترجمة: ربى خدام الجامع

في مطلع الأسبوع الماضي أعلن مسؤولون عراقيون عن قيام غارة جوية باغتيال قائد في الحرس الثوري الإسلامي الإيراني عند دخوله سوريا من العراق في 29 تشرين الثاني حاملاً معه شحنة من الأسلحة. وقد ظهرت تلك الأنباء بعد مرور أيام على اغتيال ضابط رفيع في الحرس الثوري وهو محسن فخري زاده الذي تعتبر وكالات الاستخبارات التابعة له بأنه العقل المدبر لبرنامج الأسلحة النووية الخفي السابق في إيران، حيث تمت عملية الاغتيال بالقرب من طهران. وبالرغم من أن إسرائيل التزمت الصمت بشكل لافت، إلا أن شكوكاً كبيرة تدور حول مؤسستها الاستخبارية وبأنها وراء عمليتي الاغتيال هاتين.

اقرأ أيضاً: إيران تنفي ما كشفه موقع تلفزيون سوريا عن مقتل قائد بالحرس الثوري

وقد سارع المسؤولون الإيرانيون لاتهام إسرائيل باغتيال فخري زاده مع توعدهم بالثأر، غير أنهم رفضوا الاعتراف بوقوع هجوم على قوات الحرس الثوري بالقرب من الحدود العراقية-السورية، ناهيك عن ذلك الهجوم الذي قتل فيه القائد المهم. وبعد يوم على جنازة فخري زاده التي بثها التلفزيون الرسمي، خرج ناطق رسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية ليسخر من التقارير التي ظهرت وتناولت مقتل جنرال في الحرس الثوري في سوريا ووصف ذلك بأنه مجرد: "دعاية إعلامية".

اقرأ أيضاً: منظمة: إيران ترسل محكومين بالإعدام للقتال في سوريا

إلا أن لدى إيران سببا وجيها يدفعها لتجنب لفت الأنظار تجاه نشاطاتها في سوريا، إذ لطالما قلل النظام الإيراني من شأن دوره في ذلك النزاع. ولكن خلال الأيام الماضية، ركز محللون أميركيون بشكل كبير على الثأر لمقتل فخري زاده الذي توعدت به إيران، وهل يمكن لذلك أن يحبط آمال الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن في إحياء الاتفاق النووي مع إيران. إلا أن تدخل طهران بدمشق ما يزال يشكل خطراً على استقرار المنطقة، كما أن التوتر بين إيران وإسرائيل بسبب سوريا يتصاعد بشكل سريع وقد يجبر إدارة بايدن على القيام بفعل لأجل ذلك بعيد تسلمه السلطة بقليل.

نفوذ محدود

على مدار بضع سنين، تعودت إسرائيل أن تقوم بين الفينة والأخرى بضرب مواقع إيرانية في سوريا. وخلال الأشهر القليلة الماضية، استهدفت إسرائيل مقار إيرانية رفيعة المستوى بضربات تسببت بتصعيد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، فقد نقلت وسائل الأنباء بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعطى وزير خارجيته المتشدد مايك بومبيو تفويضاً مطلقاً بمعاقبة إيران، طالما أن تلك الهجمات لن تشعل حرباً عالمية ثالثة. إلا أن البيت الأبيض لم يؤكد ما ورد في تلك التقارير التي بدت وكأنها تغذي توتر الحكومة الإيرانية وقلقها من احتمال مواصلة الولايات المتحدة إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل لتستمر بما تقوم به أو أن تنتزع الأمر من بين يديها، لتقوم هي باستهداف المقار الإيرانية.

اقرأ أيضاً: ميليشيات إيرانية تستولي على أراض في تلبيسة.. كيف تدخل النظام؟

فقد أشار بايدن إلى أن مجابهة الوجود والنفوذ الإيراني في سوريا سيكون أولوية بالنسبة لإدارته. فطهران تواصل زعزعة استقرار المنطقة عبر دعمها للنظام في دمشق الذي يقمع شعبه بشكل وحشي، وكذلك عبر تهريبها للأسلحة والمعدات لحلفائها وشركائها الذين لا يمثلون الدولة  في العراق ولبنان وسوريا. وقد حددت إدارة ترامب المشكلة بشكل صحيح لكنها سعت وراء سياسة كل شيء أو لا شيء التي بالغت بإظهار نفوذ واشطن مقارنة بنفوذ طهران، بيد أن هذا النهج لم يتسبب إلا بترسيخ وتوسيخ نفوذ الجمهورية الإسلامية في سوريا. ولتغيير مسار الأمور نحو الوجهة الأخرى، يحتاج فريق السياسة الخارجية لدى بايدن أن يتعاون مع الشركاء في المنطقة وفي أوروبا كما لابد له من الاعتراف بأن إيران ستحافظ بكل تأكيد على نفوذ لها في سوريا ضمن حدود معينة. وذلك لأن النفوذ الأميركي في سوريا محدود، لكنه يشمل القوة الجوية، والوجود في المنطقة الشرقية من البلاد، والسيطرة على حقول النفط الموجودة فيها. كما يشمل النفوذ الأميركي احتمال تخفيف العقوبات بما أن كلاً من إيران وسوريا (نظام الأسد) بأمس الحاجة إلى ذلك.

