قلبي يخفق من أجل ألمانيا

تاريخ النشر: 19.10.2021 | 07:21 دمشق

بهذه الكلمات يعلن الألمان ولاءهم لوطنهم (Mein Harz schlägt für Deutschland)، وهي جملة من أغنية لغيرهارد مولر، أو هي مقولة شعبية تحولت إلى أغنية مع الزمن. وغالباً ما يترافق هذا الكلام مع موقف أخلاقي مميز، كما حصل مع الوزير الألماني من الحزب المسيحي الديمقراطي بيتر ألتماير الذي تخلى عن مقعده في البوندستاغ (البرلمان الاتحادي) لواحد من شباب الحزب. كذلك فعلت وزيرة الدفاع الألمانية أنغريت كرامب كارنباور رغم أنها نجحت عن ذات الحزب بالانتخابات الأخيرة. جاء تصرّف الوزيرين نتيجة إحساسهما بالمسؤولية تجاه حزبهما بعد خسارته مركز الصدارة في الانتخابات، مما حرمه من فرصة تشكيل الحكومة بالتحالف مع عدد من الأحزاب الأخرى الناجحة مثل حزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر. أعلن الوزير المخضرم اعتزاله العمل السياسي، وعندما قال الوزير هذه العبارة بدا كأنّه يعني أنّ العمل الحزبي والطموح الفردي والنجاح الشخصي لا قيمة لها جميعاً إن لم تكن لخدمة الوطن.

في الشرق الأوسط المنحوس لا تخفق القلوب من أجل الأوطان، بل خوفاً من الحكام وهرباً من زنازينهم وسياط جلاديهم وبراميل طياريهم التي تدكّ المدن وتمسح القرى عن الوجود

هنا الوطن له الصدارة، لكن ليس بالخطابة فقط، بل بالعمل الجاد المتقن، بالإبداع، بالمبادرة وبتحمّل المسؤولية. على العكس من بلادنا التعيسة، فهناك لا حدود للخطابة التي تحمل عكس مضمونها، ولا وجود للفعل إلا في خدمة المصالح الضيقة والدنيئة. فواحد مثل حسن نصر الله لا يمكن أن يوجد في ألمانيا، أبداً. تخيلوا معي أن يكون لدى الألمان زعيم حزب اسمه توماس شنايدر مثلاً، ولا يخجل هذا من أن يعلن ولاءه للبابا الفقيه في إيطاليا أو للراهب فلان أو علّان في إنكلترا أو فرنسا، وأن يفتخر بأنّه جندي في جيشه، وأنّ أموال حزبه وسلاح مجموعته العسكرية ورواتب مرتزقته ومخصصاتهم من أموال وليّ النعمة المقدّسة هذا! وأنّ هذا التوماس لا يتورّع عن رفع إصبعه في وجه الدولة، بحكومتها ورئاستها وجيشها وقضائها وصحافتها، مهدداً متوعداً من يقترب من حياضه في مقاطعة بافاريا، أو في ضاحية برلين الجنوبية، وأن يقوم بأسر جنود من النمسا أو بولندا للمفاوضة على إطلاق سراح سجناء ألمان لديهما، أو أن يتدخّل مع نظام الحكم في بيلاروسيا ضدّ الشعب المطالب بالديمقراطية حاملاً سلاحه رافعاً شعاراته المذهبة منادياً لن تُسبى تيريزا مرتين! هل يمكن أن نتخيّل هذا في العصر الراهن في أي بلد أوروبي غربي؟

