icon
التغطية الحية

فورين بوليسي: فوبيا الأجانب في تركيا تستهدف السوريين عديمي الجنسية

2023.03.28 | 14:35 دمشق

طفل سوري لاجئ في تركيا - المصدر: الإنترنت
طفل سوري لاجئ في تركيا - المصدر: الإنترنت
Foreign Policy- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

بجدائلهما الطويلة وابتسامتيهما العريضتين، استقبلت  لونا، 6 سنوات، وفيوليتا، 5 سنوات، الصحفي جوشوا ليفكوفيتش في بيتهما بمدينة أنطاكيا الواقعة جنوبي تركيا في أواخر شهر كانون الأول من العام 2022، بعد ذلك لجأتا إلى ركن في غرفة الجلوس لتفرغا من رسم صور للأسرة كانتا تعملان عليها عند وصول الصحفي، ومن بين تلك الصور صورة لأبيهما محمد، وأمهما رابعة، وشقيقهما الأكبر أحمد، ثمة صور رسمتاها للصحفي نفسه.

بيد أن كل الأمور تغيرت على جميع الشخصيات التي ظهرت في تلك الرسوم يوم 6 شباط الماضي، عندما شق زلزال لم يشهد أحد مثيلاً له منذ أجيال أرض أنطاكيا وهز شقة الأسرة الموجودة في الطابق الثاني فأرداها أرضاً. لم يخرج أحمد من تحت الركام حياً، أما رابعة فقد وقفت أمام حطام البيت طوال أربعة أيام بانتظار انتشال جثة ابنها، في حين قاد محمد أسرته منذ ذلك الحين في رحلة ضمن الجنوب التركي بحثاً عن بيت جديد دون جدوى.

خطر انعدام الجنسية.. والترحيل

ثمة كثير من الأطفال وضعهم المؤقت مثل وضع لونا وفيوليتا، أما وضعهم على المدى البعيد فمايزال غامضاً، إذ إن كلتا الفتاتين لم تزر سوريا بحياتها، على الرغم من أنها بلدهما الأم، وبلد شقيقهما الأكبر الذي غادرها عندما كان في السابعة من عمره، وذلك لأنهما ولدتا في تركيا، دون أن تحملا لا الجنسية السورية ولا التركية. وهنالك الكثير من الأطفال مثل لونا وفيوليتا ولدوا في تركيا لأبوين سوريين، وفي بعض الأحيان لأب تركي وأم سورية أو العكس، وكل هؤلاء مهددون بوضع انعدام الجنسية.

خلال الأيام الأخيرة من عام 2022، التقى وزيرا الدفاع ورئيسا المخابرات التركيان والسوريان في موسكو ضمن أول اجتماع علني على هذا المستوى بين البلدين منذ أكثر من عقد. وبعد الاجتماع، علق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالقول: "هدفنا نشر السلام والاستقرار في المنطقة"، بيد أن غالبية السوريين يخشون من أن يفضي هذا التقارب إلى ترحيل قسري، ولهذا تخاف رابعة التي رفضت الكشف إلا عن اسمها الأول دون اسم عائلتها خوفاً على أمنها، من أن يتم ترحيل ابنتيها إلى بلد لا تعرفان عنه شيئاً.

تتواصل عمليات ترحيل اللاجئين السوريين طوال الفترة التي تسبق الانتخابات التركية التي ستجري في أيار المقبل، كما ازداد الخطاب المعادي للسوريين وجرائم الكراهية بحقهم، ناهيك عن تركيز الناخبين والسياسيين على حالة التضخم الكبيرة وفشل الاقتصاد المحلي وهم يشيرون بأصابعهم إلى السوريين ليتهموهم بالتسبب بكل ذلك، إذ تعلق رابعة على ذلك بقولها: "نحتاط كثيراً عند خروجنا من البيت، إذ صار خوفي من ترحيلنا يزداد يوماً بعد يوم".

تركيا.. دولة للمهاجرين

على الرغم من أن تركيا لا ترى نفسها كذلك، إلا أنها دولة مهاجرين، فقد هاجر بوسنيون وألبان وتتار وشعوب من جماعات عرقية أخرى إلى الأناضول خلال القرن العشرين، كما مضت مئة عام على مصيبة استبدال الشعب اليوناني بالتركي في عام 1923. ثم وصل أربعة ملايين سوري فروا من الحرب الدائرة في بلدهم إلى تركيا على مدار العقد الماضي، فأصبحوا يشكلون اليوم نحو 5% من سكان تركيا.

