icon
التغطية الحية

كيف تحولت الدنمارك إلى دولة يحكمها اليسار المعادي للهجرة؟

2023.04.07 | 17:15 دمشق

لاجئة سورية من دمشق محتجزة في مركز للترحيل بالدنمارك
لاجئة سورية من دمشق محتجزة في مركز للترحيل بالدنمارك
The Washington Post- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

"سياسة صفر طالب لجوء.. أعيدوهم إلى سوريا.." قد يظن المرء بأن هذه الدعوات لا بد أنها ظهرت في دولة أخرى غير الدنمارك، لكونها شبيهة بخطاب اليمين المتطرف، غير أنها ظهرت في الدنمارك فعلاً: تلك الدولة الاسكندنافية الثرية المرفهة التي أصبحت مركزاً للسياسة العالمية.

فالدنمارك التي تلتزم الأدب وتنتهج التقدمية، أصبحت تشكك بوضع طالبي اللجوء، إذ صارت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن، من حزب الديمقراطيين الاجتماعيين الذي ينتمي ليسار الوسط، تروج لفكرة مفادها أن عدد الأشخاص الذين يصلون إلى الدنمارك خارج منظومة إعادة التوطين التي تديرها الأمم المتحدة يجب أن يصبح صفراً، وذلك لأن أولى أولويات حكومتها هو التعاون مع الحلفاء في الاتحاد الأوروبي على إقامة مراكز لمعالجة طلبات اللجوء في أماكن قصية.

وحتى في الوقت الذي تروج فيه هذه الدولة لسجلها الباهر في مجال حقوق الإنسان، تقوم السلطات الدنماركية بتهديد اللاجئين الذين استقروا في الدنمارك بالترحيل إلى سوريا، وتزعم بأن لديها أدلة كثيرة حول تحول منطقة دمشق ومنطقتين أخريين إلى مناطق آمنة، إلا أن السلطات الدنماركية لا يمكنها إعادة هؤلاء اللاجئين، وذلك لأن الدنمارك لا تعترف بحكومة النظام السوري، لكن غالبية السوريين في الدنمارك يعيشون في خوف من الطرد والترحيل، كما تم إرسال أعداد قليلة منهم إلى مراكز الترحيل حيث يعانون فيها الأمرين، بما أن مركز كيرشوفيدجارد كان في السابق عبارة عن سجن.

سياسة منافقة تجاه اللاجئين

إن الحالة الدنماركية ما هي إلا مثال حي لازدهار أفكار اليمين المتطرف، حتى في الأماكن التي يعاني فيها هذا اليمين كثيراً قبل أن يصل إلى السلطة، إذ بالنسبة للبعض، تمثل الدنمارك ما تفعله الدول الديمقراطية الغنية التي تعمل على تقويض حمايتها للاجئين وطالبي اللجوء، مع إلقاء اللوم عليهم وتقليص مسؤولياتها حيالهم، دون أن تعالج المشكلة من جذورها. كما قد تكون الدنمارك بمثابة مقدمة لما ستفعله بقية دول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة، وذلك بعدما أخذت تلك الدول تراقب بعين القلق الأعداد المتصاعدة للمهاجرين، وتدرس الإجراءات التي تحد من أعدادهم كثيراً.

إلا أن موقف الدنمارك المتشدد لم يطبق على كل من طلب اللجوء فيها، فقد رحبت تلك الدولة خلال العام الماضي بآلاف اللاجئين الأوكرانيين، وسهلت تسجيل أولادهم في المدارس وحصولهم على فرص عمل.

ولهذا وصفت ناديا هادرمان وهي باحثة لدى قسم حقوق اللاجئين والمهاجرين في منظمة هيومن رايتس ووتش، سياسة الدنمارك بأنها: "عنصرية وذات وجهين ومنافقة".

وفي تصريح له، وصف وزير الهجرة والاندماج الدنماركي، كار ديبفاد، هذا التوصيف بأنه: "عدائي ويفتقر إلى الجدية المطلوبة عند الحديث عن سياسات الحكومة"، وذلك لأن هدف حكومته على حد زعمه ليس الوصول إلى العدد صفر من طالبي اللجوء، بل إن الصفر يعود هنا على الواصلين إلى البلاد بطرق غير رسمية، وهذا ما دفعه للقول: "ينبغي أن يصل اللاجئون إلى الدنمارك عبر نظام إعادة التوطين الذي تديره الأمم المتحدة، حيث يتم اختيارهم وفقاً لمعايير إنسانية". وخلال السنوات الثلاث الماضية، استقبل هذا البلد الذي يبلغ تعداد سكانه ستة ملايين نسمة أقل من 250 لاجئاً من خلال هذا البرنامج، وذلك بحسب البيانات الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين.

