في ذكرى رحيله السنوية.. صادق جلال العظم كناقد أدبي

تاريخ النشر: 17.12.2020 | 20:30 دمشق

علاء رشيدي

كرس الفيلسوف، صادق جلال العظم، كثيرا من كتاباته ومؤلفاته لمجالات الأدب والنقد الأدبي. يظهر ذلك بداية في كتابه (في الحب والحب العذري، 1968) الذي عمل فيه على نصوص من الشعر العربي القديم والمعاصر ليعالج موضوع الحب بين الجسدي والعذري، ومن بعدها في كتابه (نقد الفكر الديني، 1969) خصص مقالة بعنوان (مأساة إبليس)، أخضع فيها شخصية (إبليس) في الحكاية التوراتية والقرآنية إلى الدراسة مطبقاً عليها تقنيات النقد والدراسات المسرحية، معتبراً أن إبليس في الحكايات المقدسة يماثل الشخصيات التراجيدية في المسرح اليوناني، لكن نظريته الأدبية أكثر ما تظهر بوضوح وتتكون أمام القارئ بجلاء في كتابه المعنون (ذهنية التحريم: سلمان رشدي وحقيقة الأدب، 1994) الذي يتضمن بالإضافة للدفاع عن (سلمان رشدي)، رؤية (صادق العظم) للأدب وأنواعه وتقنياته ودوره مسترجعاً العديد من الأعمال الأدبية والفنية في الاستشهاد على نوعية الأدب الذي يحقق رؤيته عن هذا الفن.

اقرأ أيضاً: في الحبّ والحب العذري

الحب في الأدب:

يوظف صادق العظم قدراته في النقد الأدبي بجلاء في دارسته للحب كموضوع فلسفي. وذلك حين يبحث في الآداب العالمية والعربية التراثية عن الأعمال الأدبية التي تتناسب والرؤية المراد تكوينها عن مفهوم الحب. في القسم الأول من الكتاب يدرس المؤلف من زاوية التحليل الفني والأدبي لنماذج من الحب وردت في الأدب العربي والعالمي، وفي القسم الثاني من الكتاب يدرس الحب العذري في الأدب العربي مركزاً على الحكاية الأدبية (جميل بثينة) المسرودة في القصائد.

يفتتح الفيلسوف نصه باقتباس من نصوص توفيق الحكيم: "شبعت من الأجساد، شبعت من الأجساد، هذه الصيحة انطلقت من فمي يوماً، كما انطلقت من فم كل فنان في مونمارتر. أرأيت كيف أن مونمارتر هي في حقيقتها مملكة الروح لا مملكة المادة؟".

اقرأ أيضاً: عندما أغضب التيزيني الديكتاتور

وهو كي يبين أن الحب موضوع مادي روحي وفلسفي. يعتمد المؤلف في دراسته للحب على تعاريف مكتوبة من أدباء فيلجأ إلى سوفوكيس: "الحب ليس وحده الحب، ولكن اسمه يخفي في ثناياه أسماء أخرى متعددة"، وإلى نصوص من (رسالة في القيان، الجاحظ)، إلى (طوق الحمامة، ابن حزم الأندلسي). وليبحث في الجانب المهلك من الحب، أو ما يطلق عليه الموت المدمر فيأخذ مثالاً مسرحية (أنطونيو وكيلوبترا، شكسبير)، وكذلك عن الحب ذي الخاتمة المهلكة يذكر أيضاً (روميو وجولييت، شكسبير)، (آنا كارنينا، تولستوي)، (وداعاً أيها السلاح، أرنست همنغواي)، وكذلك كتاب (ذم الهوى، ابن الجوزي). وعن العلاقة الضدية بين اشتداد الحب وامتداده في الزمن، يعالج الشخصية الدونجوانية كما وردت في مسرحية الفرنسي (موليير)، ويدرس الاختلاف والتمايز والذي يصل حد الصراع بين العقل والقلب في كتابات (ابن حزم الأندلسي): "فهاتان الطبيعتان قطبان في الإنسان، فهما يتقابلان أبداً ويتنازعان دأباً". ويستشهد من كتاب (ابن قيم الجوزية) الذي يصرح بأنه وضع كتابه المشهور (روضة المحبين ونزهة المشتاقين) ليعقد صلحاً بين الهوى والعقل.