إلا أن المنظور الضيق للقومية في تركيا يتغاضى عن التاريخ ذي الثقافات المتعددة للإمبراطورية التي انحدرت منها الجمهورية التركية، فالذاكرة الجمعية التركية تتذكر العرب على سبيل المثال على أنهم تآمروا مع البريطانيين والفرنسيين ليثوروا على حكام الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى. وعلى الرغم من أن سوريا كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية طوال 400 عام، ما يعني بأن الترك والسوريين لديهم تاريخ مشترك وثقافة مشتركة ودين واحد، إلا أن الخطاب الشعبوي التركي يصف العرب بأنهم يطعنون المرء في ظهره.

ناقش زيا غوكالب، وهو أبو القومية التركية، في كتابه تاريخ الحضارة التركية الذي صدر في عام 1925 فكرة اختلاف الشعب التركي عن العرب والكرد والبربر، إذ يرى بأن تلك الأعراق لم تطور أساليبها القبلية، أما محمود إسات بوزكورت، الذي شغل منصب وزير العدل عند تأسيس الجمهورية التركية، فقد رأى في عام 1930 بأن: "هؤلاء الذين لم ينحدروا من عرق تركي صاف لديهم حق واحد في هذا البلد، وهو الحق بأن يكونوا خدماً وعبيداً".

واليوم، يتمتع معظم السوريين البالغ عددهم أربعة ملايين في تركيا بوضع الحماية المؤقتة ويعتبرون ضيوفاً في البلاد، على الرغم من مرور أكثر من عقد على إقامتهم فيه، وفي الوقت الذي يوفر فيه هذا الوضع للسوريين الموجودين في تركيا بعضاً من حقوقهم الأساسية مثل الرعاية الصحية المجانية والتعليم، إلا أنه يمنعهم في الوقت ذاته من التقديم للحصول على الجنسية التركية، إذ يمكن للأجانب التقدم بطلب رسمي للحصول على الجنسية التركية بعد مرور خمس سنوات على إقامتهم في تركيا.

يقيم في تركيا تقريباً 1.6 مليون سوري من فئة القاصرين، 750 ألفاً منهم ولدوا هناك، ولهذا غدوا عديمي الجنسية، وثمة أسباب كثيرة تمنع الاعتراف الرسمي بهؤلاء الأطفال على أنهم مواطنون سوريون، منها عدم توفر وثائق السجل المدني، والعوائق التي تفرض عند استصدار شهادة ميلاد في تركيا، والخشية من زيارة القنصلية السورية أو العودة إلى سوريا، وقانون الجنسية في سوريا الذي يميز بين الرجل والمرأة، إذ لا يمكن للأم السورية أن تعطي جنسيتها لابنها إلا في حال ولدته داخل سوريا، ولهذا أصبح الأطفال في تركيا يعانون من خطر التحول إلى عديمي الجنسية في حال عدم وضوح علاقة الأم السورية بأب سوري أو تركي أو عدم قدرتها على إثبات تلك العلاقة.

ولمنع وقوع حالة انعدام الجنسية، يبيح القانون التركي للأطفال المولودين في تركيا ممن لم يتمكنوا من الحصول على جنسية والديهم أن يصبحوا مواطنين أتراكاً، بيد أن هذا البند لم يطبق على الأطفال السوريين المولودين في تركيا. ولعل أحد أسباب ذلك هو أن السلطات التركية لا تنظر للأطفال المولودين لآباء سوريين على أنهم عديمي الجنسية، بما أنه يحق لهم قانونياً الحصول على الجنسية السورية في حال عودتهم إلى سوريا أو مطالبتهم بها.