وهذا ما دفع مفوضية اللاجئين لانتقاد النهج الدنماركي، حيث ورد في توصيات صدرت خلال شهر تشرين الثاني الماضي عن ممثلية المفوضية عن دول الشمال والبلطيق بأن: "النية لم تكن أبداً إخضاع اللاجئين لتقييمات مستمرة بمجرد أن يتم تحديد احتياجهم للحماية منذ المرة الأولى".

الحياة في "مركز العودة"

غير أن رئيسة الوزراء فريدريكسن رفضت إجراء مقابلة مع واشنطن بوست بخصوص ذلك، كما رفضت التعليق على الموضوع.

بما أن الدنمارك خرجت عن معظم قواعد الهجرة واللجوء المتبعة في دول الاتحاد الأوروبي، لهذا لا يمكن استنساخ جميع ما خرجت به من سياسات، إلا أن الخطاب المتشدد الذي تبديه هذه الدولة وإصرارها على منح الحماية المؤقتة فقط، وتركيزها على إلقاء المسؤولية على غيرها، خلف أصداء في مختلف أرجاء القارة الأوروبية.

إذ يقول كاسبر ساند كيير وهو عضو في البرلمان الدنماركي والناطق الرسمي باسم حزب الديمقراطيين الاجتماعيين فيما يتصل بمسألة الهجرة والاندماج: "قد يتحول النهج الدنماركي إلى نهج سائد في عموم أوروبا".

داخل مركز كيرشوفيدجارد المحاط بأسوار عالية، والذي يقع في عمق الريف الدنماركي، تبدو تلك الفكرة مخيفة، إذ تقيم هناك  دنيا إبراهيم خلف ورانجين محمد بلال، وكلتاهما سوريتان من دمشق، إلا أنهما محتجزتان هناك بين بقية المحتجزين في الوقت الراهن، بيد أنهما لا تفكران بالعودة إلى سوريا، كما لا يمكن للدنمارك إرغامهما على ذلك، ولكن بوسعها استبقاؤهما ضمن ما وصفته الحكومة الدنماركية بأنه: "مركز للعودة"، إلى أن يتم البت بقضيتيهما. ثم إنهما ممنوعتان من البحث عن عمل، كما ينبغي عليهما أن تكونا موجودتين لتخضعا للتفتيش اليومي الذي يحد هو وقلة المواصلات هناك من قدرتهما على التحرك في هذا المكان. والأسوأ بين كل هذه القيود حسب وصفهما هو حالة النسيان والإهمال السوريالية التي تتعرضان لها، والتي عبرت عنها خلف بالتساؤل: "متى سينتهي كل هذا؟"

 التشدد في التشدد

غير أن الدنمارك لم تكن هكذا على الدوام، إذ قبل ثلاثين سنة، كانت البلد منفتحة نسبياً وأكثر ترحيباً، حيث كانت توفر حماية أكبر لطالبي اللجوء واللاجئين، لكن كل ذلك بدأ يتغير في تسعينيات القرن الماضي، عندما أثبت الخطاب المعادي للهجرة الذي تبناه حزب الشعب الدنماركي اليميني المتطرف فعاليته على الساحة السياسية، ثم روجت الأصوات المعادية للهجرة لفكرة مفادها بأن نجاح الدنمارك أتى نتيجة لتجانسها، وهذا بدوره ما يحمي حالة الرفاهية الواجب توفرها لحماية الأصل الدنماركي.

وهكذا، صارت الشخصيات اليمينية السياسية تعلن عن ضرورة عودة اللاجئين إلى ديارهم في نهاية المطاف، وذلك بحسب ما تتذكره هيفاء عوض وهي طبيبة شغلت منصب رئيسة منظمة Mellemfolkeligt Samvirke للإغاثة في الدنمارك، والتي تقول: "كانت تلك أجندة اليمين، إلا أن بقية الأحزاب تقبلتها بكل سرور، وهكذا صار لزاماً عليك أن تعتمد هذا الخطاب إن كنت ترغب بالوصول إلى السلطة".