إيران وسوريا

منذ "الثورة الإسلامية" التي قامت في عام 1979، أصبحت علاقة إيران بالدول العربية المجاورة متقلقلة في أحسن الأحوال. وخلال الحرب الإيرانية-العراقية التي امتدت ما بين عامي 1980-1988، وقفت جميع الدول العربية في المنطقة إلى جانب صدام حسين عملياً، إلا أن سوريا كانت الاستثناء الوحيد اللافت، كونها أخذت تدعم إيران. وطيلة العقدين اللذين أتيا بعد الحرب، ظل حافظ الأسد وابنه ووريثه بشار من بين الأصدقاء الأوفياء القلائل للجمهورية الإسلامية في هذه المنطقة.

وعندما بدأت الثورة في سوريا في عام 2011، قدمت إيران لنظام الأسد يد العون لقمعها. إلا أن ما ظنته إيران حملة سريعة في بداية الأمر سرعان ما تحول إلى تدخل عسكري شامل تورط فيه -مع وصول النزاع لذروته -عناصر من الحرس الثوري الإيراني بالإضافة إلى قوات الجيش الإيراني التقليدية. كما قامت إيران بالتدريج بحشد حلفائها وشركائها الذين لا يمثلون دولاً لدعم الأسد. لذا ما يزال من الصعب تقدير العدد الحقيقي للقوات الإيرانية وتلك التي تدعمها إيران في سوريا عبر ما يتوفر من معلومات نشرت على العلن. كما أن الكثير من القوات الإيرانية رحلت عن سوريا عندما أحكم الأسد قبضته عليها، إلا أن عدداً من القادة والأعوان ظلوا في سوريا لتأمين مصالح إيران وللإشراف على العمليات المستمرة.

اقرأ أيضاً: النفوذ الإيراني في سوريا.. أهداف تتجاوز المسائل العسكرية

هذا وتعتبر إيران سوريا الجزء الحساس من محور المقاومة التابع لها، كما أنها طريق مهم لتوريد السلاح والعتاد لحزب الله اللبناني. ولهذا فإن الحكومة التي ستأتي بعد الأسد قد لا يعجبها النفوذ الإيراني، كونها قد تعتمد في تركيبتها على عناصر أكثر من السنة، ولهذا يمكن أن تتحالف مع منافسي إيران في المنطقة وعلى رأسهم السعودية. إذ بوجود عدد قليل من الحلفاء في المنطقة، تعتبر إيران وجود حكومة صديقة لها في سوريا جزءاً أساسياً من بقائها وقوتها.

الاستعانة بكل القنوات

على مدار السنوات الأربع الماضية، سعت إدارة ترامب لتطبيق سياسة غير متماسكة حيال سوريا أضرت بضِدقيّتها وكل ذلك صبّ في مصلحة إيران. إذ أعلنت الولايات المتحدة عدة مرات عن سحب الجنود وتقليل عددهم، كما استهانت بالتزاماتها تجاه قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تعتبر شريكتها في محاربة تنظيم الدولة. فهذه القرارات وغيرها التي اتخذت حيال سوريا أتت مناقضة لخطاب ترامب المتشدد وأعطت انطباعاً بأن الوقوف في وجه إيران هناك لم يكن أولوية بالنسبة للرئيس.

ولهذا يتعين على إدارة بايدن المقبلة أن تتقبل فكرة محدودية خياراتها لمحاربة النفوذ الإيراني في سوريا، إلا أنه ما يزال بوسعها أن تتخذ بعض الخطوات الفورية، فمثلاً، تخضع قوات سوريا الديمقراطية حالياً لأوامر قاطعة صدرت عن واشنطن لمنعها من مخاطبة النظام. ولهذا يجب على الإدارة الجديدة أن تزيل تلك العقبة وأن تسمح بحالة تشارك أكبر بين قسد وروسيا بوصفها وسيطاً. إذ لو كان هنالك عنصر إقليمي فاعل واحد يقف ضد النفوذ الإيراني في سوريا بشدة فلا بد أن يكون قسد التي تعرضت لمضايقات كثيرة من قبل الميليشيات التي تدعمها إيران على طول نهر الفرات، وكذلك الأمر بالنسبة لأهالي مدينتي دير الزور والقامشلي. إلا أنه بوسع قسد في حال دخولها المفاوضات إلى جانب روسيا أن تسهم في إخراج الميليشيات المرتبطة بإيران من المناطق التي توجد فيها  الولايات المتحدة وغيرها.