عواقب انعدام الجنسية

يظهر أحد الأبحاث بأن حالة انعدام الجنسية قد تتسبب بحالة نزوح لمدة طويلة، بيد أن الحكومة التركية لم تبذل سوى جهد يسير لتعالج هذا الواقع، فالأطفال السوريون في تركيا يداومون في المدارس التركية، كما أصبحوا يتحدثون اللغة التركية بطلاقة، ولا يستطيعون القراءة والكتابة بالعربية بالضرورة، ولكن في حال عدم حصولهم على الجنسية التركية أو إقامة دائمة في تركيا، فسينسى الجميع أمرهم بشكل دائم بما أنهم يعتبرون ضيوفاً، وبذلك لن يتمكنوا من الاندماج مع المجتمع التركي بصورة كاملة.

بيد أن خطر انعدام الجنسية الذي يعاني منه جيل بأكمله من السوريين الذين ولدوا في المهجر ليس حكراً على تركيا، وذلك لأن دولاً أخرى في المنطقة استضافت لاجئين سوريين تعيش الوضع ذاته، إذ يمثل الفلسطينييون أكبر جالية لعديمي الجنسية على مستوى العالم، بما أن إسرائيل وحكومات الدول العربية المضيفة تمنعهم من التجنيس لديها. وهذا الفراغ عرّض أربعة أجيال من اللاجئين الفلسطينيين للحرمان من الحقوق الأساسية وحدّ من حصولهم على الخدمات العامة وعلى مصادر الزرق. أما السوريون الذين ولدوا في الداخل السوري ولكن في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام فقد تحولوا إلى عديمي الجنسية هم أيضاً، ولكن هذه المشكلة تبرز بصورة أكبر في تركيا، كونها الدولة الأولى من حيث عدد اللاجئين الذين تستضيفهم على أراضيها.

 

شسيب
السوريون الفارون من الحرب ينتظرون دخول تركيا بالقرب من المعبر الحدودي في أقجة قلعة في مقاطعة أورفا، حزيران 2015

سياسة الباب المفتوح وتوابعها

عندما انتفض السوريون على النظام في عام 2011، سارعت الحكومة التركية للإعلان عن دعمها للمعارضة السورية، حيث قدم أردوغان نفسه كداعم وحام للسوريين، عبر تطبيق سياسة الباب المفتوح أمام من فروا من العنف، واستمر العمل بتلك السياسة حتى عام 2015.

في عام 2016، بدأ أردوغان بمنح الجنسية التركية الاستثنائية لبعض السوريين في تركيا من خلال قانون التجنيس الصادر عام 2009 والذي يبيح لرئاسة الوزراء منح الجنسية لأجانب قدموا "خدمة جليلة في المجال الاجتماعي أو الاقتصادي". ومنذ نهاية عام 2022، بلغ عدد السوريين الحاصلين على الجنسية التركية بموجب هذه السياسة 223881 مجنساً، وذلك بحسب أرقام وزارة الداخلية التركية.

وحول ذلك علق أردوغان في عام 2017 بالقول: "هنالك أشخاص من ذوي الكفاءات بين صفوف السوريين، إذ بينهم مهندسون ومحامون وأطباء، فلنستفد من تلك المواهب... بدلاً من تركهم يعملون بصورة غير قانونية هنا وهناك، ولنعطهم فرصة ليعملوا كمواطنين مثلهم مثل أبناء هذه الأمة"، ولذلك اتهم رجال السياسة في المعارضة وبعض الأتراك أردوغان باستغلال المعايير غير الواضحة لذلك القانون فيما يتصل بالخدمات الجليلة ليقوم بقلب موازين الانتخابات لصالحه عبر تكوين مجموعة جديدة من الناخبين لصالح حزب العدالة والتنمية.

وبمرور السنين، انقلبت تركيا على اللاجئين الذين رحبت بهم، إذ في البداية أخذ الأتراك يعبرون عن تعاطف حذر تجاه السوريين، ثم تحول القادمون الجدد في نهاية المطاف إلى مصدر قلق وسبب لظهور كل النزعات السلبية في تركيا، بدءاً من تراجع الديمقراطية وازدياد التهديدات الأمنية على البلد الذي صار يعاني من أزمة اقتصادية مستمرة. كما هاجمت حشود معادية للسوريين محال السوريين وبيوتهم في أنقرة في عام 2021، ضمن موجة معادية للهجرة اتسمت بالعنف، وفي أيلول من عام 2022، قامت مجموعة من مواطنين أتراك بطعن شاب سوري تم قبوله لدراسة الطب في أنطاكيا، فمات بسبب ذلك.