في الشرق الأوسط المنحوس لا تخفق القلوب من أجل الأوطان، بل خوفاً من الحكام وهرباً من زنازينهم وسياط جلاديهم وبراميل طياريهم التي تدكّ المدن وتمسح القرى عن الوجود. في لبنان، هذا البلد الصغير المكرّس للحروب والاقتتال منذ عشرات السنين، ينسى رئيس مجلس النواب صفته التمثيلية رئيساً للسلطة التشريعية، ويعود إلى انتمائه الضيّق وإلى عصبته وطائفته، ليهدد قاضياً يحمل روحه على كفّه إذ يقاوم سلطة الفساد السياسي، التي تتمظهر في الواقع إجراماً وخراباً ودماراً غير مسبوق. هنا لا قيمة لصوت عائلات الضحايا، ولا اعتبار لمبادئ سيادة القانون واستقلال القضاء، هنا لا قيمة للإنسان حيث يمكن أن يموت المئات والآلاف فداءً للسيد أو الزعيم أو القائد أو الرئيس. المهم أن يبقى الأسد حتى لو حرق البلد، وكلّ بلد فيها مثل هذا الأسد، أسدٌ علينا وفي الحروب نعامة. وعلى الضفّة الثانية، وفي خضمّ الصراع على السلطة، نجد المعارضات ورموزها نسخة طبق الأصل، بل مسوخاً عن الديكتاتور الحاكم في كل بلد، فما إن يصل أحدهم لمركز رئيس الحزب حتى يلتصق به للأبد، بل ويورّثه لزوجته وأبنائه، أهي لعنة الشرق؟

مرضُ الخطابة قاتل، ففي غياب ساحات الممارسة الفعلية للسياسة نفتقد السياسيين، فتصبح السياسة خطابة جوفاء وجعيراً شعبوياً، ويصبح العقل عالة على أصحابه ويقف المنطق حائراً تائهاً بين الحقائق والوقائع والاتهامات والثرثرة. بهدف جمع الأنصار في ساحات التواصل الاجتماعي الافتراضية، وبهدف إظهار الذوات المهمّشة المسحوقة، وبغاية الوصول إلى القمّة المُتخيّلة، نجد الأكثر سطحية قادة، والأقلّ كفاءة أصحاب حظوة، والأسخف أهل رأي ومشورة!

يخفق قلب الألماني من أجل ألمانيا، وتخفق قلوب التائهين الحائرين في شرقنا المُغتصب بالاستبداد للوصول إليها أيضاً

لا يخلو خطابنا من التعميم العنصري، فالجميع متآمرون علينا، والجميع غدروا بنا وتخلّوا عنّا، وكأننا شعب الله المُختار الذي خلق العالم كلّه لخدمته ورعايته! يندر ألا نستعمل لغة اللعنات، فنصبّها على أعدائنا الافتراضيين، وكأنّ الله عزّ وجلّ لا ينتظر إلا دعاءنا ليُنزل عقابه بالمجرمين، أو كأنّه يمتحن بلاغتنا بهزيمة أعدائنا لفظياً! نسينا، أو بالأحرى لم نتعلّم ألّا نيل للمطالب بالتمّني وأنّ الدنيا لا تؤخذ إلا غِلابا، رغم أنّ أمير شعرائنا أخبرنا ذلك منذ زمن بعيد!

يخفق قلب الألماني من أجل ألمانيا، وتخفق قلوب التائهين الحائرين في شرقنا المُغتصب بالاستبداد للوصول إليها أيضاً. آلافُ الشباب من اليمن والعراق وأفغانستان وسوريا تجوب البحار وتقطع الغابات لتصل إلى أرض الخلود الأوروبية، ألم نتعلّم في صغرنا أنّ هذه أرض الغزاة المستعمرين، وأنّها بلاد الكفر والانحلال الأخلاقي، أليس هذا ما وعينا عليه في مجتمعاتنا المؤمنة، فما بالنا نبيع بيوتنا وثيابنا ونغامر بأرواحنا وأرواح أطفالنا لنصل إليها؟ الجواب واضحٌ، سهلٌ وعلى كلّ لسان، فهنا ثمّة ضوءٌ ساطعٌ لا مجرّد بصيص أمل في نهاية النفق، هنا يجد المرء قيمته الإنسانية، فيعمل وينسى الخطابة ولا يعود بحاجة للبلاغة، فيخفق قلبه حقاً من أجل الوطن، الوطن الجديد.

دراسة: الإصابة السابقة بكورونا قد لا تحمي من متحور أوميكرون
الصحة العالمية تحذّر: أوميكرون أسرع انتشاراً من جميع سلالات كورونا السابقة
توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
وزيرا خارجية تركيا وقطر: لا يمكن التطبيع مع نظام الأسد
"فورين بوليسي": بشار الأسد سمح بعودة عمه رفعت إلى سوريا استرضاء للعلويين
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي