فورين بوليسي.. عبثية العقوبات الأميركية على النظام السوري

تاريخ النشر: 12.01.2022 | 13:44 دمشق

فورين بوليسي- ترجمة: ربى خدام الجامع

في ذروة الحرب السورية، فر السوريون من القصف العنيف حفاظاً على أرواحهم، إلا أن غالبية من ظلوا في البلاد باتوا عازمين اليوم على الهروب من حياة الفقر. ولهذا خلال الفترة القريبة الماضية، أصبح السوريون من بين المهاجرين الذين يأتون أفواجاً ويتقاطرون على حدود الاتحاد الأوروبي عبر بيلاروسيا. أما من دبر تلك الأزمة فهي روسيا والنظام في سوريا بالتعاون مع حليفهم البيلاروسي، غير أن رغبة السوريين بالهروب من الاقتصاد المدمر في بلدهم صادقة وحقيقية.

لم يخب يأس السوريين حتى بعدما خبت جذوة النزاع المسلح، وهذه الأزمة تسببت بقرع ناقوس الخطر في العواصم الأوروبية، كما فضحت في الوقت ذاته فشل السياسة الغربية. إذ لا يمكن للمجتمع الدولي أن ينفض يديه من المشكلة السورية عبر فرض عقوبات وحسب، بل عليه أن يفكر بطريقة براغماتية بشكل أكبر، مع العمل على إيجاد سبيل للاستفادة من العقوبات بهدف تحسين حياة الشعب السوري، بدلاً من ترك تلك العقوبات في مكانها حتى يتشدق المجتمع الدولي ويقول: ها قد فعلنا شيئاً لمعاقبة بشار الأسد على جرائم الحرب الكثيرة التي اقترفها.

السبيل الوحيد للخلاص

في الوقت الذي ما تزال فيه أعداد السوريين المتوجهين صوب أوروبا قليلة مقارنة بما كانت عليه خلال السنوات الخمس الماضية، يمكن القول إن تلك الأعداد أخذت ترتفع بشكل مطرد لتصل إلى ذورتها خلال العام الفائت بعدما أصبحت طوابير الخبز والوقود أطول من ذي قبل. إذ بحسب ما نقلته أسوشيتد برس، فإن 82 ألف سوري تقدموا بطلب لجوء في الاتحاد الأوروبي خلال عام 2021، 66 ألفاً منهم تقدموا بذلك الطلب للمرة الأولى، أي بزيادة وقدرها 70% عما كانت عليه الأعداد قبل عام، بالرغم من وصول أعداد السفن التي تحطمت وحالات الغرق في البحر إلى ذروتها. ووفقاً لما جاء في أحد التقارير الاستقصائية، فإن نحو 64% من السوريين الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها النظام يرغبون بمغادرة البلد والاستقرار في مكان آخر. وبالأساس، تحتضن أوروبا مليون سوري، ولذلك لم تعد لديها رغبة في الداخل لقبول المزيد منهم. ولكن بالنسبة للسوريين الذين يعانون الأمرين بسبب حرمانهم الكبير وبشكل يومي من كل ما يحتاجونه، والذين ما يزالون يعيشون وسط مدن مدمرة، أصبحت تلك الرحلة الغادرة على متن قوارب غير صالحة للملاحة تحملهم إلى أوروبا هي السبيل الوحيد للخلاص.

حاول أبو زاهر العبور إلى ألمانيا من بيلاروسيا ثلاث مرات، فكان في كل مرة إما يتعرض للخديعة أو يتم احتجازه أو ترحيله. ففي محاولته الأولى، تركه المهربون في غابة قريبة من الحدود البولندية، بالرغم من أنه دفع لهم ليرافقوه إلى ألمانيا. وبعد مرور بضعة أيام، أجبره الجنود البيلاروسيون على السباحة في نهر بارد حد التجمد، ثم عبور الحدود بطريقة غير شرعية ليصل إلى ليتوانيا، فأمسكت به الشرطة على الحدود الليتوانية وقامت بترحيله إلى بيلاروسيا على الفور. وفي المحاولة الثالثة، وصل أبو زاهر إلى بولندا، إلا أنه تعرض للضرب من قبل الشرطة البولندية، كما تمت إعادته من جديد إلى تلك الغابة.