تعهدات بالجملة لترحيل السوريين

استعان مرشحو المعارضة التركية بالخطاب القومي العنصري للضرب على وتر مخاوف شعب يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية ويخشى من تغيير الطبيعة الاجتماعية للبلد. وقد تصدر أوميت أوزداغ المعروف بإثارته للجدل ومعاداته للمهاجرين هذا الجدل القومي حول اللاجئين، فأسس حزباً يقوم بصورة أساسية وحصرية على ترحيل اللاجئين في عام 2021، كما مول فيلماً قصيراً يقوم على مزاعم فاسدة وهو الغزو الصامت، والذي يفوز فيه حزب سوري بالانتخابات التركية في عام 2042 ويتم إعلان اللغة العربية لغة رسمية للبلاد.

بيد أن موسم الحملات هذا لم يخصص أي وقت أو جهد ليناقش مسألة اندماج السوريين، وذلك لأن معظم الأحزاب السياسية تعتقد بأن كل السوريين سيعودون إلى وطنهم قريباً، بوجود تقارب يلوح في الأفق.

إذ قال كمال كليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري العلماني، أهم حزب معارض، في تظاهرة قامت خلال العام المنصرم: "لا تقلقوا لأننا سنرسل إخوتنا السوريين إلى بلدهم بالطبل والزمر خلال عامين على أقل تقدير". وفي السابع من آذار، تم تعيينه كمرشح للرئاسة عن تجمع الأحزاب المعارضة الساعية للإطاحة بأردوغان في انتخابات أيار المقبلة، إذ تصدر العلمانيون الأتراك الدعوات المطالبة بترحيل السوريين، بعدما قلقوا من تحول تركيا إلى دولة إسلامية يحكمها أردوغان.

ورداً على دعوات معارضيه، تعهد أردوغان في عام 2022 بإعادة مليون سوري في غضون سنة، على الرغم من أن كثيرين اعتبروا هذه الخطوة غير واقعية وغير قانونية أيضاً، إلا أن اختيار كبش فداء للمعارضة يعتبر من السبل التي يمكن لأردوغان من خلالها منع تأييد المعارضة، كما يبدو أن السياسة الداخلية هي التي دفعت أردوغان ليغير موقفه بسرعة تجاه النظام السوري.

انقلاب جذري ضد اللاجئين

أتت التمهيدات العلنية التي قام بها الرئيس التركي تجاه بشار الأسد عقب سنوات من انتهاج سياسة أشد صمتاً سعت لدفع السوريين للخروج من تركيا، إذ وثقت منظمة هيومان رايتس ووتش اعتقال السلطات التركية بشكل عشوائي لمئات السوريين وترحيلهم خلال الفترة الواقعة ما بين شباط ونموز من عام 2022، في الوقت الذي تمنع فيه اتفاقية جنيف لعام 1951 الدول الموقعة عليها، ومن بينها تركيا، من إعادة اللاجئين إلى الأماكن التي يعتقدون بأنهم سيتعرضون فيها للخطر، إلا أن الحكومة التركية أنكرت تلك الممارسات.

 

تن
لاجئون سوريون يعيشون في تركيا يستقلون حافلة عبر معبر باب الهوى الحدودي الشمالي للعودة إلى سوريا في أعقاب زلزال 6 شباط.

 

في حين صرح ساواش أونلو وهو مدير دائرة الهجرة في تركيا، في شهر آذار 2022 بأن 500 ألف سوري قد عادوا إلى بلدهم طوعياً منذ عام 2016، بيد أن بيانات الأمم المتحدة تثبت بأن عدد العائدين السوريين من تركيا إلى سوريا حتى عام 2022 يفوق 29 ألفاً، كما أشار أنولو بأن السوريين العائدين توجهوا للمناطق الآمنة التي أقامتها تركيا لهم.