اقرأ أيضاً: المجتمع المدني والصعود إلى المئذنة

يحلل المؤلف مونولوجات من مسرحية (دونجوان، موليير) موظفاً تقنيات النقد الأدبي والمسرحي ليستنتج أن الشخصية الدونجوانية تعيش المحاولات المستمرة للبقاء بالحب على مستوى العشق العنيف والانفعال الحاد والبحث عن شتى الوسائل والطرق التي تبعد عنه خطر الاستقرار وما يتبعه من وهن في اشتداد العشق وضعف في حدته: "ذلك أن النزعة الدونجوانية تتجاوب مع نزعة دفينة مكبوتة في نفس كل فرد منا وتمثل الانعتاق من قيود شريعة الامتداد التي تغلف حياتنا". ويثبت وجود الشخصية الدونجوانية عند النساء أيضاً في كتابات الأخوين خونكور عن المرأة الفرنسية في القرن التاسع عشر، وكتب الأقاصيص العربية، وفي كتاب رسالة القيان، الجاحظ. ويحلل أيضاَ حضور شخصية الخادم، في المسرحية، والذي يقوم بدور مهم بالنسبة لشخصية دونجوان نفسها، ويتمثل هذا الدور في شخصية العاذل كما سماها العرب. فهي تسمح لنا بالمقارنة بين ما يمثله الدونجوان من نزعة الحب نحو الشدة والحدة من ناحية، وما تمثله شخصية العاذل من نزعة الحب المضادة نحو الهدوء والاستقرار والوفاء والاتزان.

كذلك المؤلف وفق الدراسات النصية اللغة المتقاربة المستعملة في الأدب وفي الثقافة في التعبير عن مفردات الحرب ومفردات العشق، حيث يلاحظ أن لغة العشق تشبه لغة الحرب والصراع وتستخدم الكثير من استعاراتها وتشبيهاتها. فمثلاً يرى دونجوان نفسه في داخل معركة ضد الخصم المعشوق على الدوام، ويظهر التجاور اللغوي نفسه في كتابات (ابن المقفع).

أما في دراسة الحب من زاوية النزوات والرغبات الدفينة، يستشهد المؤلف بحكاية التوق الذي شعر به (فون أشنباخ) الشخصية الرئيسية في رواية (موت في البندقية، توماس مان) الذي قضى حياته في الإنتاج الفكري الرفيع والعمل المستمر، وما تلبث أن تجـتاحه في مدينة البندقية موجة من العواطف الشديدة والتجربة الحسية التي ينقاد إليها بشدة تتناقض مع ماضيه المتوازن، فيكتب: "لقد رفعت العواطف والانفعالات، التي استعبدها أشنباخ وقمعها في السابق، رأسها لتنتقم لنفسها منه. كان نزاعاً بين مدينته ميونيخ والشمال الأوروبي البارد من ناحية وبين البدقية والجنوب الدافئ من ناحية أخرى عند توماس مان، وبين أبولو وديونيزيوس عند الإغريق، أو بين فيدرا العاشقة لابن زوجها وبين هيبوليت نفسه، الزاهد المتقشف في مسرحية (هيبوليت، يوربيديس)".

ويبين المؤلف أن القصص الشعبية مثل (ألف ليلة وليلة) و(الحكايات العجيبة) مليئة بالأقاصيص التي تروي أحداث علاقات غرامية تبدو مثيرة لأنها تتعارض مع العرف الأخلاقي السائد والشريعة التي تسيطر على حياة المجتمع ومفاهيم الحلال والحرام المعمول بها. فتنشغل القصص الشعبية بقضايا الجنس والمغامرات الغرامية الخيالية العنيفة التي تخرج عن حدوود المعقول والممكن وتقترب من خوارق الأعمال وعجائب الأفعال، فيكتب: "في مجتمع يجعل من الوفاء إلزاماً وواجباً آلياً، ومن البتولة فضيلة أكبر من الحياة، ومن العفة خصلة تخمد الحيوية في الإنسان، ومن الاختلاط الجنسي خطيئة ما بعدها خطيئة. لا يستغرب أن يقدم أهله على هذا النوع من القصص الشعبي وغير الشعبي وكأنهم يريدون الفرار من حقيقة رهيبة لا يمكن ذكرها أو مفاتحة أحد بأمرها".