بعد ذلك نفد المال لديه، وأصابه تعب شديد من الجري، ومع ذلك أخبرنا بأنه سيواصل المحاولة حتى يصل إلى ألمانيا بدلاً من العودة إلى سوريا، حيث لا توجد كهرباء، وهنالك غلاء فاحش في أسعار المواد الغذائية الأساسية، كما أصبح الوقود هناك سلعة نادرة. وعن ذلك يقول أبو زاهر، وهو مهندس سوري عمره 33 عاماً، إنه لم يهرب من القذائف بل هرب بسبب الأزمة الاقتصادية المدمرة، وتابع "حلمي الوحيد أن أحصل على عمل لائق وأن أرسل بعض المال لأهلي في الوطن".

إلا أن ابن أم عبد الله حالفه الحظ أكثر من أبي زاهر، حيث استطاع أن يتجاوز العديد من السلطات على الحدود ليصل إلى ألمانيا. وفي سوريا، كان عبد الله عاملاً لدى أبيه الذي يعمل نجاراً، إلا أن ضعف الطلب وعدم وجود الكهرباء تسببا في نقص كبير في عملهما أو انعدامه، إلى درجة أنه لم يعد بوسعهما إبقاء ذلك المشروع مفتوحاً، وتلك هي حال معظم السوريين في المناطق التي يسيطر عليها النظام. تخبرنا أم عبد الله بأن الحياة في سوريا لم تعد حياة أبداً، ولذلك فضلت أن يخاطر ابنها بحياته في تلك الرحلة غير القانونية على أن يتحمل حياة الشظف والحرمان بعد الحرب، خاصة مع عدم وجود أي بارقة أمل تلوح في الأفق.

وفي مقابلة لها مع فورين بوليسي، ذكرت أم عبد الله التي تعيش في ضاحية قريبة من دمشق وقالت: "ثمة حركة هجرة هائلة إلى خارج البلد ظهرت خلال السنة الماضية، فقد باعت بعض العائلات كل ما لديها حتى تسافر. أما أنا فقد بعت مجوهراتي لأدفع ثمن الرحلة عن ابني، لأنني أريد له أن يبدأ من جديد بحياة حقيقية، أما هنا، فنحن نعيش كالأشباح".

يذكر أن تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون في فقر ولا يستطيعون تحمل تكاليف الضروريات الأساسية مثل الخبز والحليب واللحم، فقد هبطت قيمة العملة السورية بشكل كبير خلال السنة الماضية بالتوازي مع الانهيار الاقتصادي في الجارة لبنان، فارتفعت أسعار الغذاء بشكل جنوني لتصل إلى أكثر من 100%، كما ما يزال 7 ملايين سوري نازحين داخلياً ويعانون من ضائقة مالية وليس لديهم أية وسيلة تعينهم على إعادة بناء بيوتهم ومجتمعاتهم.

أتى الانهيار الاقتصادي في البلاد نتيجة للدمار الذي خلفته الحرب، وللفساد الذي امتد لعقود في ظل حكم الأسد، ومن جراء انهيار القطاع المصرفي في لبنان، الذي لم يخسر فيه اللبنانيون ما أودعوه فيها فحسب، بل السوريون أيضاً خسروا أموالهم المودعة هناك. بيد أن العقوبات الغربية التي تحظر أي شكل من أشكال إعادة الإعمار، ويشمل ذلك محطات توليد الطاقة والمدن التي سويت بالأرض، تزيد هي الأخرى من مآسي السوريين بكل تأكيد، كما تحرمهم من أي فرصة للعودة إلى الحياة الطبيعية.

