كيف تصبح الثورات سوقاً للتجاذبات السياسية

تاريخ النشر: 01.12.2021 | 06:01 دمشق

آخر تحديث: 01.12.2021 | 06:06 دمشق

يبدو المشهد الآن واضحاً تماماً، هو مشهد مغرق بالسوداوية وانعدام القيم الأخلاقية وضياع الهوية الوطنية لكثير من الشعوب، صراعات ممتدة على امتداد جغرافيا الكوكب، وسيطرة للحياة الاستهلاكية على كثير من مفاصل الحياة ما أدى في النهاية إلى حدوث تغيير جذري في المفاهيم الحقيقية، وإعادة للنظر في كثير من المسلمات بالتزامن مع أوبئة تأتي تباعاً تهدد بانقراض الجنس البشري.

المشهد لا يسرّ، بل ويبدو مبرراً كافياً لكثير من انعدام الرغبة في الحياة أو رفض الإنجاب أو الإقبال على الانتحار، وكثير من الظواهر التي انتشرت مؤخراً، لكن ما تتناوله الأحاديث المتناقلة وتصر عليه كثير من التحليلات السطحية أن هذا الانحدار الذي أودى بالعالم إلى الهاوية قد بدأ منذ لا يزيد عن عقد من الزمن.

على أن هذه الرؤية على سطحيتها واجتزائها للحقيقة وتأطيرها للأحداث تحاول تحميل العبء والمسؤولية على كاهل الحراك السياسي الذي انطلق في عام 2011، وذلك لتوجيه أصابع الاتهام نحو من آمن وسعى باتجاه تغيير الواقع السياسي المؤلم الذي عاشته البلاد العربية ومحاولة دفعها نحو الأفضل.

إن هذه الاستنتاجات والسؤال المتكرر الذي يواجهه المؤيدون للثورات "لماذا دمرتم أوطانكم وخرجتم تبحثون عن أوطان بديلة؟" واتهام الثورات على السلطات والأنظمة بأنها خيانة عظمى لاستقرار البلاد وأمانها، من الأشياء السامة التي لا يمكن إلا أن يبتدعها ويروّج لها عقل استخباراتي منظم ليثبت أن في بقائه صلاحاً للبلاد من المجهول الذي حاق بها.

لا يمكن اعتبار ما حدث في بلدان الثورات تباعاً من تونس إلى مصر وسوريا ولبنان واليمن سوى ثورة حقيقية بعد أن ضاقت النفوس بطرق الحكم الرجعية وسيطرة الفساد على مفاصل الحياة، عدا تغوّل الاستبداد وإطباقه على رقابنا، وأي محاولة لتصويره على أنه كان مؤامرة فهي تؤدي إلى غاية واحدة فقط وهي التشكيك بصواب وفعالية مثل هذه الحراكات.

الدول صاحبة القرار الدولي عبثت بكل الدول التي اندلعت فيها الثورات، لكنها إذ فعلت ذلك فهي قد فعلته بمساعدة الحكام والأنظمة العميلة أولاً

هل كانت الدول العظمى تعرف بقيام تلك الثورات؟ نعم لا شكّ في ذلك فلديهم أجهزة استخبارات تحصي النفس وعدد ضربات القلب، لكن ذلك لا يعني بشكل من الأشكال أن الشعوب الثائرة عملت لصالحها وتحركت وفق خططها، ولا يبرر نظرية المؤامرة التي تحاول الحكومات حشوها في أدمغتنا كأنها تبرم معنا صفقة لا واعية نتنازل فيها عن حريتنا، في مقابل مجابهة الإمبريالية التي لم تعمل يوماً أصلاً إلا لصالحها فكانت ذراعها العسكري والسياسي في بلادنا.

ربما ـ وهذا أقرب إلى المنطق ـ أن الدول صاحبة القرار الدولي عبثت بكل الدول التي اندلعت فيها الثورات، لكنها إذ فعلت ذلك فهي قد فعلته بمساعدة الحكام والأنظمة العميلة أولاً، أو بتوظيف بعض الوجوه الفاسدة التي تشكل وجه العملة المختلف للأنظمة القديمة، ومحاولة تلميعها وتقديمها على أنها قيادات حقيقية للثورات والأمثلة في ذلك كثيرة.

