لجنة صناعة السينما والتلفزيون.. شبّح وزاود وخذ ما تريد

تاريخ النشر: 13.01.2022 | 05:05 دمشق

قيل الكثير خلال الأيام الماضية، عن القرار الذي أصدرته لجنة صناعة السينما والتلفزيون، والذي يمنع نشر "أي محتوى فني"، على وسائل التواصل الاجتماعي، من دون الحصول على التراخيص اللازمة! 

ورغم أن رئيسها علي عنيز حاول في مواجهة منتقدي القرار، تحديد النوع المستهدف، بالزعم أنه تلك الأفلام التي تسخر من اللهجات السورية، وتلك التي تتضمن محتوى إباحياً، إلا أنه كان من اللافت قيامه منذ يومين بزيارة موقع تصوير مسلسل "حوازيق" العائد لشركة "أفاميا" للمنتج فراس الجاجة، والذي يحمل عنوانه محاكاة لكلمة أخرى، لا تتمتع بالرصانة التي ينادي بها في تبريراته هي "خوازيق"! ما يؤشر إلى أن عينيه تنظران إلى جهة مختلفة، هي تلك المواد الفيلمية، التي ينشرها سوريون ضد قرارات حكومة النظام، ووزرائها.

فعلياً وعلى أرض الواقع، لا تملك لجنة عنيز، سلطات تسمح لها فرض أي شيء على صناع المحتوى، داخل البلاد وخارجها، مثلها مثل غريمتها التقليدية نقابة الفنانين، التي سبق لها أن أصدرت دون سند قانوني، وتحت قيادة زهير رمضان بياناً، منعت بموجبه التدخين في أثناء تصوير المشاهد الدرامية، وكذلك الحديث عَبْر الهاتف خلال قيادة السيارة.

نعم، اللجنة ليس لديها حق النظر في المحتوى المنشور في شبكة الإنترنت، حتى وإن كان منتجاً درامياً، لأن دورها محدد وفق قرار صادر عن وزير الصناعة منذ العام 1994، لكونها تنضوي تحت مظلة غرفة صناعة مدينة دمشق، وهو أن "تتولى مهمة الترخيص لشركات الإنتاج، ومنح شهادات المنشأ، بعد الحصول على الموافقات اللازمة من الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ونقابة الفنانين، وفق الأصول، كما تتولى مهمة تسهيل تنسيق الصلات بين السلطات وأصحاب هذه الصناعة".

لكن، وضمن فضاء عام، مبني على التحكم الأمني والتشبيحي، بكل مفاصل الحياة، يمكن لأي كان، أن يخترع لنفسه دوراً، يسوّقه بين العموم، طالما أن الجهات الأمنية، تجد ما يروق لها في هذا!

وربما لم يكن بإمكان رئيس اللجنة الحالي، أن يمد أطرافه أبعد من حجمه الحقيقي، لولا تغير بعض الظروف التي أحاطت بعملها.

اللجنة التي تمثل شركات الإنتاج السينمائي والدرامي، ورغم وجودها المقونن، كانت، وطيلة سنوات خلت، تعاني من تسلط جهتين على عملها، ومحاولتهما جرها دائماً إلى ما يخدم مصالحهما، أو على الأقل حرمانها من القدرة على الدفاع عمن تمثلهم. وهاتان الجهتان هما أولاً وزارة الإعلام ولاسيما مؤسستها الرئيسية الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، بالإضافة للمؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والدرامي، وثانياً نقابة الفنانين.

تتحكم وزارة الإعلام بالمنتجين، من خلال قدرتها على التحكم بمحتوى المنتج الدرامي، الذي تتم رقابته "كيفياً" في مكاتبها، إذ لا وجود لقائمة محظورات أو مسموحات، وبعد انتهاء العملية الإنتاجية، يتم التحكم بالمنتجين "كيفياً" أيضاً، من خلال قبول أو رفض أعمالهم للعرض على القنوات السورية، ويبقى هذا التسلط قائماً حتى بعد القبول من خلال تحديد الأسعار "كيفياً" أيضاً، والتي يتم وضعها مقابل قيمة الساعة الدرامية التي تستحقها الشركة المنتجة!