ساعدت موجة اللجوء التي عاشتها أوروبا خلال عامي 2015 و2016 على تحويل المواضيع التي دارت حولها نقاشات إلى قوانين، إذ في عام 2015، طرح البرلمان الدنماركي وضعاً جديداً للحماية المؤقتة يمكن سحبه عند تحسن الظروف قليلاً في الدولة الأم. وفي عام 2016، منحت الحكومة السلطات حق مصادرة المجوهرات والأشياء القيمة التي يعثر عليها بحوزة القادمين الجدد، وذلك لتمويل إقامتهم على حد زعمها، فيما سعى قانون مناهضة الأحياء المعزولة للحد من أعداد الأشخاص الذين لا ينتمون للدول الغربية ممن يعيشون في أحياء معينة.

اقرأ أيضا: مفوضية اللاجئين "قلقة" من تصنيف الدنمارك للاذقية مكاناً آمناً لعودة اللاجئين 

وتعلق عوض على ذلك بقولها إن الأحزاب السياسية في الدنمارك: "تتنافس على التشدد في تشددها"

في عام 2019، بدأت دائرة الهجرة الدنماركية بمراجعة إقامات اللاجئين السوريين الذين تعود أصولهم لدمشق وريفها، ومنذ ذلك التاريخ، تمت إعادة تقييم أكثر من 1000 إقامة مُنحت لألف سوري وسورية، كما تم إلغاء أكثر من مئة إقامة، وذلك بحسب ما أورده المعهد الدنماركي لحقوق الإنسان.

في حين يشير خبراء حقوقيون وقانونيون بأنه تم التراجع عن إلغاء معظم الإقامات بعد الطعن بهذا القرار، ما يعني بأن هذه السياسة لم تؤثر إلا بشكل محدود على اللاجئين، لأن هدفها الأهم هو تخويف القادمين الجدد مع إرسال أعداد قليلة منهم إلى مخيمات تعيسة حيث يتعين عليهم أن ينتظروا حتى يتم البت بمصيرهم، أي إن القسوة هي الهدف حسب رأي منتقدي هذه السياسة.

من جانبه، دان وزير الخارجية الأميركي، أنطوني بلينكن، فكرة إعادة اللاجئين إلى سوريا، كما عبرت المفوضية العليا للاجئين عن قلقها حيال ذلك، بيد أن دائرة الهجرة الدنماركية أعلنت مؤخراً  اعتبارها لمحافظتين سوريتين أخريين بأنهما آمنتان، ما أثار الذعر بين صفوف أعداد أكبر من السوريين المقيمين في الدنمارك.

وفي بيان لدائرة الهجرة أرسلته عبر البريد الإلكتروني لصحيفة واشنطن بوست، ذكرت بأنه: "بناء على أدلة كثيرة، يحق لدائرة الهجرة أن تقدر بأن الظروف العامة في دمشق وريفها وطرطوس واللاذقية لم تعد تنطوي على خطر تعرض الناس للأذى" وفي ذلك ما يخالف القوانين الأوروبية.

وهذا ما جعل البعض يصفون هذا التصنيف بالصادم وبينهم رغداء جانودي، وهي سورية من اللاذقية فُتح ملفها من جديد بعدما أقامت وعملت وربت أولادها في الدنمارك على مدار سنين.

الشعب الدنماركي يجهل ما يجري

في حين ذكرت مته رويروب، وهي امرأة متقاعدة ارتبط اسمها بمنظمة أجداد وجدات من أجل اللجوء، وهي عبارة عن جمعية تضم ناشطين يدعمون اللاجئين، بأن معظم الدنماركيين الذين التقت بهم ما يزالون حتى الآن لا يعرفون ماذا يجري، أو لا يتقبلونه بكل بساطة، وهذا ما دفعها للقول: "عندما أخبرتهم عما نفعله، لم يصدقوني، بل قالوا: نحن الدنماركيين لا نعامل الناس بهذا الشكل".

أما بالنسبة لمحمد رونا وهو النائب الذي انتخب حديثاً والذي يشغل منصب الناطق الرسمي بخصوص الهجرة باسم المعتدلين، وهو أحد الأحزاب الثلاثة التي تتألف منها الحكومة الائتلافية في الدنمارك، فقد اعترض على نبرة النقاش الدائر حول الهجرة في الدنمارك، ووصف الجدل الذي قام  حول هذا الموضوع على مدار عشرين عاماً بأنه: "خوف من الأجنبي"، وأضاف: "لقد فاز ذلك الرأي بالانتخابات ورسم صورة قاتمة أحادية الاتجاه حول الموضوع في المداولات السياسية، ولهذا يرغب حزب المعتدلين بقيام نقاش مفصل حول المسألة".

ويصر رونا على أنه بوسع المهاجرين أن ينجحوا وتزدهر حياتهم في الدنمارك، هذا في حال احتضنتهم، ويقدم قصته كمثال على ذلك، فقد فر من أفغانستان عندما كان طفلاً في تسعينيات القرن الماضي واستقر هو وأسرته في كوبنهاغن، حيث ركزوا على مسألة الاندماج، فصار هو يجسد تلك الحقيقة، إذ يقول: "يجب علي أن أقول: انتبهوا! فأمامكم جميع الفرص لتتعلموا اللغة ولتحصلوا على عمل وغير ذلك من الأمور حتى تصبحوا جزءاً من المجتمع".

بيد أن القادمين الجدد لا يستغلون هذه الفرصة بالضرورة.

حالات مستعصية

غادر عبد الله السلوم دمشق طفلاً، وتوجه شمالاً إلى الدنمارك برفقة أسرته، حيث فعلوا ما طلبه المسؤولون منهم بالضبط، وهو الاستقرار في مدينة صغيرة لا كبيرة. وهناك بدأ السلوم يرتاد المدرسة ويتعلم اللغتين الدنماركية والإنكليزية، كما انضم لفريق كرة القدم هناك.

وفي حصة اللغة الدنماركية، تعلم دروساً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وعن ذلك يقول: "بوسعك أن تفعل كل ما تود فعله، كما يمكنك أن تقول كل ما تحب أن تقوله، دون أن يجبرك أحد على القيام بأي شيء، هذا ما علمونا إياه".

بعد سنوات طويلة في الدنمارك، استدعيت أسرة السلوم لمقابلة مع مسؤولين في دائرة الهجرة، وبعد مدة على ذلك، أبلغتهم السلطات بأن عودتهم إلى دمشق أصبحت آمنة، ما دفع عبد الله للتفكير بالطعن بقضيته، إلا أنه قلق على مستقبل أمه في هذا البلد، ولهذا وبدلاً من المخاطرة بنقلها أخيراً إلى مركز للترحيل، رحلت الأسرة بأكملها إلى ألمانيا، حيث حصل الجميع على إذن بالإقامة هناك، وفي أيلول الماضي، تم تسجيل عبد الله في مدرسة قريبة من الحدود الدنماركية-الألمانية، حيث صار لزاماً على هذا الشاب الذي أصبح عمره 19 عاماً أن يبدأ من جديد بالدارسة من الصف التاسع.

وعن ذلك تقول ماري جول بيترسون، وهي باحثة بارزة لدى المعهد الدنماركي لحقوق الإنسان: "إن خوض كل مراحل هذه العملية يثبط عملية الاندماج، لأنك تفقد الثقة في السلطات بسبب ذلك، حيث يتم استقبال الناس وإرسال تلك الإشارات المختلطة لهم، فيصير كل منهم يقول في سره: هل يتعين علي أن أجهز أولادي للرحيل غداً، أم ينبغي علي أن أعدهم لمرحلة الاندماج؟"

وعندما سئل النائب رونا عن قضية أسرة السلوم، رد بأن هذا النوع من القضايا: "صعب للغاية، خاصة عندما يدخل فيها أطفال"، وأضاف: "كما سبق أن قلت فإنني لم أطلع على القضايا التي تتصل بالسوريين بعد".

أما الناطق الرسمي حول شؤون الهجرة لدى الحزب الحاكم، فقد ذكر بأن الحكومة تبحث بأمر إقامة الشابات اللواتي تعود أصولهن لدمشق في الدنمارك في حال تقديمهن لطلب من أجل ملء شواغر في أعمال مثل التمريض، لأن تلك الشابات "يرغبن بالمشاركة، ولديهن عمل"، لكنهن تُركن في "أرض مقفرة لا يصل إليها رجل ولا امرأة".

ويتابع بالقول أخيراً: "عسانا نصل إلى حل بالنسبة لهذه المجموعة الصغيرة".

المصدر: Washington Post