ماذا لو بقيَ "نظام الأسد"

تاريخ النشر: 01.05.2018 | 11:05 دمشق

آخر تحديث: 15.06.2020 | 23:21 دمشق

ماذا ستكون عليه الأمور في سوريا وعلى أهلها، في حال بقي "نظام الأسد؟ أهل سوريا يعرفون الجلاّد، وخبروا طبائع الاستبداد، وعاشوا أو قرؤوا ما لم تشهده البشرية من حقد وثأرية منظومة تفعل أي شيء لتبقى في السلطة.

ليس الصفح والتسامح من شيم الاستبداد؛ ومن يرى في المواطنين "رعية"، ويصفهم بالجراثيم، وتعوّد منهم الخضوع والخنوع والخوف والطاعة المطلقة والمجتمع "المتجانس"؛ لا يحتمل أي خروج عليه. وإن حدث ذلك، على "الجاني" أن يتوقع أقصى العقوبات – وقد يكون الموت أهونها. ومن هنا، كان لصرخة السوريين بالحرية كل هذه التكلفة. فما المُتَوقَّع، إن بقي؟

من المرجّح أن يتحول "النظام" إلى ميليشيا انتقام ويكون أكثر فتكاً مما نراه الآن، لتصفية حساباته مع معارضيه؛ وذريعته محاربة جيوب الارهاب،

يمثّل القرار الخبيث في  تغيير الهوية السورية إلغاءً لكل من عارض أو قال "لا" للنظام؛ وبذا يتم إنجاز التغيير الديموغرافي  وتوطين ميليشيات أجنبية، وسورنتها

وسيتحول القتل الخفي إلى قتل علني؛ أما الفساد الإداري والاجتماعي الشامل فسيكون نمط "حياة". وهذا يستلزم انتشار عصابات القتل والتعفيش والتهجير باسم مكافحة الإرهاب، وزج كل معارض له بالسجون، وتنفيذ محاكم ميدانية؛ وستشهد البلاد مليون مفقود جديد لا أحد يعرف عنهم إن استشهدوا أو دُفنوا أحياءً في مقابر النظام.

ستتفاقم أوضاع السوريين في الداخل وفي بلدان اللجوء، وستبقى معاناة المهجرين لسنوات، ويبقى من تهجّر في مهجره؛ وسيكون هناك تصفيات للهاربين والمنشقين والمعارضين. كل ذلك سيساهم بالتغيُّر الديموغرافي المنشود، حيث من هاجر لن يكون قادراً على العودة خوفاً من الاعتقال أو القتل. ويمثّل القرار الخبيث في  تغيير الهوية السورية إلغاءً لكل من عارض أو قال "لا" للنظام؛ وبذا يتم إنجاز التغيير الديموغرافي  وتوطين ميليشيات أجنبية، وسورنتها.

سيزداد الفقير فقرا والغني غنى، ويزداد الدمار الأخلاقي والاجتماعي في سوريا. وسيحدث بالتالي تغيّر في قناعات الناس بما هو صحيح وماهو خطأ، ما يولّد جهلا ثقافيا يمتدّ لسنين طويلة ، وبذا تنهار معظم الثوابت الأخلاقية والمعايير الوطنية وتتحوّل سوريا إلى دولة فاشلة بكل ما للكلمة من معنى.

إذا بقي "النظام" فهذا يعني أنه انتصر على أعدائه من طالبي الحرية والعدالة والمساواة بمختلف مشاربهم وانتمائهم. وهذا الانتصار سيزيد من ثقته بنفسه و بالمعادلات الإقليمية التي أثبت من خلالها أنه اللاعب الماهر والوحيد في سوريا؛ ولذلك سيمارس أشد أنواع الدكتاتورية التي عرفتها البشرية على الإطلاق؛ وسوف يتحول الشعب السوري إلى قطيع تحكمه هذه الأسرة مئات السنين دون أن تقوم له قائمة.

وهكذا ستكون الشعارات الإنسانية وحقوق الإنسان و المساواة والعدالة ومحاسبة مجرمي الحرب من قبل دول العالم الأول مجرد خزعبلات. وهنا سيعترف العالم أجمع بهذا النظام وتتصالح جميع الأنظمة العربية والإسلامية والعالمية معه مبررةً فعلتها بأنها تقوم بذلك من أجل مصلحة الشعب السوري الذي تركته يُقتل لعدة سنوات من قبل هذا النظام؛ ولا يُستبعد أن يلجأ كثير من الشعب السوري من السنّة حصرا لتغيير مذاهبهم والتحول نحو التشيّع حماية لمصالحهم والخوف على أولادهم. بالمختصر سيكون هناك تأجيل لأي مشروع وطني سوري لأجيال قادمة ما يفضي إلى  قتل أي أمل عربي بالحرية.