قصائد الحب العذري وحكاياته:

في القسم الثاني من الكتاب يدرس المؤلف ظاهرة الحب العذري كما وردتنا في الأشعار والروايات والقصص، مركزاً اهتمامه على قصة (جميل بثينة) باعتبارها حكاية نموذجية بالنسبة لموضوع الحب العذري. ويثبت أن الحب العذري الطاهر والبريء ليس إلا وهماً، وأنه يسعى ما أمكن إلى شدة العشق، وإلى الشهوانية، وبأن العشاق العذريين يتذرعون بالعفة والطهر والحياء ليحققوا غايتهم في استمرار الانفـصال علماً بأن سلوكهم في ساعات البعد والفراق لا يقيم وزناً لا للحياء ولا للعفة ولا لأي من هذه القيم المثالية. ويكشف عبر القصائد بأنه من خصائص الحب العذري السادوماسوكية من حيث أنه يميل إلى تعذيب النفس واغلير أي الحبيب بدون مبرر واضح أو غاية محددة وإنما لمجرد الاستمتاع والتلذذ بالألم والعذاب باعتبارهما جزءاً لا يتجزأ من عنف التجربة الغرامية العذرية، ويستشهد في ذلك الكتاب بـكتابات  العرب القدماء، وكتابات ابن حزم:

"فهم يستلذون مرارة العشق مثل الضرب،

فمنهم من يموت من أوار غرامه، ومنهم من يموت

بهيام سقامه".

ثم يعالج نوع العاشق الدونكيشوتي الذي يفضل صورة الحبيبة في المخيلة على النظر إليها أو التحديق في عينيها مباشرة. فيرفض العاشق الدونكيشوتي في أعماقه المحبوبة باعتبارها شخصية حية ذات حضور، لها ملء الحق بالرفض أو القبول، بالتمنع أو الاستسلام، ليحل محلها دمية جميلة تناسب نفسه التي ترفض الحياة.

حكاية إبليس بين النص الديني والتراجيديا المسرحية:

(مأساة إبليس) هو واحد من ستة نصوص تشكل كتاب الفيلسوف العظم بعنوان (نقد الفكر الديني)، ويكرس فيه المؤلف قدراته في النقد الأدبي ليطبق نظريات النقد المسرحي على شخصية إبليس في الرواية القرآنية وفي نصوص الرواة المسلمين. فتهدف الدراسة إلى إعادة النظر في قصة إبليس ودراسة شخصيته وموقفه ومسـؤوليته ومصيره على ضوء الدراسات المسرحية للشخصية التراجيدية. وهنا يلفت المؤلف الانتباه إلى ضرورة العمل على تحليل الأسطورة بالقصص الميثيولوجية والحكايات الدينية إلى تقنيات النقد الأدبي والدراسات المسرحية المعاصرة.

ويشير المؤلف إلى الارتباط العضوي العميق بين المأساة في الدراما المسرحية من جهة وبين الميثيولوجيا والتفكير الأسطوري من جهة أخرى. كما أن الغاية من هذه الشخصية، إبليس، هي معرفة الأبعاد التي تمثلها في المخيلة الجمعية سواء على المستوى الديني، أوعلى المستوى الفلسفي والفني. ويحدد النص عنصر المأساة في محنة إبليس معتمداً على مرجعين رئيسيين هما مسرح (سوفوكليس) من التراث الأدبي اليوناني، وقصة النبي (إبراهيم) من التراث الديني السامي. وسيقارن المؤلف بين حكاية إبليس، والمسرحية التراجيدية اليونانية (أوديب، سوفوكليس)، وكذلك يستشهد بتجربة الفيلسوف (كيركجورد) في الكتابة عن قصة (إبراهيم) التوراتية، وكتابات (سيجموند فرويد) التي طبقت تقنيات التحليل النفسي على قصة (إبراهيم) أيضاً.

كذلك يدرس العلاقة بين عنصر القدرية في مسرحية (أنتجونا، سوفوكليس) وحضور المشيئة الإلهية في تصرفات وسلوك إبليس في حكاياته. ويميز بين نوعين من المأساة: مأساة الغربة، ومأساة المصير أو القدر، ويعتبر أن محنة إبليس تمثل بكل جلاء كلا النوعين من المأساة. في مأساة-تراجيديا الغربة ينتج البلاء بسبب الانفصال عن وضع معين كان البطل يشارك فيه قبلاً ولكنه يجد نفسه غريباً عنه الآن. وتعطينا أعمال (ميلتون ودوستويفسكي وكافكا وكتاب كامو الغريب)، أمثلة واضحة عن مأساة الغربة. أما غربة إبليس فقد كتب عنها (الحلاج) في كتاب (طاسين الأزل والالتباس).