وفي جهة مقابلة، تتحكم نقابة الفنانين باللجنة من خلال قدرتها على منح أو حجب أذونات العمل للمشاركين في المسلسلات وغيرها، وأيضاً في تقدير ما يتوجب على المنتجين، من الرسوم المالية المفروضة على الفنانين، نتيجة ارتباطهم بعقود عمل مع الشركات، وتوجيه هذه المستحقات إلى صندوق النقابة.

ووسط هذه العلاقات المسماة، والواضحة، من خلال القانون بين هؤلاء "الشركاء"، كانت اللجنة تعاني دائماً من تأخر لجان القراءة في البت بالأعمال المقدمة من المنتجين، وتعاني تأخر سداد "القروش" (بحسب قول أحد المنتجين) المستحقة لهم على الهيئة العام للإذاعة والتلفزيون. 

معظم المنتجين ذهبوا إلى إعلان مواقف متطابقة تؤيد النظام، وفي سياق كهذا تكثر فيه المزاودات، كان على هؤلاء تحمل ضريبة رفض القنوات العربية عرض أعمالهم، طالما أنها تخدم رواية النظام عما يجري في البلاد.

وفي الوقت نفسه، كانت النقابة، وبغض النظر عمن يقف على رأسها، ترى بأن المنتجين يحاولون التهرب، أو الاحتيال بشكل أو بآخر، من أجل تخفيض الرسوم، ما يؤثر في النهاية، على رصيدها المالي، الذي تدفع منه ما يتوجب عليها دفعه للفنانين المتقاعدين من مستحقات مالية. ولهذا كانت العلاقة بين الطرفين مشحونة دائماً، ومتخمة بالريبة.

المشكلات هذه كانت تحل عادة من خلال زيارة رئيس اللجنة  لوزير الإعلام، أو للمدير العام لهيئة الإذاعة والتلفزيون، أو لنقيب الفنانين، لكن هذه الأعراف لم تعد كافية لحل القضايا العالقة خلال العقد الماضي، فقد تضرر المنتجون من الحدث الرئيس في البلاد أي الثورة، لأنها وضعتهم أمام استحقاق كبير بالنسبة لهم، ليس أمام الشعب، بل أمام النظام الذي طالما ادعى بأنه يرعى الدراما وصناعها، وبالتالي فإن أي موقف نافر عن الموقف الرسمي، كان سيتسبب بخسارة صاحبه لعمله، فضلاً عما يترتب عليه من تبعات كأي مواطن يعارض الأسد. 

ولهذا فإن معظم المنتجين ذهبوا إلى إعلان مواقف متطابقة تؤيد النظام، وفي سياق كهذا تكثر فيه المزاودات، كان على هؤلاء تحمل ضريبة رفض القنوات العربية عرض أعمالهم، طالما أنها تخدم رواية النظام عما يجري في البلاد، ورغم أن رؤساء اللجنة الذين تعاقبوا على كراسيهم كانوا يدعون أن هذه القنوات (القنوات الخليجية) تتآمر عليهم مع حكوماتها، إلا أنهم كانوا يسقطون الجزء الآخر من الحقيقة الذي يقول إنها أيضاً لم تعرض أعمالاً تمثل أو تقترب من وجهة النظر الأخرى، ما يعني في المحصلة وجود قطبة مخفية في المعادلة قوامها رداءة الأعمال التي يقومون بإنتاجها، في ظل الفوضى العارمة التي تعيشها البلاد، ومع تسلط الشبيحة من الفنانين على العملية الإنتاجية، التي ما كان لها أن تستمر لولا علاقات البعض مع الأجهزة الأمنية ومع ضباط القصر، وقادة الميليشيات، وأمراء الحرب، الذين باتوا يتحكمون بكل مفاصل الحياة، بما فيها الدراما. 

وضع كهذا، جعل غالبية المنتجين، يضعون البيض كله في سلة القنوات الرسمية، والخاصة، التي حاولت وبموجب توجيهات النظام استيعاب الوضع المتردي، فصار التوجه نحو قناة "لنا" لصاحبها سامر فوز كمثال، فرصة للتعويض عن الخسائر، وبما يمنحهم دفعاً بسيطاً يمنعهم من التوقف!