من جانب آخر, إذا كان بقاء النظام نتيجة انتصار عسكري ساحق مع حلفائه؛ فالنتيجة هي تغول الطغمة الحاكمة ومزيد من التشريد والقتل للحاضنة الاجتماعية للثورة؛

ستتحول "الدولة" إلى معسكر ومقر لمخابرات إيران وروسيا لتقويض الاستقرار في المنطقة، بحيث تتصارع هذه الضباع مع نفسها ومع هياكل الدولة البائسة

أما إذا كان بقاؤه نتيجه تسوية بين الروس والأمريكان واللاعبين الإقليميين الآخرين، فعندها سيتم تقليم أظافره وأنيابه وتحوله لمنصب فخري مجرد من الصلاحية لمدة معينة بانتظار إعداد البديل. وهكذا لن يكون له قرار أو رأي في مستقبل سوريا. القرارت ستكون بيد الجهات الخارجية التي حافظت على وجوده...

في هكذا حال، سيكون الاحتلال روسياً بالدرجة الأولى ويكون له اليد العليا عسكرياً وأمنياً؛ ويمكن أن يتمدد سياسياً أيضاً. أما الاحتلال الإيراني  فسيتمدد دعوياً بحجة التشييع، واقتصادياً بحكم استثماراته المزمنة، وستزداد سلطة عملاء إيران في سورية أمام ضعف سلطة الشبيحة الأسديين؛ وستحدث تصفيات كبيرة بين بعضهم البعض، وخاصة أنهم استولوا على المناصب الأمنية والعسكرية العليا؛ أما الأمريكيون فسيسيطرون على الموارد النفطية، وخاصة في الشمال والشمال الشرقي. بالمختصر ستتحول "الدولة" إلى معسكر ومقر لمخابرات إيران وروسيا لتقويض الاستقرار في المنطقة، بحيث تتصارع هذه الضباع مع نفسها ومع هياكل الدولة البائسة لتبقى ضعيفة ومركزا لنشاطات إيران .. ثم تغرق في ظلمات الجهل والطائفية والعزلة والتهميش تتنازعها الولاءات للخارج.

بقاء النظام يعني بداية نجاح المشروع الفارسي في منطقة الشرق الأوسط، وتبعات ذلك سيطرة كاملة لإيران على العراق و البحرين، وبداية اهتزاز الحكم في الأردن والسعودية؛ وبعد ذلك تقسيم السعودية و اليمن و تحريك ورقة الأكراد في تركيا تمهيدا لحكم ذاتي لهم؛ وبعد ذلك يبدأ الصراع الإسرائيلي الفارسي على منطقة الشرق الأوسط؛ و يصبح العرب تابعين لإسرائيل أو لإيران.

وفي أسوأ السناريوهات التي يمتزج فيها الاحتلال مع التقسيم، ستتحوّل سوريا إلى كانتونات أو مناطق نفوذ وسيطرة طائفية وإثنية تابعة إقليمياً ودولياً ؛ وستزداد الحرائق في المنطقة و تتغير الحدود والخرائط. وهذا يجر المجتمع الدولي إلى خيارين أحلاهما مرّ؛ إما إبقاء بشار إلى فترة أطول، وإما تقسيم سوريا إلى كنتونات متصارعة. الأخطر على مستوى وطني، أن النظام سيظهر  تقاربا واضحا دون مواربة مع الكيان الصهيوني، ما يعني بقاء الجولان السوري المحتل بيد إسرائيل.

 سيناريوهات مختلفة؛ ربما أقل تشاؤماً

في الإجابة عن هذا السؤال، هناك سيناريوهات متفائلة، حيث يرى البعض أن بقاء "النظام" مستحيل، حتى ولو حاربت إلى جانبه أميركا وإسرائيل علناً، لأن بقاءه عكس تطور البشر وعكس منطق الثورات من بداية الخليقة والطبيعة؛ فهو سقط مع أول قطرة دم سقطت من سوري عام 2011؛ ومن هنا يصعُب تَخَيُّل بقائه حتى في الأحلام؛ وما من مصلحة أحد- حتى داعميه- بقاؤه؛ وما هو إلا جثة تتقاذفها شواطئ المصالح الدولية؛ حيث أضحى بقاؤه ورحيله سواء.  باختصار؛  حتى إذا بقي النظام فلن يكون كما كان قبل الثورة..لقد فقد أظافره؛ والسوريون كسروا حاجز الخوف، ومن الصعب ترميمه.

يرى آخرون أن الثورة ستعود إلى الانفجار بطريقة مغايرة لما حدث؛ وقد تكون أكثر حدة لعدم إمكانية استمرار الوضع الذي ستحاول ترسيخه الدول المحتلة. وقد تتحول إلى مقاومة شعبية تستمر حتى إسقاطه بأشكال مختلفة. هكذا ثورة أو مقاومة شعبية ستكون شاملة في كل ربوع سورية، بسبب الجوع والفقر والسرقة والقتل؛ وستبدأ هذه المرة من مناطق النظام بحيث تخرج المظاهرات، وتستمر، ولا تهدأ حتى السقوط النهائي.