بينما تعتبر مسرحية (الملك أوديب، سوفوكليس)، ومسرحية (رومييو وجولييت، شكسبير) من أروع ما كتب حول النوع الثاني من المأساة التي يتحدث عنها (العظم)، وهي مأساة المصير، فيكتب: "في مسرحية (أوديب، سوفوكليس) يأخذ القدر مجراه المحتوم وتصدق جميع النبوءات، وتفشل جميع المساعي التي قام بها (أوديب وجوكاستا) ليفلتا من مصيرهما المظلم. وإذا نظرنا إلى محنة إبليس من هذه الزاوية يتبين لنا أنه كان مسيراً في جميع خطواته وفقاً للقدر، الذي كتبه الله عليه، شأنه في ذلك شأن كل ما هو كائن في ملكه".

أدب التخييل والفانتازيا والسخرية:

في كتابه (ذهنية التحريم: سلمان رشدي وحقيقة الأدب)، يدافع (صادق العظم) عن التقنيات التخييلية في الرواية، ويؤكد على ضرورة التمييز بين الروائي الأديب وبين المؤرخ. فالأدب باعتباره قائماً على التخييل، لايمكن إخضاعه لمعايير نقد الدراسات وكتب التاريخ. وأطلق (العظم) للأديب حرية إعمال الخيال في التأليف القصصي والروائي، لنراه أيضاً يدافع عن الجانب الفانتازي للعمل الأدبي، أو الجانب العجائبي، أو المافوق طبيعي، على اعتبار أن الحدث الروائي ليس حدثاً منطقياً أو خاضعاً للشروط الفيزيائية، بل إن الخيال الروائي عُرِفَ بعلاقته مع الفانتازية، وبتوظيفه للخوارق والمافوق طبيعي في سبيل معالجة موضوعاته، وتصوير حكاياته بطريقة فنية، واستشهد بمقولة شكسبير: (إن أصدق الشعر أكثره اختلاقاً)، واستشهد بمسرحية (توفيق الحكيم)، (يا طالع الشجرة)، ليبين المقدار الذي يمكن أن تبلغه الفنانتازيا والتخييل في العمل الأدبي.

يدافع المؤلف بشدة عن الجانب الساخر في الأدب، ويقدم مرجعيات في إطار تقنيات السخرية في الأدب، منها (رابليه وفولتير وجيمس جويس وبروتولد بريخت) في إطار إثباته لأهمية الأدب الساخر، أدب الهجاء التنويري، أدب نقد الزمن والمجتمع والمحيط الثقافي بغرض التحريض والصدم والإيقاظ والتحريك والتغيير والتجديد وطرح البدائل. كما يهتم المؤلف بالأدب المعارض للمقدس والذي يسعى لطرح الأسئلة حول قدرة الإنسان على العيش دون الله، والأسئلة حول الإيمان وعدم الإيمان، والموضوعات التي تتناول المقدس بالشك والمساءلة، كما فعل الجاحظ في كتابه (كتاب مفاخرة الجواري والغلمان) الذي اعتبرهُ معارضة ساخرة للمقدس، وكذلك ما ورد في معارضة المقدس من قصائد الخليفة الأموي (الوليد بن عبد الملك)، وكذلك مقامات (ابن نافيا).

وفي هذا الإطار يميل المؤلف الفيلسوف إلى الأدب الوجودي، فيقدم إحالات حكاية (فاوست) في صراعاته وأسئلته الوجودية والماورائية، وكذلك شخصية (جبلاوي) في رواية (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ، وصراع (يعقوب) مع الله في سفر التكوين في التوراة، ويركز على الصراع الوجودي في أدب الروائي اليوناني (نيكوس كازانتزاكس)، وخصوصاً كتابه (تقرير آل غريكو).

في كل واحد من الكتب السابقة وجدنا الفيلسوف (صاق جلال العظم) يوظف تقنيات النقد الأدبي والمسرحي. في الأول عمل على استخلاص مفهوم فلسفي من الأعمال الشعرية والأدبية، وهو مفهوم الحب والحب العذري. وفي الثاني طبق نظريات النقد الأدبي والدراسات المسرحية على شخصية ميثيولوجية دينية وهي إبليس ليجعل من محنته حكاية تراجيدية بالمعنى الفني والفلسفي والأدبي. وفي الثالث أطلعنا على رؤيته الأدبية المتكاملة بدعمه أدب التخييل، أدب الالتزام، وأدب السخرية ومعارضة المقدس.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
من جرعة واحدة.. أميركا تصرح باستخدام لقاح "جونسون آند جونسون"
فتاة ملثمة استغلت إجراءات كورونا وطعنت طالبة في جامعة تشرين
مجلس الأمن يصوّت على مشروع هدنة عالمية لـ توزيع لقاحات كورونا