في الصراع بين إسرائيل وإيران.. ماذا يدفع السوريون؟

2024.04.16 | 06:22 دمشق

888888888888888888888857
+A
حجم الخط
-A

في موقع غاية في الأهمية وبناء مترف على أوتستراد المزة في مدينة دمشق، وقفت السفارة الإيرانية لعقود متصدرة المشهد قاطعة المجال أمام غيرها من الأبنية ليكون في مثل أهميتها.

يدرك السوريون أنها لم تكن تمثل أزمة قبل الثورة السورية وإنما كانت تتميز بشكل بنائها المزخرف المليء بالفسيفساء، لكن ذلك الأمر اختلف بعد الثورة، وأصبحت جاثمة فوق صدور السوريين مثل مخرز في العين، بسبب التداعيات السياسية وما أضافوه من وسائل حماية حول بناء السفارة في سبيل تحصينها خوفا من رد الفعل الشعبي.

غير أن الضربة لم تأتِ من الشعب اليوم، ذلك أن قوى الشعب لم تعد قادرة على الكفاح بعد أن جردهم العالم من السلاح الوحيد الذي امتلكوه.

لقد فقد السوريون الأمل في أن يحققوا التغيير الذي نشدوه، وأضيفت خسارته إلى لائحة الخسارات التي لا تعد ولا تحصى مما فقد السوريون عبر سنوات الحرب، التي جردتهم من حقهم في الحياة وسلبت هويتهم وملاذهم وموطنهم وأحلامهم.

لم تكن تلك المرة الأولى التي تسدد فيها إسرائيل ضربة جوية بقصد تدمير أهداف معينة بشرية أو غير بشرية بحسب ما تحدده من مستوى الخطورة، ففي الأول من أبريل/نيسان الجاري شنت إسرائيل غارة على سفارة إيران في دمشق بشكل مدمر ضمن هجمات الكر الفر التي تدور بين البلدين في كواليس الحرب المستمرة في سوريا، كما سبق أن استهدف الكيان الإسرائيلي إحداثيات معينة في مدن أخرى بقصد تحييد أهداف إيرانية وشخصيات نافذة في العمليات العسكرية الدائرة في سوريا.

وعلى أن هنالك كثيرا من التكهنات حول كيفية حصول إسرائيل على المعلومات وتوقع وجود جواسيس يزودونها بالإحداثيات، إذ إن زاهدي قد وصل إلى سوريا قبل نحو 24 ساعة من الهجوم وكان يقيم في مجمع السفارة هو واثنان آخران من كبار القادة، غير أن ذلك لا يشكل فارقاً في لعبة السياسية سوى أنه ينذر بتحميل السوريين أعباء جديدة فوق ما حملوه طوال تلك السنوات.

يرى باحثون أن إسرائيل اليوم قد تمادت بتعديها على أراض إيرانية وأن ذلك قد يغلق الباب في أي محادثات دبلوماسية بين البلدين، بينما يرى آخرون أن هذه الحرب الدائرة بين البلدين في الظل هي أساس القضية في الصراع الخفي بين إسرائيل وإيران وهدفها تقويض نفوذ إيران في سوريا، كي لا يؤثر ذلك على مكتسبات الكيان، لكن أحداً لم يذكر في موقع السوريين من هذه الحرب الخفية وكيف تنعكس آثار هذا الصراع على حياتهم السياسية واليومية.

أيّاً كانت الخلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران وأذرعها العسكرية في المنطقة من حزب الله والحرس الثوري وما شابه من جهة أخرى، فهي ليست إلا أزمة حول اقتسام الغنائم.

يجد السوريين أنفسهم اليوم بين فكيّ كماشة فهم من جهة يرفضون أي سلوك من طرف الكيان الإسرائيلي باعتباره عدوّا أزليّا، ومن جهة يرفضون الاستيطان الممنهج الذي انتهجته إيران للسيطرة على الأراضي السورية، لكنهم يعرفون جيداً أنهم يدفعون ثمن الصراع بين الطرفين _إن وجد_، وأن أراضيهم أصبحت الملعب الرسمي لصراع القوى العالمية ومساحة لتصفية الحسابات الدولية.