بيد أن الزلزال الذي وقع في شباط الماضي عقد الأمور كثيراً، إذ منذ وقوع تلك الكارثة، منحت الحكومة التركية إذن خروج مؤقت لنحو 50 ألف سوري مقيم في تركيا حتى يعودوا إلى سوريا، ويتعين على من غادر تركيا من السوريين بموجب هذا الإذن المؤقت أن يعودوا قبل 15 أيلول حتى يتم إدخالهم من قبل الجانب التركي إلى تركيا، وذلك بحسب السياسة الحكومية المعمول بها في هذا الخصوص.

بيد أن السوريين غابوا عن النقاش السياسي الدائر حول رغبتهم بالبقاء في تركيا أو العودة إلى سوريا، أو الانتقال للعيش في مكان آخر، إذ بحسب ما أوردته مفوضية اللاجئين الأممية في عام 2020 عبر تحقيق صادر عن هيئة البارومتر السوري، فإن نسبة السوريين المقيمين في تركيا ممكن يفكرون بالعودة إلى بلدهم ارتفعت من 17% خلال عام 2017 إلى 78% في عام 2020، بيد أن المشكلة هنا تحمل معها الكثير من المخاطر بالنسبة للسوريين عديمي الجنسية، والمقصود بهم هؤلاء الذين لم يتمكنوا من إثبات أنهم مواطنون سوريون، والذين قد يتعرضون للخطر في الداخل السوري، كما قد لا يستطيعون أن يرثوا عقارات وغيرها من الأصول عن أهاليهم، كما لم يتضح ما إذا كانت السلطات السورية ستسمح لهم بدخول البلد أم لا.

 

ي
أطفال لاجئون سوريون يلعبون أمام ملصق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مخيم كهرمان مرعش للاجئين

فرصة لمناقشة الوجود السوري

وهكذا ستصبح الانتخابات التركية القادمة فرصة مؤاتية لتركيا حتى تناقش فكرة طرح نهج جديد فيما يتصل بوضع السوريين في البلد، وفي حال عُرض على السوريين طريق منظم للخروج من هذا الوضع، فإنهم قد يسهمون بنسبة أكبر في الاقتصاد التركي، إذ يعتبر التوظيف دافعاً للاندماج، وقد طرحت تركيا نظام إذن العمل للاجئين السوريين منذ عام 2016، إلا أنه ينبغي على رب العمل أن يتحمل نفقات ذلك، وهذا ما يرفضه أغلبهم في معظم الأحيان، كما أن توظيف اللاجئين يعتبر عقبة إدارية، والأنكى من ذلك هو أن المشاريع التجارية تستفيد من العمالة غير الرسمية الرخيصة التي تتقاضى ما دون الحد الأدنى من الأجور، إلا أن الحكومة التركية أعلنت عن منحها فقط لـ 91492 إذن عمل لصالح سوريين خلال عام 2021، في حين تقدر منظمة العمل الدولية بأن نحو 97% من اللاجئين السوريين يعملون بصورة غير رسمية في تركيا.

قامت بعض دول أميركا اللاتينية برأب فجوة العمل بصورة غير رسمية لديها عبر منح اللاجئين القادمين من فنزويلا إعفاءات مؤقتة، فقد نزح منذ عام 2015 نحو 5.4 ملايين فنزويلي، ضمن أكبر موجة للهجرة في المنطقة حتى تاريخ اليوم. وفي عام 2021، منحت الحكومة الكولومبية جميع المهاجرين الفنزويليين في كولومبيا وضعاً قانونياً، كما قدمت لهم إقامات يمتد تاريخها لعشر سنوات. ويرى صندوق النقد الدولي بأن الاندماج الاقتصادي للفنزويليين يمكن أن يرفد الناتج المحلي الإجمالي في الدول المضيفة ضمن أميركا اللاتينية بنسبة تصل إلى 4.5% بحلول عام 2030.

أما في تركيا، فإن إخراج السوريين من الاقتصاد غير الرسمي لا بد أن يحميهم من الممارسات الاستغلالية عند التوظيف كما بوسعه أن يهدئ من روع الطبقة العاملة في تركيا تجاه فكرة سرقة السوريين للوظائف والأعمال أو تهربهم من الضرائب، وأيضاً يمكن لذلك أن يتحول إلى مكسب مشترك، في الوقت الذي تسعى فيه تركيا جاهدة لإعادة إعمار ما دمرته الزلازل التي وقعت في شهر شباط الماضي، إذ في حال ظهور خطة لتوظيف السوريين بشكل قانوني، عندها لابد أن يسهم السوريون في جهود إعادة الإعمار.