خلاف حول قانون قيصر

لم يعد السوريون يتوقعون أي شيء من نظام حول دورهم وحوانيتهم ومدارسهم إلى خرائب، لكنهم ما يزالون يطمحون أن يهب المستثمرون الأجانب لمساعدتهم، ولإعادة إعمار بلدهم، بشكل يساعدهم على بدء حياتهم من جديد. بيد أن ذلك الأمل تبخر عندما دخل قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا حيز التنفيذ في شهر حزيران من عام 2020، بما أن هذا القانون يلوح بفرض عقوبات على أي كيان، سواء أكان أميركياً أم غير أميركي، في حال تقديمه لأي "دعم مالي أو مادي أو تقني كبير" للنظام في سوريا.

لا خلاف بشأن العقوبات الفردية التي فرضت على الأسد وزمرته، إذ ثمة إجماع بين الخبراء على تحديد المزيد من الشخصيات ضمن أجهزة الأمن السورية وفرض عقوبات عليهم. كما أجمع الخبراء على وجوب محاكمة المجرمين المتهمين بارتكاب جرائم حرب في سوريا في محاكم أوروبية بموجب الولاية القضائية الشاملة، إلا أن الانقسام والنزاع يدور حول فائدة العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر.

إذ ترى مجموعة من الخبراء بأن تخفيف العقوبات، خوفاً من ظهور موجة لجوء جديدة، قد يصبح بمنزلة الخضوع لمكايد روسيا والأسد، إذ يعتقد هؤلاء بأن الأسد لم يقدم أي تنازل حتى الآن إزاء أي مطلب من مطالب المجتمع الدولي التي وردت في قرار مجلس الأمن رقم 2254 كما ليست لديه أية نية بتغيير سلوكه.

في حين يقترح آخرون نهجاً أكثر عملية يتمثل بتخفيف معاناة الشعب السوري مع تجنب ظهور موجة لجوء جديدة، إذ يعتقدون بما أنه لم يعد أحد يصدق أنه يمكن إسقاط الأسد على يد المعارضة، أو على يد حليفه وداعمه الروسي خلال فترة قريبة، لذا لا بد من اعتماد سياسة أكثر دقة. إذ في حال استبقت الولايات المتحدة عقوباتها الكثيرة والمتنوعة على حالها إلى أن يفسح الأسد المجال لقيام عملية انتقال سياسي مهمة، والتي يعتبرها النظام عملية تغيير له بطريقة أخرى، فهذا يعني بأن الأزمة ستتفاقم بمرور الزمن بكل بساطة. ولكن إن تم استغلال العقوبات بشكل مناسب مع التخفيف من الضائقة الاقتصادية التي تعصف بسوريا، عندها قد يشجع ذلك السوريين على البقاء في بلدهم.

خطوات فعلية وواقعية

 أوصت مجموعة الأزمات الدولية الولايات المتحدة منذ مدة طويلة أن تقوم بإعداد قائمة تشتمل على "خطوات فعلية وواقعية" ينبغي على النظام في دمشق وحلفائه أن يلتزموا بها مقابل رفع العقوبات المفروضة عليه.

إلا أن النظام في سوريا لن يقوم بمحاسبة مجرمي الحرب (أو حتى محاسبة نفسه)، كما لن يطلق سراح السجناء، ولكنه قد يلبي طلبات أخرى في حال تم تحفيزه بما فيه الكفاية على القيام بذلك. إذ ترى مجموعة الأزمات الدولية بأنه يمكن حث النظام على قبول دخول الجهات الفاعلة الدولية في المجال الإنساني من دون فرض أي قيود عليها، والسماح للنازحين بالعودة إلى ديارهم، والتعهد بإنهاء الغارات الجوية العشوائية التي تضرب مناطق خارج سيطرة النظام.

ترى دارين خليفة وهي من كبار المحللين لدى مجموعة الأزمات الدولية بأن الدول الغربية تحافظ على نفوذها في سوريا في الوقت الراهن وذلك بفضل الوجود العسكري لقوات التحالف الدولي، وبفضل العقوبات وبفضل السيطرة بحكم الأمر الواقع على الموارد الخارجية المهمة التي يمكن أن تتدفق إلى سوريا من أجل إعادة إعمارها ولخلق حالة انتعاش مبكرة فيها.