إن هذا العقل الاستخباراتي نفسه، سعى إلى إظهار فئة من لاعبي السياسة الذين يعملون على تمرير مصالح وحاول انتقاءهم بناء على معرفة بتاريخ طويل من النفعية والارتزاق ليضعهم واجهة للعمل الثوري، فيكسب بذلك ضرب مصداقية الثورات ونزاهتها من جهة، كما يجعل فئة لا يستهان بها من الناس تسعى إلى القبول بهذه الواجهات فقط لإزالة النظام من جهة أخرى، لإظهار الإطاحة بالحاكم وكأنه هدف وحيد للثورات في مختلف الأنحاء، فيخدعون الرأي العام ويسعون إلى تغيير رأس السلطة السياسية فيما يبقون النظام الفاسد من دون تغيير.

وهم إذ يجهدون في ذلك فإنهم يسعون إلى تصدير فئة ملوثة سياسياً واجتماعياً إلى الواجهة، لإثبات أن الثورة لم تترك أحداً من (شرّها) فلوثت الجميع، وأن لعبة السياسة على قذارتها لم تتسبب بالأذى للبلاد مثلما فعلت الثورات في عقد واحد.

قد يُخيل إلينا بالطبع من هذا التزاحم غير المحمود لقطاف ثمار الثورات أو لإجهاضها أو الحصول على مناصب وتثبيت أركان، أنه لم يبق هنالك من لم تلوثه سنوات الحرب والخراب النفسي والسياسي، لكنهم يريدون لنا أن نفكر كذلك تماماً، لأن ذلك مُنافٍ للحقيقة ذلك أن كثير من الصادقين والمؤمنين بالثورات تراجعوا إلى الخطوط الخلفية فقط وتنحوا عن الواجهة، لأنها أصبحت حكراً على جوقة من المغنين والمرددين السيئين، فأصبح الصوت الصافي هو النشاز في جوقة من وجد فرصته ليتربح أو ليظهر.

اتهام الشعوب ليس من شأنه إلا محاولة قطع عرى الثقة بضرورة تغيير الواقع السياسي المتردي والثورة عليه

تتغير الأحجار في لعبة السياسة على الدوام فيصبح عدو اليوم صديق الغد والعكس صحيح، لكننا ما زلنا بحاجة إلى وقت كثير كي نفكّ ذلك الارتباط الخفي المؤسس للتجاذبات والاصطفافات، وبناء عقلية مختلفة سياسياً عما سلفها من حالة تقديس الأشخاص والانتصار لهم، والاعتراف بأن هناك كثيرين استغلوا وباعوا واشتروا بالقضايا والمواقف، وأن اتهام الشعوب ليس من شأنه إلا محاولة قطع عرى الثقة بضرورة تغيير الواقع السياسي المتردي والثورة عليه.

غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن ثقافتنا السياسية تبقى محدودة وحتى تكوين رأينا العام يخضع لمعايير غير موضوعية، لأننا نقتطف من الأخبار عناوينها من دون أن نغرق في التفاصيل المرعبة والكاشفة، ونجتزئ حالة ونسيء قراءتها ثم نبني على أساسها أحلاماً فضفاضة.

من يتحمل مسؤولية تغييبنا السياسي كل ذلك الوقت إذن؟

لا يمكن أن نلقي اللائمة في ذلك على أحد محدد ولا يمكن أن يكون وضعنا الاجتماعي والسياسي صنيعة أحد بعينه، إنه صنيعة مجموعة من الظروف والشروط الموضوعية، لكنه بالضرورة لا ينفي اللوم على من صبر على الاستبداد وسرقة البلاد فيما مضى بحجة الخوف واللا جدوى، ولا ينفي عنا التهمة أيضاً في حال صمتنا عن كل هذه الخروقات والانتهاكات تاركين الدفة في قبضة من سيعيد بناء أنظمة شبيهة بالنظام الذي رفضنا استمراره.