وأيّاً كانت الخلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران وأذرعها العسكرية في المنطقة من حزب الله والحرس الثوري وما شابه من جهة أخرى، فهي ليست إلا أزمة حول اقتسام الغنائم، لأنهم لو كانوا في حالة حرب أو عداء حقيقي لما كان من الضروري أن تقتصر على هجمات متفرقة ومنفردة بين حين وآخر أو اغتيال شخصيات نافذة في الشأن السوري، وكان من الممكن أن تمتد إلى حرب إقليمية، لكن من الواضح أن إسرائيل تستهدف مواقع حيوية على الأرض السورية من دون أن تنتقل هذه الصراعات إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

يضيق اليوم السوريون ذرعاً بالعدد الكبير من القوى الإقليمية المنتشرة على طول وعرض الجغرافيا السورية، يراقبون الصراعات الدائرة بعجز وصمت رهيبين، مع وجود صمت عالمي وعدم تدخل في انتظار أن تنتهي المواجهات من تلقاء ذاتها أو أن يكتب المنتصر النهاية التي تناسبه.

لم تكتفِ إيران باحتلال البلاد بميليشياتها العسكرية وأعوانها، بل كان ذلك مقدمة لاحتلال سوريا اجتماعياً وتغيير الوجه الثقافي لسوريا والقضاء على هويتها التاريخية وتحقيق تغيير ديمغرافي فيها، وحتى وإن اختلف السوريون اليوم على ولاءاتهم السياسية لكنهم يتفقون على رفض شكل الاحتلال الإيراني الذي أخذ منهم بلادهم وأملاكهم، وأصبح يعتقد أنه مالك الأرض وأن السوريين يأتون في المرتبة الثانية وأنه ورعاياه لهم الأولوية عن المواطنين الأصليين.

إيران أسهمت في قتل وتشريد السوريين بالفعل، ولا يمكن أن تعبأ في خسارة أرواح السوريين طالما أن ذلك يحقق هدفها في مد نفوذها.

تدّعي إيران أنها موجودة في الأراضي السورية لحمايتها من الطغاة القادمين لاحتلالها ولإنقاذ السوريين من المؤامرة المعدة ضدهم، وإذا ما افترضنا صحة هذه الفرضية فهل من الممكن أن تتراجع إيران في حصونها بعد أن تعترف أنها نقلت حربها مع إسرائيل وأميركا إلى أراضي الدولة التي تدخلت لحمايتها؟ وهل من الممكن أن ترفض أن تتسبب بأذى ومقتل السوريين الذين تدعي أنها تهتم لأمرهم؟ الإجابة ثابتة بالتجربة أن إيران أسهمت في قتل وتشريد السوريين بالفعل، ولا يمكن أن تعبأ في خسارة أرواح السوريين طالما أن ذلك يحقق هدفها في مد نفوذها.

لا يوجد داعٍ بالطبع لذكر موقف النظام السوري، ذلك أن الرأي المتفق عليه أنه غير معني بالأمن القومي السوري ولا يعنيه تغيير الهوية السورية من عدمها، وأنه قدم التنازلات المختلفة في سبيل بقائه في رأس السلطة، وكي لا يضحي بمكتسابته هو والعائلة وأنه قد وقع على تنازل ضمني في مقابل ضمان حصته من الغنيمة.

أين يوجد موقع السوريين من كل ذلك اليوم؟ وكيف لهم أن ينهضوا من تحت كل ذلك العبء، لقد دفع السوريون ثمن الصراع على السلطة في عهد الانقلابات وفي عهد الأسد الأب في صراعه مع المنقلبين من العائلة، ويدفعون اليوم ثمن بقاء الابن على كرسي النظام، والحقيقة أنهم بحاجة إلى ثورة تستطيع أن تعيد لهم السلم الأهلي الذي سلبه النظام في معركة حفاظه على السلطة.