وتعلق دارين على ذلك بالقول: "في الوقت الذي يبدو فيه هذا النفوذ غير كاف لدفع القيادة في دمشق نحو التغيير، إلا أنه يمكن أن يحقق أهدافاً مهمة تتميز بقيمتها الاستراتيجية بالنسبة للغرب، كما يمتاز ذلك النفوذ بأهميته التي أصبحت مسألة حياة أو موت بالنسبة لملايين السوريين، وذلك في حال تم استغلال ذلك النفوذ بشكل فعال".

ولكن حتى تتمكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من استغلال نفوذهما بشكل أفضل، يتعين عليهما تحديد موقف أوضح يعربان من خلاله أنه في الوقت الذي لن يحصل فيه النظام في دمشق على تلك الأمور مجاناً، ثمة نتائج قابلة للتحقيق قد تدفع نحو معاملة الغرب بالمثل من دون تغيير النظام. وهنا تضيف دارين خليفة: "إن نقطة الانطلاق في المفاوضات لا يمكن أن تكون: "دمشق لن تتزحزح"، وذلك لأن النظام السوري، مثله مثل أي طرف آخر في النزاع، يجب عليه ويمكنه أن يتابع في تنازلاته عندما يشعر بأنه لم يعد أمامه أي خيار آخر سوى التنازل، طالما أن تلك التنازلات لا تمس جوهر النظام على الأقل".

أما جوشوا لانديز رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما وهو متزوج من سورية ويعتبر من أشد المدافعين عن فكرة إسقاط العقوبات، فيقول: "يجب أن نسمح للسوريين بشق طريقهم بأنفسهم للخروج من حفرة اليأس، وهذا يعني رفع العقوبات، إذ عندما يحدث ذلك، لا بد للمستثمرين الإقليميين أن يقوموا بتشغيل أموالهم، وعندئذ سيعود اقتصادهم للحياة من جديد".

لا حكمة في منح كل شيء مقابل لا شيء

في الواقع، يتوق المستثمرون الإقليميون للمشاركة في إعادة إعمار سوريا ودفع النظام في سوريا لاحتواء إيران مقابل ذلك. إذ خلال العام الماضي، أقنع الأردن الولايات المتحدة بالسماح للغاز المصري والكهرباء الأردنية بالمرور عبر الأراضي السورية لإنهاء أزمة الطاقة بلبنان، ولمساعدة الاقتصاد السوري من خلال تلك العملية. إلا أن هذه الخطوة أربكت المحللين الذي أخذوا يتساءلون لم لم تستفد إدارة بايدن من العقوبات وتطلب شيئاً لها بالمقابل بدلاً من تقديم ذلك التنازل مجاناً؟ يرد على هذا السؤال آندرو تيبلار وهو عضو في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى فيقول: "ليس من الحكمة منح كل شيء مقابل لا شيء".

ثم إن إدارة بايدن حاولت أن تنأى بنفسها عن سياسة "الضغوطات القصوى" التي فرضت بموجبها عقوبات بفضل الرئيس السابق دونالد ترامب وسياسته في الشرق الأوسط، لكنها لم تقدم أي شيء يمكن للشعب السوري الاستفادة منه، بل تابعت بكل بساطة تنفيذ قانون قيصر، الذي وقع عليه ترامب ليتحول إلى قانون في كانون الأول من عام 2019. ولهذا كثيراً ما توصف سياسة الرئيس جو بايدن في سوريا بأنها "مشوشة" وبأنها فشلت في خلق حالة توازن بين العصا والجزرة للدفع من أجل تغيير سلوك النظام، إذ تبدو هذه الإدارة غير مستعدة للمضي أبعد من ذلك، وبذلك فإنها تترك الأزمة حتى توهن من تلقاء نفسها بالرغم من آثارها التي تطول ملايين الأرواح، كما ستؤثر على السياسة الأوروبية مستقبلاً.

المصدر: فورين بوليسي