اقرأ أيضاً: "الحرس الثوري" يجبر النظام على إخلاء نقاط تمركزه في البوكمال

هذا وتقوم السياسة الأميركية الحالية على رفض تطبيع العلاقات مع نظام الأسد المجرم، إلا أن الكثير من الدول العربية سعت لإحياء علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا، بمباركة أميركية أو بدونها. إذ مؤخراً، قامت عُمان بإعادة فتح سفارتها في دمشق، وقبلها بسنة أعادت الإمارات فتح سفارتها هناك. ولهذا بوسع الولايات المتحدة أن تحاول التأثير على تلك المفاوضات عبر الدول الخليجية التي ستشارك فيها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنها ستسامح تلك الدول على فتح قنوات خلفية مع النظام السوري.  

ولقد حافظت الولايات المتحدة على قناة دبلوماسية مع روسيا فيما يخص سوريا، وفي الوقت الذي ستعترف فيه الولايات المتحدة بنفوذ روسي محدود وبمشاركة إيران، يتعين عليها أيضاً أن تواصل تعاونها مع روسيا حيث تلتقي مصالح الدولتين. إلا أن كلاً من موسكو وطهران تسعيان لإعلان انتصار الأسد والاستثمار في ذلك، وهنا يجب على الولايات المتحدة أن تستفيد من الهوة التي يزداد اتساعها بين روسيا وإيران. إذ بوسع الولايات المتحدة أن تضغط على روسيا لتساعدها في إخراج القوات الإيرانية وما يرتبط بها من ميليشيات من المناطق الممتدة على طول نهر الفرات وكذلك من المناطق التي تقع ضمن مرمى ضربات إسرائيل. وبالمقابل، يمكن للولايات المتحدة أن تتنازل لروسيا عن المناطق التي لا تهمها ولكن روسيا تعتبرها حساسة بالنسبة لأهدافها التي تدور حول إعادة سيطرة نظام الأسد على كامل التراب السوري، ومن تلك الأماكن نذكر القاعدة الأميركية في التنف.

اقرأ أيضاً: ميليشيا "الحرس الثوري" الإيراني تعزز قواتها شرقي سوريا

كما ينبغي على الولايات المتحدة أن تتعاون مع أنقرة وموسكو لإبعاد طهران، ومن الاحتمالات المطروحة في هذا السياق إجراء مباحثات ثلاثية حول الخلايا الإرهابية في إدلب، آخر معقل بقي بيد المعارضة السورية، والذي يؤوي على ما يبدو بعض العناصر من تنظيم الدولة وتنظيم القاعدة بين الجماعات المتطرفة العنيفة الأخرى. وهذه المهمة لن تكون سهلة، وذلك لأن العلاقات الأميركية-التركية قد ساءت، كما أن موسكو وأنقرة تختلفان بشكل جوهري على الجماعات التي يمكن أن توصف بأنها إرهابية، وقد أبدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعداده لتوسيع النزاع من أوروبا الشرقية وحتى شمال أفريقيا. ومع ذلك بوسع واشنطن أن تعزز الموقف الأميركي في شمال شرقي سوريا في الوقت الذي تعمل فيه على اجتثاث الخلايا الإرهابية وإعادة فرض نفسها كعنصر فاعل هام في الجهود الدبلوماسية التي ستبذل في سوريا مستقبلاً.

وكذلك على الولايات المتحدة أن تواصل العمل عن كثب مع إسرائيل لضمان حرية إسرائيل بالقضاء على الأخطار التي تقترب من حدودها مع سوريا، إلى جانب ضمان وجود مصلحة لها في أي مفاوضات ستجري حول إيران والجهات المرتبطة بها. ويمكن للولايات المتحدة أن تستعين بالمحادثات التي تجريها مع إسرائيل وروسيا كل على حدة كنقطة انطلاق للمفاوضات الثلاثية، حيث يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل محاسبة روسيا على أي وعد لم تنفذه. وقد تصبح تلك المحادثات الثلاثية مفيدة للغاية فيما يتصل بتبادل المعلومات الاستخبارية حول تحركات الأسلحة الإيرانية وأي خطر يمكن أن يهدد إسرائيل.

وأخيراً يمكن القول بإن إدارة بايدن سترث ملفاً معقداً بالنسبة للشرق الأوسط، ولا يعود ذلك فقط للتوتر بين إيران وإسرائيل، بل أيضاً لوجود سوريا ضمن هذا الملف. إذ تبالغ السياسة الأميركية الحالية التي تقف في وجه الدور الإيراني في سوريا في تقدير نفوذ الولايات المتحدة وقدرتها على دحر إيران من سوريا. ولهذا يجب على الإدارة الأميركية الجديدة أن تتقبل حالياً فكرة عدم رحيل إيران عن سوريا بشكل كامل، وعدم تخليها عن نفوذها في سوريا تماماً. إلا أن اتباع سياسة واقعية متدرجة في سوريا لا بد أن يساعد الولايات المتحدة على تخفيف الضغوط والتقليل من خسائرها.

  المصدر: فورين أفيرز