عندما أغضب التيزيني الديكتاتور

عندما أغضب التيزيني الديكتاتور

الطيب تيزيني.. مفكر وفيلسوف سوري (إنترنت)
21 أيار 2019

كنا آخر جيل درّسه كبار المفكرين من المشتغلين في حقل الفلسفة وعلم الاجتماع في كلية الآداب بجامعة دمشق.

درّسنا عبد الكريم اليافي، عادل العوا، بديع الكسم، صادق جلال العظم، الطيب تيزيني، نايف بلوز، خضر زكريا، غانم هنا، حامد خليل، يوسف سلامة، أحمد برقاوي، غسان فينانس.

كنا جيلا محظوظاً، ربما آخر دفعة يدرسها هؤلاء الأكفاء الكبار. جميعهم لديهم إسهامات في الحقل الفلسفي والاجتماعي والأهم مشاركاتهم في الحياة العامة السياسية والفكرية والتي كانت في أوج موتها الأسدي.

من المحاضرات الممتعة، كانت محاضرات الدكتور الطيب تيزيني الذي درسنا في السنة الأولى مادة فلسفة الشرق القديم وكان مشغولا بإفهامنا زيف المركزية الأوروبية والتي ترى بدء الحضارة مع اليونان بينما حضارات الشرق القديم والحضارة المصرية كانوا أسبق وشكّلوا منبع الفلسفة والتقدم اليونانيين.

وكانت النقاشات فيها حول الملك المالك الإله ونمط الإنتاج الآسيوي لتصل إلى محاضرات السنوات التالية للفلسفة الإسلامية وعصر النهضة العربي.

درّسنا الطيب أيضا في دبلوم الدراسات العليا، أتذكر أني قدمت لديه حلقة بحث عن التفريق بين التصوف الشعبي والتصوف الفلسفي وكان الدكتور الطيب تيزيني ضد هذا التفريق ويرى أن التصوف كله لا يقع في حقل الفلسفة وإنما هو حقل معرفي خاص بينما كنت أريد أن أثبت، في ذلك الوقت، أن هناك تصوفاً شعبياً لا يقع في حقل الفلسفة وهناك تصوف فلسفي يقع في حقل الفلسفة وهو تصوف ابن عربي والحلاج وغيرهما من أكابر المتصوفين.

بكل الأحوال ليست غرض المقالة هو استعراض العلاقة الشخصية مع الدكتور الطيب تيزيني حيث حضرت له مئات المحاضرات في جامعة دمشق وأيضاً عشرات المحاضرات خارجها وأجريت معه عدة لقاءات تلفزيونية.

ما أود الحديث عنه هو بعض النقاط التي تتعلق بالثورة السورية والنظام وما حدث في سوريا وموقف الدكتور الطيب تيزيني:

يوم ١٦ من آذار ٢٠١١ عند اعتصام وزارة الداخلية، كنت هناك ورأيت الطيب تيزيني، حاولت فكه من رجل الأمن الذي كان يضربه ولم أستطع وحتى نالني ما نالني، في المساء ذهبت أنا وصديق له موقعه في النظام آنذاك إلى رئيس فرع المعلومات في أمن الدولة العميد غسان خليل للتوسط من أجل أستاذنا الطيب فاتصل العميد باللواء عبد الفتاح قدسية مدير المخابرات  العسكرية "كانا يعملان معا ضمن مرافقة الأسد الأب والابن" فأخبره قدسية أن تيزيني سيخرج بعد قليل وصدر البيان الكاذب بأنه كان يقبض راتبه إلى آخره.

الموقف الثاني في اللقاء التشاوري في ١٠ من تموز ٢٠١١، طلب مني ديب أبو لطيف مدير مكتب فاروق الشرع أن أتحدث مع الدكتور طيب قبل الافتتاح بعشرين دقيقة بعد رفضه المجىء، وأصر الدكتور طيب على شرطين أن يكون اللقاء مبثوثا على الهواء مباشرة وأن تعطى له الكلمة بعد الافتتاح مباشرة وكان له ذلك. وكانت الكلمة المشهودة له في هذا الإطار. 

