في ذكراها العاشرة.. ثورة لا بد منها

تاريخ النشر: 15.03.2021 | 05:40 دمشق

لا يتفق الفلاسفة ومفكرو المجتمع بتعريفاتهم للثورة، ولا يتفقون في تحديد الأسباب التي تؤدي للثورة في بلد ما، فكل ما مضى من الثورات كان لها خصوصية، وجانب مميز، وجوانب مظلمة، والثورة التي خاضها الشعب السوري، ثورة بخصوصيتها وتعريفها الفريد أيضاً. أرادت الجموع المتحركة أن تطيح بتراث خمسين عاماً من القمع والاستبداد، هذا كان هدفها الأول، لم تكن واعية لخطواتها التالية ولكنها كانت مدركة لما هو واجب التنفيذ في الحال وهو التخلص من طبقة عسكرية متسلطة تحولت إلى إرث عائلي..

ولم يكن المجتمع الدولي يخفي كراهيته للنظام فلطالما كان نظام الأسد معزولا في فترات عديدة من حكمه، ولكن هذا المجتمع تراجع عند الاستحقاق الأخير، وحظي النظام بدعم من تحالف ملتبس بين إيران وروسيا أرادت الأولى أن تحوله إلى مخدع خاص لأجنداتها الطائفية وتوسعاتها الإقليمية، وأرادت الثانية أن توظف موقعه لطموحها العسكري والتجاري، أما السوريون أنفسهم فمازال معظمهم مؤمناً بالشعارات ذاتها التي خرجت منذ اليوم الأول..

عشرة أعوام من الصراع طغى الدمار على المشهد السوري في معظم نواحيه، ومروراً بنقاط يتفاوض فيها أطراف غير سوريين حول مناطق الهدنة وحدود نفوذ كل قوة، وصدور اتفاقيات بلغات أجنبية، وتحييد السوريين بصورة كبيرة، ودخولا بمنعطفات عديدة منها تعدد الأطراف المسلحة والمتطرفة والقادمة من الخارج لمساندة مختلف الأطراف.

يفضل النظام ومؤيدوه فرض سلسلة سببية لمشهد سوريا المؤلم الراهن تصل إلى لحظة الخامس عشر من آذار اليوم الذي انطلقت فيه التظاهرات ضده، فإلى أي مدى يمكن توجيه الاتهام إلى تلك الانطلاقة؟ والاتهام هنا يأخذ أكثر من شكل فقد اتهم الحراك بأنه طائفي، أو له أهداف شخصية، ومدفوع من جهات خارجية.. وكل تلك الاتهامات واردة وقد مرت الثورة بسياقات أكدت جوانب منها أو عكسته بطريقة ما، ولكن هل يمكن أن نوجه حكم إدانة عما حدث باعتبار أن الصيحة الأولى كانت منشأ كل هذه النتائج؟

رغم أن انطلاق الجماهير للوهلة الأولى قد بني على معاناة شخصية وشعور بالظلم وإهدار الكرامة سواء على المدى الطويل خلال حكم البعث والأسدين، أو انطلاقا من حادثة الشرارة في درعا باعتقال بعض طلاب المدارس وتعذيبهم بوحشية، لكن خلف هذا تقف مجموعة متنوعة من الأسباب الوجيهة والموضوعية التي تجعل تحرك الجموع البشرية ضد النظام القائم نموذجا سوريا بالفعل..

تخلت الدولة عن دورها في قيادة التنمية وتفرغت للدفاع عن وجودها فأصبحت المؤسسة الضخمة في سوريا هي مؤسسة الأمن التي ابتلعت أو سيطرت على جميع مناحي الحياة

كانت الصورة في لحظات ما قبل الثورة، تعكس تكدساً بشرياً هائلاً في مدينتين هما دمشق وحلب، وخواء في الريف أخرج سوريا من خانة المجتمعات الزراعية إلى نطاق نصف حضري وسكان مدينة نصف متعلمين يقطنون على تخوم المدينة ويحلمون بالعيش الكريم دون امتلاك وسائل لتحقيق أحلامهم..

تخلت الدولة عن دورها في قيادة التنمية وتفرغت للدفاع عن وجودها فأصبحت المؤسسة الضخمة في سوريا هي مؤسسة الأمن التي ابتلعت أو سيطرت على جميع مناحي الحياة، بالإضافة إلى فتات اقتصادي يثير نهم مجموعة غير وطنية متلهفة للربح السريع الذاتي، تحالفت مع وجهاء الجيش لتشكيل قطاع مُصنع ذي طبيعة استهلاكية سيكون بعد مضي بعض الوقت عالة على الاقتصاد نفسه ومتسلطا على جانب كبير من السوق فارضاً نفسه على حساب سلع أكثر إلحاحا وأهمية، مع ضعف قدرته على إنتاج الوظائف الجديدة اللازمة لاستيعاب معدل تزايد سكاني كبير..