ما تزال مشكلة الجنسية التركية شائكة، بيد أن كلاً من الأتراك والسوريين يفضلون أن يتم ذلك بشفافية أكبر، خاصة فيما يتعلق بموعد منح الجنسية وطريقة الحصول عليها، وذلك لأن زيادة التوضيح بخصوص عملية التجنيس لابد أن تحد من كم التضليل الإعلامي، إلى جانب الحد من فرص تحويل السوريين إلى أدوات سياسية. وعندها قد يتحمس السوريون البالغون لتعلم اللغة التركية إن كان تعلمهم لها يمكن أن يفضي إلى نتيجة ملموسة، أي الحصول على إقامة مثلاً، أو أن يكون ذلك سبيلاً للحصول على الجنسية.

اختلافات بين الأحزاب تجاه تقبل اللاجئين

يبدي بعض السياسيين السوريين لهجة تصالحية أكبر من عامة التيار السياسي التركي تجاه اللاجئين السوريين، ومن بينهم فاتح آيدن، وهو نائب رئيس حزب الرفاه في تركيا، والذي يمثل تكتلاً إسلامياً صغيراً، إذ صرح لصحيفة تركية في إحدى المرات فقال: "هدفنا هو زيادة عودة اللاجئين إلى أبعد حد مع البدء بعملية الاندماج بالنسبة لمن سيبقون في البلد". أما حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للكرد في تركيا، وهو ثاني أكبر حزب معارض، فلا يستخدم مشكلة اللاجئين كسلاح، ولهذا صرح بأنه يؤيد الحساسية تجاه حقوق المهاجرين واللاجئين، وفي عام 2016، أعلن زعيمه، صلاح الدين ديميرتاش، الذي عاش تجربة السجن في تشرين الثاني من عام 2016، بأن: "كل من يرغب بأن يصبح مواطناً ويحقق الشروط اللازمة لذلك يجب أن يتمكن من التحول إلى مواطن تركي، فبلدنا بلده".

إن حجم الدمار الذي خلفته الزلازل الأخيرة التي بدأت في 6 شباط وأعقبتها هزات ارتدادية كثيرة، ما يزال غير معلوم تماماً، فقد تحول أكثر من 1.9 مليون نسمة إلى مشردين كما توفي أكثر من 48 ألف إنسان في تركيا وسوريا بسبب الزلزال، وهذا ما دفع أردوغان في شهر شباط للقول: "سنعيد بناء تلك الأبنية في غضون عام واحد وسنسلمها للمواطنين"، في محاولة صريحة لتسليط الضوء على قوة الدولة وقوميتها قبل الانتخابات المقبلة، إلا أن عملية إعادة الإعمار من المرجح لها أن تستغرق وقتاً أطول من ذلك بكثير.

لقد نجا السوريون المقيمون في الجنوب التركي من الحرب في بلدهم، ليتعرضوا لحالة انهيار اقتصادي وجرائم كراهية، والآن لكارثة طبيعية في تركيا، بيد أن الزلازل جعلت من احتمال عودتهم أمراً بعيداً، وذلك لأن أي حل لنزوحهم الطويل والذي كان صعباً، أصبح مستحيلاً في أعقاب الدمار الحاصل.

ولكن بوسع السوريين المساهمة بتحمل عبء إعادة إعمار تركيا في حال تم تأمين شيء من الاستقرار لهم في هذا البلد، إذ بعد مرور 12 عام على الحماية المؤقتة، لا بد للسوريين في نهاية المطاف أن يصبحوا مؤهلين للتقدم بطلب من أجل الحصول على إقامة متوسطة أو طويلة الأمد في تركيا وذلك لتشجيعهم على الاندماج على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، ويجب أن تبدأ هذه العملية بالأطفال السوريين المولودين في تركيا الذين أصبحوا عديمي الجنسية بحكم الأمر الواقع، لأن ذلك إن لم يتم، فسيضيع حق هؤلاء الأطفال المستضعفين من أمثال لونا وفيوليتا وغيرهم الكثير بين بقية المشكلات والهموم.

المصدر: Foreign Policy