مات التشاوري يوم صدرت مقرراته والتي أعتقد لو نفذها النظام بصدق في حينها لوفر أثمانا باهظة على نفسه وعلى البلد

أغضب ذلك بشار الأسد وقرّع المسؤولين عن بث كلمتَي الشرع والتيزيني على الهواء وزاد في غضبه مسار اللقاء التشاوري كله وقد لعب الدكتور الطيب دورا كبيرا في ذلك إذ أصر على اختيار لجنة صياغة جديدة للبيان الختامي، كنت أحد أعضائها، وتصادم رأيان في اللجنة ولا سيما حول صياغة دستور جديد أو تغيير الدستور وفي المقدمة المادة الثامنة منه وانتصر الفريق الذي كان الدكتور الطيب فيه وسانده الشرع ولعل هذا الأمر يفسر لماذا انقلب حزب البعث والاتحادات كالطلاب والعمال والفلاحين على مقررات اللقاء وأصدروا بعد يوم من اختتامه بيانات البراءة منه ونعتوه باللقاء التآمري فمات التشاوري يوم صدرت مقرراته والتي أعتقد لو نفذها النظام بصدق في حينها لوفر أثمانا باهظة على نفسه وعلى البلد.

من يومها أخذت العلاقة بين الشرع وبشار منحنى سئيا وكذلك العلاقة مع الطيب الذي كان الأسد يظن أنه سيكون أقل قسوة عليه، وأتذكر أنهم كانوا ينادونه بالطيب لأنه كان طيباً ويريد مصلحة البلد، حسب تعبيرهم، حتى بانتقاداته بلقاءاته مع حافظ ومع بشار.

في ٢٠٠١ وبعد تسلم بشار الأسد السلطة  كتب الطيب تيزيني عدة مقالات في جريدة الثورة، عندما كان محمود سلامة يديرها، عن الدولة الأمنية وتحكمها بشبكات الفساد والإعلام وأراد بشار الأسد أن يحولها إلى لقاء تلفزيوني"كان الأمر ضمن أنه راعي التحديث والتطوير" وكلفت بإدارة هذا الحوار واستضفت على الهواء مباشرة، الدكتور تيزيني والأستاذ جمال باروت وتحدثا بكلام لم يكن مألوفا ولا مستساغا أن يكون على شاشة النظام حيث طالبا بتبييض السجون والحوار مع المعارضة وإلغاء المادة الثامنة وإلغاء قانون الإعدام للمنتسبين للإخوان المسلمين وفتح المجال أمام العمل السياسي والإعلامي والمنظمات المدنية إلى آخره. اتصل نائب الرئيس وقتها عبد الحليم خدام وطلب منهم إيقاف الحلقة وقالوا إنها مرعية من جانب بشار الأسد فأغلق الهاتف في وجههم. لاحقاً كتب الدكتور عبد الرزاق عيد ضد الندوة وضيفيها التيزيني وباروت.

في كل الأحوال الدكتور الطيب تيزيني لم يكن يخشى من كلمة الحق عند رجل السلطة وهذا ما أعرفه بالتأكيد.

هناك الكثير من الملاحظات التي كان بعض الأساتذة في قسم الفلسفة أو بعض الطلاب يتداولونها عن الدكتور الطيب تيزيني بأنه يكرر ما يقول وخصوصا في قراءة وتأويل النص التراثي ويرى بعضهم أن المجلدات التي كتبها فائضة عن الحاجة بحيث أن كتابا واحدا يفي بهذا الغرض... لا يقلل هذا من قيمة الرجل الفكرية ولا يقدح في رمزيته الأخلاقية حيث كان معلماً بحق.

صادق الطيب تيزيني طلابه وعاش بسيطاً يجاهر بكلمته مدافعاً عن حرية الرأي في زمن كانت حرية الرأي فيه أو الرأي المخالف لا يحترم لا من السلطة و لا من قبل أبناء الأديولوجيات التي انتمى هو نفسه لإحداها.

مقالات مقترحة
إيقاف العمل بمشفى أرمناز وحجر كادره بعد الاشتباه بإصابة كورونا
الأوكسجين مفقود في دمشق.. والحالات الحرجة تواجه خطر الموت
بإمكانات بسيطة.. امرأة سوريّة تقي الأطفال من كورونا
إصدار مرئي للتنظيم المسؤول عن استهداف الدورية المشتركة على الـM4
قتلى لقوات النظام في جبل الأكراد بعد إحباط محاولة تسللهم
ضحايا مدنيون بغارات جوية على مدينة بنش شمالي إدلب (فيديو)
رايبورن: صيف قيصر سيستمر على الأسد وحلفائه حتى النهاية
حجاب ورايبورن يبحثان أفضل السبل لتطبيق قانون قيصر
شركات نفط في لبنان يديرها مهرّب سوري وعضو في برلمان النظام