لكن، كيف يمكن حل المشكلات التقليدية التي يعاني منها المنتجون، في البيئة الجديدة، وقد سادت فيها قوانين وأعراف التشبيح والتسبيح والحمد، ليلا نهارا بأفضال الأسد وداعميه؟!

وكيف يمكن الوقوف في وجه نقيب فنانين متسلط، أراد أن يبتلع ليس نقابته وفروعها فقط، بل الشركات المنتجة أيضاً؟

وكيف يقفون في وجه قرار صدر على حين غفلة، ألزمهم بالحصول على براءة ذمة، من عند النقيب زهير رمضان، قبل حصولهم على مستحقاتهم من هذه الجهة أو تلك؟

وكيف يستطيع هؤلاء أن يرفضوا محاولات البعض إلحاق شركاتهم بالقطاع العام، رغم أن أحداً منهم لم يعلن رغبته بذلك؟ ولاسيما بعد قرار وزير الإعلام السابق عماد سارة، بتشكيل لجنة مؤقتة، مؤلفة من موظفين من وزارة الإعلام وبعض الوزارات وأحد المنتجين، تحل محل لجنتهم، وتكون مهمتها الإشراف على الأعمال المنتجة!

تاريخ اللجنة طيلة السنوات الماضية، ورغم أن فعالياتها كانت ممتلئة بالنعوات للممثلين الراحلين، وبالحفلات على شرف هذا الفنان وذاك المسلسل، والتطبيل والتزمير لكل المنتجات الدرامية، وبما يشمل حتى الأعمال الرديئة التي ساهمت في تخفيض قيمة الدراما السورية عموماً.
احتوى أيضاً صوراً وأخباراً، عن تقافز رئيسها ومن معه بين مكاتب الوزراء والمديرين العامين، وسلسلة طويلة من القرارات والردود عليها، من أجل درء الأخطار السابقة، غير أن كل ما كان يجري على السطح، كان يتوازى مع زيادة النزعة التشبيحية والولائية لدى هؤلاء، في الداخل من خلال الالتصاق أكثر فأكثر بالنظام وسياساته، وكذلك في الزيارات الخارجية القليلة، من خلال محاولة الترويج له؛ وهكذا رأينا رئيس اللجنة السابق بسام المصري يشترط، برفقة عدد من الممثلين الشبيحة كسوزان نجم الدين، أن يُرفع علم النظام، قبل الحضور في قاعة مجلس الجامعة العربية في القاهرة، نهاية عام 2016، ما رُوج له كانتصار للنظام.

وكذلك رأينا اللجنة تطلق مواقف سياسية تغالي في المزاودة على الآخرين، ولاسيما منها البيان الذي أصدرته ضد قناة MBC في بداية أيار 2020 متهمة إياها بالقيام بالتطبيع مع إسرائيل، إثر عرضها لمسلسل (أم هارون).

وصولاً إلى عودتها في شهر تشرين الثاني الماضي إلى عضوية اتحاد المنتجين العرب، حيث وافق مجلسه على تجديد انضمامها له، وذلك بناء على قرار شخصي لرئيس الاتحاد معللاً بمادة من لوائحه الداخلية.

الأمر الذي رفع من رصيد رئيس اللجنة الجديد، إذ تحول بموجب القرار من موظف يحاول الحفاظ على مصالحه، إلى نائب لرئيس الاتحاد المصري إبراهيم أبو ذكري! 

وقد حمل موت نقيب الفنانين زهير رمضان، وبما كان يمثله من مركز قوة، يستند على علاقات أمنية راسخة، وسلطة معززة حزبياً بدعم القيادة القُطرية، فرصة إضافية لعلي عنيز، ليحل محله ربما، في تعبئة الفراغ، ولأن يحاول الظهور أمام الجمهور بوصفه حامياً لحمى الأخلاق المجتمعية.

بينما يمكن القول وبكثير من الدقة، أنه يصرح ويفعل هذا لتسويق نفسه وسط القيادات الأمنية والسياسية، فهو كغيره يحتاج إلى دعمها، وهي في المقابل، لن تجد خادماً للنظام، أفضل من هؤلاء الذين يحاولون اختراع أدوار لأنفسهم، ولديهم الاستعداد لدفع ما يتوجب بغية الحصول على الرضى.