فئة ثالثة ترى بأنه لو بقي فسيكون تحت إشراف دولي, وستُطرد إيران والميليشيات الشيعية من سوريا بأوامر دولية تحت اسم "الإرهاب عابر الحدود" وسيحاول /الحكم الدولي "الأممي"/ إقامة شكل ما من الديموقراطية كما كان الأمر زمان الحكم الفرنسي؛ وستترك له، كرئيس للميليشيا، التخلص من العصابات عابرة الحدود؛ وستعيش سورية حياة بليدة لا أمل فيها، ولا فرح، ولا نصر؛ وسيعيش ما تبقى له من سنوات الحكم المنتخب تحت تهديد الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية

فئة رابعة ترى أن النظام سيكون كذئب مفترس بجلد حمل، وسيحاول أن يغيّر سلوكه نظريا فقط واستمالة الفئة الصامتة،

نظام الأسد سلّم أعزّ ما يملك الإنسان "وطنه" إلى كل شذاذ الآفاق والانتهازيين في العالم وعلى رأسهم الدبّ الروسي المريض سياسيا واستراتيجيا

وسيحاول أن يقرّب الشعب إليه، وابتزاز السوريين ثوار ونظام بأشكال مختلفة؛ وسيسعى إلى نيل تأييد الأنظمة العربية. ظاهرياً؛ سيتخلص من كل من يعتقد أنه عارضه أو سوف يعارضه؛ ولكن من غير المعقول أنّ من قتل الشعب ودمر البلد يستطيع أن يحكم البلد وهو يعلم علم اليقين أن الحجر والشجر والبشر ستنتقم ممن كان سبباً في دمار البلاد والعباد، ولن يستطيع النوم من الخوف.

وخامسة ترى مصيره كمصير نظام "مجيب الرحمن" في أفغانستان زمن الاحتلال السوفييتي ؛ فنظام الأسد سلّم أعزّ ما يملك الإنسان "وطنه" إلى كل شذاذ الآفاق والانتهازيين في العالم وعلى رأسهم الدب الروسي المريض سياسيا واستراتيجيا؛ والذي  يبحث عن مخرج من تخلفه الحضاري والإنساني من باب أوكرانيا ومن النافذة السورية وباللعب على حبال المنطقة، ومنها تركيا وإسرائيل منشئاً قواعد للاحتلال وليس آخرها بالقرب من دمشق . ولكن هذا الدب الروسي سيخرج هو ونجيب الرحمن الجديد من سوريا، ولن يفعلوا شيئا إلا كسب الوقت فقط؛ لأن النهاية لكل خائن معلومة. أما المستعمر الثاني والذي سينتهي من جذوره وهي إيران الفارسية والتي تقوم على حقد عنصري وفئوي ديني بغيض مرفوض من كل العالم فمشروعها الخبيث للتمدد - طبعا بمساعدة ومباركة إسرائيل( رغم التهويل وحتى المناوشات) فقد بدأ بالانحسار. النظام  أمام خيار صعب؛ ستنتهي سلطته البغيضة، ويقوم نظام علماني فدرالي- ومن بعده كذلك العراق- وسيكون البلدان بداية ولادة شرق أوسط جديد.

.

أخيراً، وبنظرة عالية التشاؤم، لا بد من القول بأنه قد كُتِب الكثير عن سمات النظام الإجرامية وقسوته الممزوجة بنزعة انتقامية حاقدة، وكذلك عن عنجهيته وصلفه واستعلائه واحتقاره للشعب، وعن عدم استعداده لأي تنازل مهما كان ضئيلا... حتى إن اضطر لذلك يعود ويتحيّن الفرصة ليظهر الحقد الشديد والانتقام والبطش ممن أجبره على  ذلك؛ فعلى الصعيد الداخلي- إن بقي-  سيتم تطويع الشعب وإعادة بناء جدار الخوف، و تقليل الأكثرية المذهبية في المجتمع تدريجيا،ً ومضاعفة الجهود المبذولة لنشر المذهب الشيعي في أوساط السنّة. وعلى المستوى الإقليمي والدولي- إن بقي-  سيكون هناك حلف استراتيجي /روسي إيراني عراقي سوري لبناني/، وستكون دول مجلس التعاون الخليجي عرضة لاضطرابات عنيفة بواسطة الأذرع الإيرانية الاستخبارية والمذهبية داخل هذه الدول؛ وليس ببعيد تفكك واحدة أو اثنتين منها. ويبدو الأردن وكأنه ممسوك من رقبته. و تركيا يسودها التوتر والقابلية للانفجار في أي وقت. وسيتم التنسيق مع إسرائيل ويكون عرّاب ذلك الصديقة الحامية استراتيجياً روسيا. أما أمريكا ، فسيكون لها جمع الأموال والتحكم بكل الألعاب عن بعد.