إهمال متطلبات السكان الاقتصادية الملحة على النحو الذي جرى وتهميش قدرات الملايين من السوريين القادرين على العمل والإبداع والحلم، حولهم إلى مجموعة غاضبة تنتظر فرصة لتسترد حقوقها.. هذه الكوارث الاقتصادية التي خلقتها حكومات النظام وحافظت عليها جيلا بعد جيل تزامن معها وضع سياسي أكثر تهافتا في ظل دستور يضع كل مسؤوليات الدولة وسلطاتها في يد شخص واحد، وفي ظل موات سياسي وعجز اقتصادي وأفق شبه معدوم للإصلاح، أصبحت الشروط الابتدائية للثورة متوفرة والتغيير مطلوب لذاته حتى ولو لم تعِه الجماهير التي ثارت في 2011.

المطالبة بالكرامة التي بدأت في درعا وترافقت بإصرار فريد بشعار "الشعب السوري واحد"، تحمل بالتأكيد المطالبة بما هو قادر على تحقيق الكرامة، وهو رحيل النظام القائم المسؤول عن تغييب الحرية والكرامة والتنمية أيضا.. جاءت الشعارات مرتبة ومضبوطة ومتلاحقة على ذات الرتم الوطني بما يتم فيه تجاوز كل أمراض الماضي، وصار معروفا أن حراكا كهذا كان بحاجة إلى قيادة خبيرة ومدركة لقيمة التحرك الشعبي الهائل وتوجيهه وتوظيف جهوده بحيث يصل إلى إنجاز ما يريد، وهو ما فشل التحرك في الوصول إليه..

يمكن أن يتم توجيه اللوم إلى المثقف ذاته الذي بدا مذهولا في أول الأمر، وهذا المثقف صاحب تجارب سابقة خاسرة في معارضة النظام الذي كان يلجأ إلى تكسير عظمه عند أول بادرة معارضة تظهر عليه، بالإضافة إلى هزال الخبرات السياسية في تكوين التشكيلات المعارضة فمعظمها كان مخترقاً وبدائياً وأحيانا استعراضيا دون عمق كاف لأخذه على محمل المعارضة الصحيحة، ويمكن تحميل الثوار أنفسهم جزءا في الفشل المبكر في تكوين قيادة، فالنخبة الشابة التي كانت في طليعة التحرك لم يكن لديها الثقة بحكمة معارضة الماضي، وخاصة بعد أن نجحت الشوارع في اكتساب تعاطف جارف وتشكل يقين بإنجاز المهمة بوقت قريب، فاستعيض عن القيادة بتشكيلات محلية أو تنسيقيات كانت ناجحة على المستوى المحلي فقط دون أن تتمكن من التنسيق على مستوى جغرافي أكبر..

انحسار التعاطف الدولي مع هذه الثورة جرى حين ظهر تنظيم الدولة الإسلامية وانصرفت الجهود لمحاربته

تنبه النظام بوحي مخابراتي إيراني وروسي إلى أهمية تطبيق حصار شديد على التنسيقيات وقطع الصلات بين تجمعات التظاهر المختلفة، فلم تؤد التنسيقيات المهمة الأساسية وهي ربط التحرك ليشكل سلسلة كبيرة ومستمرة بتنسيق محدد، فيما كانت المعارضة في الخارج قد بدأت بلملمة نفسها وخضعت لمساومات كثيرة حتى تمكنت من تشكيل المجلس الوطني، ومن ثم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة..

انحسار التعاطف الدولي مع هذه الثورة جرى حين ظهر تنظيم الدولة الإسلامية وانصرفت الجهود لمحاربته، وصدور تصريحات ومواقف دولية بأن محاربة النظام لم تعد أولوية، لا يغير بأي حال أحقية الثورة ومطالبها التي خرجت من أجلها، ومحاربة التنظيم وحدها لا تعطي مشروعية لأي جهة تقوم بذلك، ولا يشكل التنظيم بذات الوقت عبئاً على الثورة فظروف نشوئه وتطوره ومن ثم افتراسه لنصف مساحة سوريا جاء بسياق مختلف، وإن كان موازياً لسياقات الثورة، ينطبق هذا التوصيف على كل التشكيلات الجهادية التي نتجت أو أُنتجت في سوريا، المستورد منها والمحلي، وقد رفعت هذه التشكيلات بالفعل عبئا كبيراً عن كاهل النظام بتحويل الأنظار عنه وإضعاف التضامن مع الثورة عليه، ولكن التفريق كان على الدوام متاحا بين تنظيمات التطرف وسلوكياتها وبين حركة الثورة الأصلية، ووجود هذا العدد الضخم من اللاجئين السوريين والمهجرين قسريا هو تعبير صريح عن خلل عميق في عقلية وآليات عمل من يحكم هذا البلد، وهي عقلية خارجة عن الزمن وهي دون شك بحاجة إلى ثورة تقتلعها من الوجود.